قال محللون اقتصاديون إن النفط العربي سيظل محافظاً على مكانته خلال الفترة المقبلة، على الرغم من حديث الدول المستهلكة للطاقة إلى حول ضرورة تشجيع التنقيب عن النفط وإنتاجه من مناطق غير تقليدية، خاصة في غرب أفريقيا وبحر قزوين، بعد القفزة الكبيرة التي شهدتها أسعار النفط الخام خلال الأسابيع الماضية، لتصل إلى مستويات قياسية.

ووفقاً لمحلل اقتصادي في مركز الدراسات الشرق الأوسط فإن منطقة الخليج تتمتع بأمن نسبي من الناحية النفطية، مقارنة بنظيره في مناطق شتى، في ضوء تزايد حجم احتياطيها ليصل إلى ما يربو على 578 مليار برميل ليشكل 6. 45 % مما يمتلكه العالم بأسره من هذه السلعة الإستراتيجية. وتوقع المحلل أن تحافظ منطقة الخليج على وهجها النفطي لفترة طويلة من الزمان.

ورغم أن الولايات المتحدة تسعى، خاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، إلى أن تتحرر من النفط الأجنبي، وهناك بالفعل مشروع قدمه الرئيس الأميركي جورج بوش في هذا الصدد، إلا أنها لم تصل حتى الآن إلى خطة كاملة تؤكد إمكانية الوصول إلى هذا التحرر، بما يعنى تقليصها لاستيراد نحو 60 % من احتياجاتها النفطية من الخارج، بواقع 12 مليون برميل يوميا، في حين لا يزيد إنتاجها المحلي عن 8 ملايين برميل يوميا، طبقا لإحصاءات عام 2001.

ويعكس رئيس شركة التمويل النفطي الأميركية روبنسون ويست هذا الوضع بجلاء حيث يقول «لا يمكننا الاستغناء عن النفط السعودي، هذا خيار لا يمكن تحديه ولا يمكن لسياستنا أن تسعى إلى استبدال السعودية بروسيا مثلا .. فالسعودية هي الضامن الأخير والبنك المركزي لسوق النفط الذي يوفر السيولة والتأمين في الأوقات العصيبة».

ويضيف روبنسون أن العالم سيحتاج إلى أكثر مما يلبيه النفط الروسي ونفط غرب أفريقيا وبحر قزوين وأميركا اللاتينية وأوروبا .. وقال إنها لحقيقة مؤلمة للأميركيين أن الشرق الأوسط بوجه عام، والمملكة العربية السعودية بوجه خاص، كانا وسيظلان دعامة أسواق النفط طالما ظل العالم الصناعي يعتمد على مورد الطاقة هذا.

وجاء مسؤول أميركي آخر، وهو جون برودمان القائم بأعمال نائب مساعد وزير الطاقة، ليؤكد الأمر نفسه، حين قال إن بلاده رغم أنها تنظر إلى صادرات أفريقيا من النفط الخام على أنها وسيلة أساسية لتقليل الاعتماد على منطقة الشرق الأوسط، إلا أن أفريقيا لن تحل أبدا محل الشرق الأوسط بصورة كاملة .

وتنبع اعترافات هذين المسئولين الأميركيين من إدراكهما أن منطقة الخليج العربى تحوى فى جوفها أكثر من نصف الاحتياطي العالمى المؤكد من النفط الخام، الذي لا يزال رغم ما قطع من شوط على طريق إيجاد بدائل طاقة أخرى وتعزز دور الاقتصاد الرقمي أو الاقتصاد الناعم، يشكل عصب اقتصاد الدول الصناعية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأميركية.

ويزداد الاحتياطي النفطي العربي عموما يوما بعد يوم، فقد ارتفع من 50 مليار برميل عام 1950 إلى 120 مليار برميل عام 1960، ثم تضاعف إلى 250 ملياراً عام 1970، وزاد إلى 370 ملياراً عام 1980، وإلى 650 ملياراً برميل عام 1990، ثم بلغ 700 مليار عام 1993، وإلى 800 مليار عام 2000. وهناك أربع دول عربية يتجاوز الاحتياطي النفطى لكل منها 100 مليار برميل أو يقترب منها وهي السعودية والعراق والإمارات العربية المتحدة والكويت،

بل إن الاحتياطي السعودي بمفرده يصل إلى نحو 277 مليار برميل، ليساوي بذلك أكثر من ثلاثة أمثال الاحتياطي النفطي لدى الولايات المتحدة والمكسيك مجتمعين، وأكثر من أربعة أمثال احتياطي فنزويلا، أحد أهم البلدان المصدرة للنفط بالنسبة للولايات المتحدة، وأيضا أكثر من أربعة أمثال الاحتياطي النفطي لروسيا ودول أوروبا الشرقية معا .

وما يسترعى الانتباه أن أية زيادة مهمة في الطلب العالمي على النفط يلبيها النفط العربي، فحين زاد الطلب العالمي في الفترة من 1973 حتى 1979 بمقدار 6. 7 ملايين برميل يوميا فإن نصيب النفط العربي من سد هذا الطلب كان حوالي 4 ملايين برميل يوميا .

وحين زاد الطلب مرة أخرى في الفترة من 1986 إلى 1993 بحوالي 8. 4 ملايين برميل يوميا أمن العرب 4,4 ملايين برميل لسده . وقاد هذا الوضع إلى اعتماد عالمي ملموس على النفط العربي كمصدر مهم للطاقة، والدليل على ذلك أنه حين انقطعت الإمدادات النفطية العراقية جراء الغزو العراقي للكويت ونشوب حرب الخليج الثانية لجأت الدول الكبرى المستهلكة للطاقة إلى دول عربية خليجية لتعويض النقص الذي طرأ على حجم المعروض النفطي.

وتمتلك الدول العربية نحو 80 % من صادرات الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك مجتمعة، أما الدول الإسلامية، أي بإضافة إندونيسيا، فهي التي تتحكم في أغلب إنتاج المنظمة، لا ينقصها في هذا إلا ما تنتجه فنزويلا ونيجيريا، التي يشكل المسلمون جزءا مهما من سكانها.

وإذا كانت الدول المنتجة للنفط خارج أوبك تنتج كمية من النفط أكبر من تلك التي تنتجها دول المنظمة، فإن الأخيرة تصدر الجزء الأكبر من إنتاجها، ولا تبقى لاستهلاكها المحلى إلا كميات قليلة مقارنة بتلك التي تدفع بها إلى سوق النفط الدولية، وذلك على العكس من الأولى التي تستهلك أكبرها كافة ما تنتجه من نفط مثل الولايات المتحدة أو جزءا كبيرا منه مثل روسيا، فضلا عن ذلك فإن بعض هذه الدول تنتمي إلى العالمين العربي والإسلامي،

وإن كانت ليست أعضاء في أوبك، مثل مصر وسلطنة عمان والبحرين وبروناي، علاوة على السودان واليمن وسوريا، وهي دول بدأت تنتج النفط في السنوات الأخيرة بكميات تتصاعد مع مرور الوقت. وهناك دراسات جيولوجية تبين تواجد كميات نفطية على الساحل المغربي المواجه للمحيط الأطلسي، في كل من المغرب وموريتانيا.

وتزداد أهمية منطقة الخليج الغربي بالنظر إلى ما تمتلكه من احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي، فبها دولتان هما إيران وقطر، تحتلان المركزين الثاني والثالث في هذا المضمار على مستوى العالم أجمع. كما أن أغلب دول المنطقة تعزز سنة تلو الأخرى حجم احتياطياتها من الغاز، الأمر الذي انعكس على نسبة التغير بين عامي 1999 و2000، حيث بلغ 6. 4 % في المملكة العربية السعودية، و3% في سلطنة عمان، و3. 2% في قطر.

وعند المقارنة بين عامى 1996 و2005 سنجد أن هذه النسبة ستزيد إلى أكثر من ذلك، وإذا كانت الاحتياطيات العراقية من الغاز تتراجع، فإن هذا قد يكون مرده بالأساس إلى الظروف القاسية التي يعيشها العراق حاليا، ومن المتوقع أن يعاود العراق الاهتمام بقطاع الغاز، حال تغير هذه الظروف، ما يعني حصوله على مزيد من الاحتياطيات .

ورغم أن سيلا من التحليلات العربية وغيرها تحدثت مبكرا عن نضوب النفط أو انتهاء السكرة النفطية ومرحلة ما بعد النفط، فإن المؤشرات الواقعية تبرهن على أن النفط سيظل مصدرا مهما للحصول على الطاقة على مدار عقود عديدة مقبلة. فإذا كان هناك حديث طويل ومتكرر حول موارد الطاقة البديلة فإن هذه البدائل لا تزال ضعيفة لأنها غير اقتصادية وغير فعالة أو أنها غير آمنة وغير ملائمة .

فالفحم الذى يستهلك العالم منه يوميا ما يزيد على ما يمنحه 44 مليون برميل من النفط هو مصدر للطاقة غير فعال، فضلا عن كونه ضاراً بالبيئة . والطاقة النووية التي يستهلك العالم منها يوميا ما يزيد على ما يعطيه 7 ملايين برميل نفط، هي مصدر للطاقة غير آمن، في حين أن البدائل الأخرى للطاقة المتجددة سواء كانت شمسية أم مائية وهوائية، والتي يستهلك العالم منها ما يربو على ما يكافئ 13 مليون برميل نفط يوميا، غير اقتصادية وتطويرها يلاقي صعوبات جمة .

وحتى لو تمكن العلماء من تطوير بدائل عديدة للطاقة فإن الرجوع إليها سيظل دائما موجودا في ضوء نضوب بعض الموارد الطبيعية للطاقة من جهة، وتنامي استهلاك الطاقة من جهة ثانية . فالتقديرات تشير إلى أن الطلب العالمي على النفط سيزداد خلال السنوات المقبلة، ليرتفع من 77 مليون برميل يوميا عام 2000 إلى 8. 112 مليون برميل يوميا عام 2020، أي بزيادة نسبتها 5. 46 % تقريبا عما هو عليه الآن .

وفى الوقت ذاته من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي من 5. 2 تريليون متر مكعب عام 2000 إلى 7. 4 تريليونات متر مكعب عام 2020، أي بنسبة زيادة تصل إلى 88% . ومن المتوقع أيضاً ان ارتفاع الطلب على النفط خلال العقود المقبلة يزيد من أهمية منطقة الخليج العربي مستقبلا، ما يجعل الدول الكبرى معنية تماما بضمان تدفق النفط بانتظام من هذه المنطقة، ما دامت الحاجة إليه ستزداد، وهذا يفرض عليها حماية النفط الخليجي من أي تهديد.

وإذا كانت وسائط نقل النفط من هذه المنطقة تستمد أمانها من كونها تنطلق في البحار المفتوحة ولا تمر عبر مضايق، فإن المنشآت النفطية ذاتها عرضة لهجمات خلال أي اضطرابات تشهدها دول غرب القارة، كما أن الإمدادات النفطية ذاتها من الممكن أن تتوقف أثناء وقوع هذه الاضطرابات. كما أن إمكانية تعرض الأنابيب النفطية المنتشرة في بعض دول القارة لهجمات، مثل ما يحدث في نيجيريا،

أو بالنسبة للأنبوب المزمع إنشاؤه لنقل النفط من جنوب تشاد إلى ميناء دوالا الكاميروني الواقع على خليج غينيا، المتصل بالمحيط الأطلسي، والذي يبلغ طوله 1070 كيلومترا، وتصل تكلفته إلى 4 مليارات دولار، أو الأنابيب التي تنقل النفط الأنجولي إلى موانئ التصدير على المحيط الأطلسي.

ومن هنا، فإن ما يدور في الغرب حاليا من حديث عن تهميش النفط العربي توطئة للاستغناء عنه مستقبلا، نظرا لعدم أمان الإمدادات هو أمر لا يستند إلى الحقيقة أو الواقع، لا من حيث تجربة العالم الصناعي مع الدول العربية، أو من حيث أمان الدول المنتجة الجديدة، إلا إذا كان هناك مخطط مبيت لإدراج منطقة الشرق الأوسط في سلسلة من الحروب والصراعات المستمرة لسنوات طويلة.

أعرب وزير التنمية الاقتصادية والتجارة الروسي جيرمان جريف عن قناعته بأن أسعار النفط العالمية ستشهد انخفاضا ملحوظا قبل نهاية العام الحالي، واعتبر جريف أن ارتفاع الأسعار الجامح الى 60 دولارا للبرميل مؤشر أساسي على امكانية انخفاض هذه الأسعار، استنادا إلى تقديرات خبراء وزارة التنمية بأن متوسط السعر السنوي لبرميل النفط لن يتجاوز الـ 48 دولاراَ.

وكان خبراء وزارة التنمية الاقتصادية والتجارة الروسية قد أعلنوا في وقت سابق عن توقعاتهم باحتمال انخفاض أسعار النفط من نوع «يورالس» في الأسواق العالمية خلال الأعوام 2006 - 8002 لتصل إلى 36 دولارا للبرميل. ويرجح الخبراء أن يزداد استخراج وتصدير النفط في روسيا خلال السنوات المقبلة،

حيث سيتم في العام الحالي استخراج 474 مليون طن للنفط في روسيا و503 ملايين طن في عام 2008، ومن المتوقع أن يزداد تصدير النفط أيضا من 6. 268 مليون طن في العام الحالي إلى 292 مليون طن في عام 2008 .ويسود اعتقاد أن ارتفاع أسعار النفط خلال العام الحالي كان ناجما عن عدة أسباب، منها ارتفاع الطلب على النفط بسبب احتياج الصين والولايات المتحدة، إضافة لقرار الصين بتشكيل مخزون استراتيجى.

ويعتبر المراقبون أن رفض إيران لمقترحات الاتحاد الأوروبي حول تخلي طهران عن برنامجها النووي، ادى لحالة من القلق في أن لا تتمكن إيران من تصدير إنتاجها من النفط . في نفس الوقت الذي لا تستطيع فيه الدول المنتجة للنفط تلبية احتياجات السوق، حيث بلغ إنتاج أعضاء «أوبك» بما فيها العراق 30 مليون برميل يوميا، والذي يشكل الحد الأقصى لقدراتها الإنتاجية،

وإذا كانت السعودية قادرة على زيادة انتاجها بمعدل 5. 1 مليون برميل يوميا، إلا ان هذه الكمية ليست كافية لتلبية حاجة الولايات المتحدة. مما يعني أن السبيل لإيقاف ارتفاع أسعار النفط الانحسار الاقتصادي في الولايات المتحدة والصين، وباعتبار أن ارتفاع أسعار النفط يؤثر بشكل سلبي على اقتصاد هذين البلدين، فإن الصين بدأت تستخدم الفحم في انتاج الكهرباء،

ناهيك عن أن انتهاء بكين من تجميع مخزونها الاستراتيجي من النفط سيؤدى لانخفاض استيرادها للذهب الأسود، كما أن الولايات المتحدة يمكن أن تستبدل النفط بالغاز المسال، وتجدر الإشارة إلى أن شركة(غاز بروم) الروسية ستبدأ بتصدير الغاز للولايات المتحدة اعتبارا من سبتمبر المقبل،

ومن المتوقع أن يصل حجم صادرات الغاز الروسي إلى الولايات المتحدة لأكثر من 3 مليارات متر مكعب. إن تناقص احتياجات الصين والولايات المتحدة من النفط، واحتمال بدء أزمة اقتصادية دورية بسبب غلاء أسعار المنتجات، يمكن أن يسبب تناقص وتأثر الانتاج، وارتفاع معدلات البطالة، ويؤدى إلى انخفاض كبير في أسعار النفط.