بعد مرور نحو ثلاث سنوات على إقفال المؤسسة التلفزيونية اللبنانية «إم. تي. في» (TMV)، أصدر مجلس النواب قانوناً الأسبوع الماضي، قضى بإعادة فتح المحطة التي قيل يوم إقفالها، انها خالفت المادة 68 من قانون الإعلام. بينما ردت مصادر سياسية وإعلامية على الحديث عن كبت الحرية وكم الأفواه الذي رافق إقفال القناة.

معتبرة أن هذه الحرية الإعلامية كانت متمادية وشكلت اعتداء على الآخرين. بنتيجة الإقفال الاحترازي والقرار القضائي الرجائي الذي صدر في الرابع من سبتمبر 2002، تشرد العديد من الزملاء الذين عملوا في المحطة، من مذيعين ومخرجين وتقنيين، فمنهم من قصد الدول العربية، ومنهم من بقي في لبنان.

اليوم، وبعد إعادة الروح إلى المحطة، يتوجه الجميع نحو إدارتها، ويتساءلون حول إمكانات البث ومنافستها لبقية المحطات، ولكن لم يتوجه أحد إلى الزملاء، الذين غادروا قسراً وتعرفوا عن قرب إلى عالم المؤسسات الإعلامية الكبيرة، التي تحكمها آليات العمل المؤسساتي بأجهزته كلها، والتي أيضاً، لا تتخذ قرارات عشوائية بالفصل أو الطرد.

«البيان» وقفت لتستفتي بعض من غادروا المحطة لتتوقف عند آرائهم ونيتهم في الانضمام من جديد إلى عالم «إم. تي. في»، وهم مؤسسو هذه المحطة ومطلقوها في فضاء الإعلام اللبناني. كانت البداية مع المذيع إيلي ناكوزي، وهو من الذين عانوا كثيراً، إذ وقف إلى جانب الـ «إم. تي. في» في السراء والضراء،

وتعرض للكثير من التهديدات من أجهزة مخابرات كانت لها اليد الطولى في إقفال المحطة، وحمل الزميل إيلي مواقف المحطة وآراء أصحابها السياسية على أكتافه، ومشى بها إلى الآخر، كما يقال، ووصف في الكثير من الأحيان، بأنه «حرق» نفسه نتيجة مواقف «إم. تي. في» السياسية.

اليوم إيلي ناكوزي، يعمل في قناة «العربية»، وهو من الوجوه البارزة فيها، لا بل كان متقدماً على غيره من المذيعين في القنوات العربية، إذ بعد غزو العراق مباشرة، كان ناكوزي في بغداد، ينقل الحدث عبر برنامج سياسي باسم «من العراق»، فتوجه إلى المجموعات السياسية والأطياف العراقية كلها غير مبال بالتهديدات والمخاطر.

اليوم يقول انه غير مستعد لترك أهم مجموعة إعلامية عربية ـ على حد وصفه ـ ليعود إلى «إم. تي. في»، وهذا ليس انتقاصاً من شأن الأخيرة، إلا أن الإنسان يبحث دائماً عن التطور ويسعى إلى الأفضل. «لقد تربيت وترعرعت في كنف «إم. تي. في»، وأكن الاحترام كله لأصحابها، لكن الأمور في لبنان لم تعد كما كانت، فلا قضايا نقاتل من أجلها، فالمسجون خرج من سجنه، والمنفي عاد من منفاه، وبالتالي لا قضية، لذلك، لن أعود».

قال إيلي ناكوزي الذي يرى أن المحطة ستعود قوية كما كانت ويتمنى لها دوام النجاح والازدهار. أما الزميلة راغدة معلولي، وهي التي كانت مراسلة في أخبار «إم. تي. في»، واليوم تعمل في قسم الأخبار في «العربية»، تقول: «لست مستعدة اليوم للعودة إلى لبنان، وليس إلى «إم. تي. في» فحسب،

لقد «شطفونا» بخراطيم المياه من ساحة وسط البلد في بيروت، ولست مستعدة للعودة، لم تجف ثيابي بعد من مياه خراطيم الدولة، لذلك خروجي من لبنان كان بمثابة الطرد الجائر، ثم أنني مرتاحة في العمل لدى مجموعة تلفزيون الشرق الأوسط، وكل يوم أتعلم جديداً، والإنسان يخطو إلى الأمام، ولا يرجع إلى الوراء».

مايا بيطار، زميلة رغدة، تتساءل عن المسمى الوظيفي الذي يمكن أن تمنحها إياه «إم. تي. في» إذا قررت العودة، وتسأل عن العرض، «لأن المحطة، إذا عادت كما كانت فهي غير نافعة، فلا وجود للأمن الوظيفي على عكس «إم. تي. في»، التي تملك نظاماً مؤسساتياً، وتحترم الموظف وتعطيه حقه. أما «إم. تي. في»، فلا يمكن أن تنجح إلا إذا فعلَّت روح المؤسسة».

أحد التقنيين رفض ذكر اسمه ومكان عمله، لكنه يقول: «إذا وصل راتبي في «إم. تي. في» إلى 3000 دولار، أفكر بالعودة، لكن ما أذكره اليوم عن المحطة ممزوج بالخيبة والحسرة، إذ أندم على كل قطرة عرق بذلتها في عملي معهم». وتعليقاً على سؤال عن المحطة التي علمته المهنة،

يجيب: «لقد علمت نفسي بنفسي، ولست مستعداً للعودة إلى محطة تملكها عائلة، وتتصرف على هواها بشأن موظفيها، فإذا التقيت زوجة صاحب المحطة، ولم تلق عليها السلام من دون أسباب، تطرد فوراً، وإذا لم يعجب ابن صاحب المحطة بشكلك تطرد، فأين المعيار الوظيفي في هذه المحطة المسماة «إم. تي. في»؟

يعمل بشير روكز في الـ «إم. بي. في»، وهو فني إضاءة، وعن العودة يقول: «أرجع لكن بشروط معينة»، ويضيف: «راتب جيد وعقد يحفظ كرامتي، وهذه مسائل تخضع للعرض والطلب، وأنا مستعد للعودة، لأن الحياة المعيشية في دبي تغيرت كثيراً من إجارات البيوت إلى مقومات الحياة الأخرى. لقد مررت بتجربة جيدة في الـ «إم. تي. في»، وتم الاتصال بي أخيراً، من الزميل فادي سمعان يسألني عن العودة، فأجبته كما أجبتك».

الزميل زياد حداد، يعمل في تلفزيون دبي، وهو مدير إضاءة، ومن الفنيين الذين عرفوا بكفاءتهم العالية، يقول: «انتهت مرحلة «إم. تي. في»، ومستقبلي هنا في دبي، لأنني يومياً أتطور في عملي، فالتلفزيون هنا يحترم موظفيه ويعاملهم أحسن معاملة، ولست مستعداً لمبادلة الأجود بالجيد، فهذا يعد من الغباء الشديد».

ـ وهل اتصلوا بك؟

ـ كلا، لم يفعلوا، لأنني ربما لست من الذين «يمسحون» الجوخ».

أما المخرج فريدي أفرام، الذي يعمل اليوم بشكل حر في إخراج الإعلانات التجارية، فلا يفكر كثيراً في العودة إلى لبنان، علماً أن «إم. تي. في»، هي المحطة التلفزيونية التي منحته فرصته الأولى في إخراج برنامج تلفزيوني، وهو لا يذكر إلا الجيد عنها، وتربطه بأصحابها علاقة جيدة، لكن اليوم، يبحث الإنسان عن الأفضل، ويرى مستقبله في عالم الإعلانات، علماً أنه لا يجد شيئاً في عالم التلفزيون خاصة مع «إم. تي. في».

من ناحيتها، نادين هاني، التي تعمل مذيعة في قناة «سي. إن. بي. سي عربية» الاقتصادية، أن المسائل تغيرت، وهي اليوم وقعت عقداً مع «العربية» وستبدأ عملها الجديد في شهر أكتوبر: عرفت أن ميشال المر صاحب «إم. تي. في» سأل عني، ولكن العمل مع محطات كبيرة يختلف كثيراً عن العمل في لبنان،

لقد تطورت إمكانياتي، ولم أعد مذيعة فقرة اقتصادية في نشرة الأخبار لا تتجاوز مدتها الخمس دقائق، بل أصبحت مذيعة بكل معنى الكلمة، وصحيح أن «إم. تي. في» أطلقتني، لكنني عملت على تنمية قدراتي وأسعى دائماً للوصول إلى القمة، وربما لو لم أوقع مع قناة «العربية»، لكنت عدت إلى «إم. تي. في».

يعد رضوان كنعان وهو فني، من الثوابت في «إم. تي. في» «لقد اتصلوا بي، وسأعود في حال عرضوا عليَّ عرضاً جيداً، علماً أن عملي في «إم. بي. سي» جيد جداً، وأنا سعيد بما ألقاه هنا، لقد عملت مع «إم. تي. في» لمدة ثماني سنوات، وأعطوني حقوقي كاملة، ولم يقصروا معي يوماً، يكفي عندما أقفلت لم نحصل على تعويضات، وأنا أبرر هذا السلوك، لأن المصيبة كانت كبيرة».

لم يتصل أحد من إدارة الـ «إم. تي. في» بالمذيع طاهر بركة، ولا يفكر حالياً في العودة إلى لبنان، «علماً أن تجربتي كانت جيدة، أما الفرصة في «العربية» فهي مختلفة، يتعلم الإنسان الكثير في هذه القناة، ويلقى دعماً لا حدود له». ويشترط طاهر بركة على أية مؤسسة أن يكون على رأس أولوياتها الأمن الوظيفي لمن يريد الالتحاق بها، ويبرر ذلك بانعدامه في المؤسسات الإعلامية في لبنان، وهو اليوم جاء بعائلته للإقامة معه في دبي، «لأن ما يحصل في لبنان مقلق جداً».

رفعت «إم. تي. في» شعاراً في لبنان سنة 2000 ويقول انها «صوت حر في خدمة الحرية»، ونالت عقاباً كبيراً نتيجة هذه الحرية، التي رأى فيها البعض تعدياً على حريات الآخرين ومساساً بأمن الدولة ومسلمات العيش المشترك. أما البعض الآخر،

فقد رأى أنها ترفع شعاراً لم يرفعه أحد في لبنان قبلها، وهي دافعت عن حقوق مهضومة في لبنان قبل الخروج السوري، وخاصة بعد التوقيفات التي حصلت في السابع من أغسطس عام 2001، إذ تبنت «إم. تي. في» حملة الدفاع عن الموقوفين الذين اتهم بعضهم بالتعامل مع إسرائيل.

ستعود «إم. تي. في» إلى البث مطلع العام المقبل كما يبشر غبريال المر، وهو الذي ينفي مسؤوليته عن المحطة، لكن الغريب أن يتكلم باسمها دائماً، علماً أن رئيس مجلس إدارتها هو نجله ميشال، الذي يبلغ السادسة والثلاثين من العمر، وهو يدير اليوم مكاتب شركة «روتانا» في بيروت.

يقع مبنى الإنتاج التابع لـ «إم. تي. في»، في منطقة الأشرفية، شرق العاصمة اللبنانية بيروت، وفي الطوابق المقفلة تقبع معظم آلات المونتاج الرقمية، وغرفة تحكم كبيرة، إضافة إلى أرشيف المحطة المصور، وهذا كله، من الممكن أن يكون قد تعرض للتلف نتيجة الإقفال. أما في الطابق الثامن، من مبنى إذاعة جبل لبنان، حيث مكاتب إنتاج «إم. تي. في» توجد مكاتب تحرير الأخبار المقفلة بالشمع الأحمر، إضافة إلى استوديو وحيد لها،

أما في الطابق التاسع، فتقع مكاتب موظفي الإعلانات، الذين عملوا لصالح الشركة، وفي العاشر، مكاتب إذاعة جبل لبنان، المقفلة أيضاً بالقرار ذاته، وفي الطابق الحادي عشر، مكتب لصاحب المحطة غبريال المر ونجليه ميشال وجهاد. تملك «إم. تي. في» استوديوهات كبيرة في منطقة النقاش، شمال شرق بيروت، وهي مجهزة بأفضل تجهيز وتعد الأكبر حالياً في لبنان، وتستفيد منها شركة «روتانا»،

إضافة إلى تأجير بعض استوديوهاتها لقناة «المنار» ومحطة تلفزيون «الجديد».«صوت حر في خدمة الحرية»، شعار كبير، ينضج بالحياة والصوت، فهل سيصل الصدى إلى موظفي «إم. تي. في» السابقين ويفعل فعله فيهم، أم أنه سيتردد في لبنان فقط وعلى مسامع السياسيين ولن يكون له أي أثر، خاصة وأن الأمور قد تغيرت والأحوال تبدلت.

تقول المعلومات الخاصة بـ «البيان»، ان المذيعة بولا يعقوبيان، عقيلة مدير عام قناة «الحرة» موفق حرب، ستقدم برنامجاً سياسياً، وأن زياد نجيم الذي سبق وقدم برنامجاً على «إم. تي. في» ويعمل اليوم في «الحرة» سيعود للعمل في القناة.

في أي حال، لا يزال الوقت مبكراً، فهناك بضعة شهور تفصلنا عن موعد بث المحطة، وما زالت التساؤلات تدور حول جدوى العودة في ظل منافسة إعلانية كبيرة، تتلقفها «إم. تي. في» بتوكيل أمر إعلاناتها إلى أنطوان الشويري الشخصية النافذة والمؤثرة في السوق الإعلاني، في لبنان والمنطقة العربية.

ويطرح المراقبون سؤالاً برسم المحطة العائدة إلى الحياة: هل سيبقى صوتها الحر في خدمة الحرية، أم سيكون صوتها مرهوناً بتطلعات أصحابها السياسية؟ هذا ما ينتظره هؤلاء المراقبون والمشاهدون أيضاً، مع بداية بث محطة طالها قرار قضائي قال فيه الكثيرون انه جائر.

إبراهيم مشورب