حياة السواد الأعظم من أصحاب الملايين، زاخرة بخيبات أمل مريرة، فلا همّ لهم في الدنيا سوى أعمالهم، بحيث لا يجدون من الوقت متسعاً ينعمون به، أو ملبساً بسيطاً يلبسونه، أو لفيفا من الأصدقاء يسامرونهم. وهذا ما كان عليه حال «آبي هير شفيلد» أحد ملوك العقارات، الذي تميّزت حياته بغرابة الأطوار، والذي غيّبه الموت الأسبوع الفائت في نيويورك عن عمر يناهز الخامسة والثمانين.

لقد سبق لمجلة «تايم» أن وصفت هيرشفيلد بأنه واحد من أكثر عباقرة دنيا المال تأثيراً في زمانه، إلى جانب والت ديزني، وبيل غيتس، وقد أجملته في قائمة مشاهير آخرين، غريبي الأطوار مثل هاوار دهيوز، تحت عنوان رئيسي: «مجنون ويتحكم بأعناق العباد».

هاجر هيرشفيلد، المولود في بولندا عام 1919 إلى أميركا في خمسينيات القرن الماضي، وجمع ثروته من بناء مواقف السيارات المكشوفة، عندما كان الجميع يبنون مرائب «كراجات» مغطاة، وقد رأى «هيرشفيلد» بناء المواقف المكشوفة، محاججاً بأن السيارات «لا تصاب بنزلات البرد»، كما أنه كان من أوائل الأشخاص الذين استثمروا في النوادي الصحية، والظاهر أن المال كان مطية لأفعاله الدعائية الغريبة.

فقد سعى، بملايينه في الفوز بمنصب عام، في الحزب الجمهوري والديمقراطي والمستقل، إلا أن الهزيمة لحقت به، وكان الخط الوحيد المتصل بسياساته، هو لقبه الذي أطلقه على نفسه «ابي النزيه». وعلى غرار سابقيه من مجانين العظمة، امتلك صحيفة «نيويورك بوست» عام 1993، لمدة 15 يوماً، واستهل عمله بطرد بيت هاميل، صاحب العمود الشهير، وعندما هدد العاملون بالاستقالة، وجه لهم تهديداً مضاداً بملء الفراغ بأشعار زوجته.

وما كان من العاملين إلا التمرد،ونشر عدد واحد، يحمل في صفحته الأولى صورة تمثل الكساندر هاملتون، مؤسس «البوست»، وهو يبكي، تحت عنوان «من هو المجنون»؟ وقد اعتبر هيرشفيلد العدد تذكارياً، وسرّ بمبيعاته السريعة. كان هيرشفيلد، غريباً في تصرفاته، فقد بصق مرتين على مراسل «ميامي هيرالد» الذي فضح الانتهاكات الانشائية في أحد فنادقه، فما كان من الصحيفة إلا تسميته «البصاق سيئ السمعة».

وفي عام 1998، عرض على بولا جونز محظية الرئيس كلينتون السابقة، مليون دولار لإسقاط دعواها ضده بالتحرش الجنسي، لكنه مني بالخذلان في إتمام الصفقة.وفي عام 1999 فشلت هيئة المحلفين، في التوصل إلى اتفاق، حول التهم الموجهة الى هيرشفيلد، بالتهرب من دفع 3. 3 ملايين دولار ضرائب متراكمة عليه.

وقد دعا المحلفين الى مأدبة غداء، وعرض عليهم 2500 دولار لكل منهم، واعتبر الإدعاء ذلك، بمنزلة رسالة موجهة الى محلفي المستقبل، وقد وفرت القضية ما فشلت الترشيحات للمنصب العمومي في تقديمها لهيرشفيلد، وهي الفرصة لتغيير السياسة، فقد طرح قانوناً جديداً في الولاية، حظر على كل من له صلة بقضية مدنية أو جنائية تقديم مكافأة للمحلفين. وهكذا فإن هيرشفيلد وفر غضبه الأعظم لخرفه.

ترجمة: وائل الخطيب