تأتي التنبؤات الاقتصادية مخطئة في تقديراتها تجاه المستقبل في أغلب الأحوال غير أن التجاذب بين المنتجين الذين يعتقدون أنهم أكثر إدراكاً ببواطن الأمور والمستهلكين المطالبين باطلاعهم على التصورات المستقبلية، يعزز الأسطورة القائلة بأن الخبراء الاقتصاديين هم الأكثر قدرة على تحديد المسار الذي يتخذه القطار الاقتصادي.
وانطلاقاً من هذا الفهم لا يمكن اتهام ميرفين كينغ، محافظ بنك انجلترا المركزي بالتغريد خارج السرب، فكلما قدم تقريراً عن التضخم، فإنه يؤكد افتقار البنك لرؤية واضحة حول الاقتصاد في الماضي القريب، ناهيك عن المستقبل المنظور، وأشار إلى أن التنبؤات المستقبلية، لا يمكنها تحديد ما سيحدث، وجل ما في استطاعتها المساعدة في فهم الأسباب التي تبرر أحداثاً مستقبلية بعينها، في الوقت الذي تكون فيه أخرى أبعد ما يكون عن التصديق.
ويصر كينغ، في آخر المطاف، على الحديث عن الأرجحيات، مقرراً في الوقت نفسه بأن اليقين الوحيد في التنبؤات المستقبلية هو أن مسار الاقتصاد لن يعيب النبوءة الرئيسية، وفي العادة يكون تقرير البنك الخاص بالتضخم نموذجاً لأحكام موحدة، منطقية، حول الظروف الاقتصادية الراهنة، والآفاق المستقبلية، غير أن التقرير الأخير، رغم احتوائه لتحليلات ممتازة وواضحة، أشار إلى تحول غير مستحب،
ويبدو للوهلة الأولى أن تنبؤ البنك عن التضخم منطقي فمن المرجح أن تدفع أسعار البترول المرتفعة بالتضخم إلى الارتفاع في المستقبل القريب، كما أنه وعلى المدى البعيد، فإن المؤشرات على تصاعد ضغوط الإنفاق ونهاية انخفاض أسعار الواردات، الراجعة جزئياً إلى سعر الصرف المتدني توحي بأن التضخم سوف يكون كبيراً للغاية، ويعتقد البنك أن التضخم سوف يتشبث بمكانه نظراً لانتعاش النمو.
وفي المقابل، فإن تصورات البنك الخاصة بالنمو يتعذر توافقها مع الأحداث الاقتصادية الحالية. فقد بُنيت تصورات البنك الرئيسية، بوجود ارتفاع ثابت في النمو عام 2006، وعلى ارتفاع نسبته 8 في المئة في أسعار الأسهم العادية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ويتضح ذلك من تنبؤات التقرير الخاصة بالنمو، والمستندة إلى بقاء سعر الفائدة عند 5,4 في المئة.
ويطرح إسناد ارتفاع معدل النمو ، على ارتفاع في أسعار الأصول تساؤل عن سبب امتعاض البنك من الإيحاءات بأن أسعار العقارات الراكدة، من شأنها خفض نمو الإنفاق الاستهلاكي. كما أنه ينطوي على إشارة بأن البنك، يرى بأن تأثر الإنفاق بالتغييرات في أسعار الأصول المالية، هو أعلى من التغييرات في أسعار المساكن، وهذا يعاكس جميع التوقعات في بريطانيا وفي الخارج.
وتكمن المشكلة الثانية في التضارب بين جداول تنبؤات النمو، والتفسيرات المضروبة حولها فالتنبؤات تظهر أن الاقتصاد يتسارع في كل فصل، مما يوحي بأنه سيحقق نمواً جيداً فوق معدله الوسطي، نهاية 2006 إلاّ أن تفسيرات تركيب ذلك النمو، ترسم صورة أكثر بهتاً. ومضى التقرير إلى القول إن الاستهلاك المنزلي سوف يصعد إلى معدل اتجاهه التاريخي، خلال السنوات القليلة المقبلة أما الاستثمار فيعاني من ركود في الوقت الراهن ويتوقع البنك تسارعاً معتدلاً.
وفي الجانب الآخر وبالرغم من سرعته، فإن نمو الإنفاق الحكومي، سوف يتواصل «بسرعة تقل عن السنوات الثلاث السابقة» وهذه التفسيرات تبدو معقولة ظاهرياً، إلاّ أنها لا تصف تنبؤات البنك لاقتصاد متسارع في نهاية 2006. ثمة أسباب أخرى للاعتقاد بعدم عودة النمو الاقتصادي لانتعاشه بالسرعة التي تنبأ فيها البنك المركزي. حيث إن أسعار النفط المرتفعة تقلص هوامش أرباح القطاعات التجارية غير النفطية ومن الممكن أن تفشل أهداف الاستثمار.
وكانت ارتفاعات فوائد البنك بين عامي 20032005 قد أدت إلى زيادة مدفوعات الفائدة على المقترضين بنحو 4 مليارات جنيه، في حين زادت مقبوضات فائدة المدخرين بحدود 6,2 مليار جنيه، ومن الراجح أن يستمر هذا الأثر المحبط على الميزانية المعيشية للأسرة، خصوصاً وأن دفعات فوائد الديون تلتهم نصيباً وافراً من الاستهلاك المعيشي، أكثر من أي وقت منذ أوائل تسعينات القرن الماضي.
ومن جانب آخر، فإن ثمة دلائل متزايدة بأن نمو الاقتراض غير المضمون، وخصوصاً على بطاقات الائتمان ينخفض بصورة متسارعة، وكما جاء في التقرير فإن ذلك يشير إلى أن المستهلكين باتوا أقل رغبة في الاقتراض للإنفاق، رغم أن البنك أورد الاحتمال الآخر وهو أن نمو الاقتراض المتدني عكس شروطاً ائتمانية أشد صرامة. وعلى الأحوال كافة، فإن طفرة أخرى في الاقتراض غير المضمون ليست في الوارد.
على العموم، فإن التشدد المالي المحتوم، سواء كان من الزيادة الآلية في عوائد الضريبة، أو من ارتفاع الضرائب، من شأنه كبح جماح النمو، وأن سوق الإسكان الراكد لن يحرك الإنفاق الاستهلاكي. ولو جمعنا ذلك كله، فما الذي ينضوي عليه ذلك للاقتصاد، وعلى أسعار الفائدة؟،
الواضح أن كينغ ما زال على حق فلا يمكن أن نعلم علم اليقين. ففي ظل نمو متباطئ، وتضخم صعب، سيجد البنك نفسه في مأزق لا يحسد عليه وستتصاعد الضغوط لمزيد من خفض سعر الفائدة، وستجد لجنة السياسة المالية نفسها مضطرة لتقرير ما إذا كان في وسعها خفض المزيد من أسعار الفائدة، دون المخاطرة بفقدان السيطرة على التضخم.
ترجمة: وائل الخطيب