صارت شركات النفط المملوكة للحكومات أكثر جرأة وشراسة في منافسة شركات النفط الدولية من قبيل «رويال دوتش شل» و«شيفرون» و«إيكسون موبيل» على احتياطات النفط العالمية، بل وأضحت هذه الشركات تتمتع بقدرات مالية وفنية تجعلها قادرة على الفوز بعقود خارج أراضي دولها، وذلك في إطار مسعاها للحصول على احتياطيات نفطية، وقد كثفت هذه الشركات من جهودها، مع تعطش العالم للمزيد من النفط.

وشركات النفط الوطنية، وعلى الرغم من تنوع دوافع وأهداف الحكومات في توجيه خطط هذه الشركات، إلا أنه في بلدان معينة كالهند والصين يكون مسعاها منصباً على تأمين الإمدادات النفطية التي تلبي احتياجات النمو الاقتصادي السريع. ومثل احتدام الصراع بين شركة كنوك، وهي احدى الشركات النفطية المملوكة للحكومة الصينية، وشركة شيفرون الأميركية حول شراء شركة «يونكال» الأميركية والتي تمتلك احتياطيات من الغاز والنفط في آسيا والولايات المتحدة وأماكن أخرى.

مؤشراً على مدى الجرأة التي باتت تتمتع بها الشركات النفطية المملوكة للحكومات في منافسة شركات النفط العالمية، فعلى الرغم من قيام شركة كنوك بسحب عرض شرائها للشركة الأميركية بسبب الضغوط السياسية الرافضة في واشنطن، إلا أن جرأتها في التقدم بالعرض عكس التواجد المتزايد للشركات المملوكة للحكومات على الساحة الدولية.

* سيطرة الحكومات على الاحتياطيات

ووفقاً لتقديرات شركة «بي إف سي»، وهي شركة استشارية للطاقة في واشنطن، تسيطر الحكومات على 77% من احتياطات النفط المؤكدة والبالغ كميتها 1. 1 تريليون برميل، وهي تضع قيوداً صارمة على امكانية شركات النفط الدولية في النفاذ لهذه الاحتياطيات، وتوجد معظم هذه الاحتياطيات في الدول الأعضاء في منظمة أوبك، حيث لا تسمح السعودية، التي تملك أكبر احتياطي نفطي في العالم، لشركات النفط الدولية بضخ النفط في أراضيها،

ومنذ سنوات عديدة مضت، وبهذا تغيرت المعادلة عما كانت عليه في الماضي، فعندما كان الطلب العالمي على النفط والأسعار عند مستويات متدنية، كانت الشركات الدولية صاحبة اليد الطولى في تقرير النفاذ إلى الاحتياطيات النفطية خلال المفاوضات مع الحكومات.

ولكن مع صعود أسعار النفط وارتفاع الطلب العالمي، تعززت القدرة التساومية للدول المالكة للاحتياطيات النفطية في التفاوض مع الشركات النفطية العالمية، الأمر الذي أفضي من وجهة نظر جي روبينسون ويست رئيس مؤسسة «بي إف سي» إلى فقدان الشركات النفطية الدولية الكثير من قدرتها في تقرير الأعمال المرتبطة بالنفط، فيما صارت الشركات النفطية الوطنية تمتلك ناصية الأمور في إدارة هذا المجال من الأعمال.

وفيما تجني شركات النفط الدولية المليارات كأرباح من مبيعاتها للنفط بالأسعار السائدة حاليا، فأن المحللين يقولون إنه عليها أن تناضل لتجديد احتياطيها لكي تحافظ على قدرتها على ضخ الإمدادات النفطية، ولكن تقلصت أعداد الحقول الكبيرة والتي يمكن للاستثمارات الأجنبية النفاذ إليها بيسر، بحيث صارت الشركات تمتلك سيولة نقدية هائلة بما يعكس تراجع فرص الاستكشاف والتنقيب.

وتنتاب شركات النفط العالمية مشاعر القلق بأنها لن تلقي معاملة ندية في منافستها للشركات الوطنية والتي تحظي برعاية حكوماتها، فقد شكت شركة شيفرون بأن «كنوك» تقدمت بعرض مالي سخي بسبب حصولها على مساعدة الحكومة الصينية التي ساهمت في تمويل العرض ، من خلال تقديم قروض بفائدة منخفضة.

* عدم التكافؤ في المعاملة

وتتمثل إحدى النتائج المترتبة على ملكية الشركات المملوكة للحكومات للإمدادات النفطية من وجهة نظر محمد علي زيني محلل الطاقة بمركز دراسات الطاقة العالمي، في إدارتها لأنشطة الضخ من حقولها النفطية بكفاءة أقل بالمقارنة مع الشركات العالمية، وهو ما يؤدي إلى تبديد المزيد من النفط.

وتواجه شركات النفط العالمية ضغوطاً مكثفة من جانب حملة الأسهم لتعظيم المكاسب، ولكن لا تواجه شركات النفط الوطنية مثل هذه الضغوط، وبالتالي فهي لا تحدوها الرغبة نفسها في تحقيق الأرباح، بل وتقبل في بعض الأحيان عوائد منخفضة. ويقدر المحللون أنه يوجد في العالم نحو 60 شركة نفط دولية، يمتلك نصفها احتياطيات نفطية خارج حدودها أو على الأقل لديها الرغبة في تحقيق هذا الهدف.

وتزداد مخاوف شركات النفط الدولية من زيادة سيطرة شركات النفط الوطنية، وذلك في ضوء سيطرة هذه الشركات بالفعل على ما يزيد على ثلاثة أرباع احتياطيات النفط العالمية، وإذا ما قامت الحكومات بالالتهام التدريجي للنسبة المتبقية، فهذا معناه تقلص مجال الأعمال التجارية المتاح أمام شركات النفط العالمية،

وهو ما عبر عنه جيرون فان دير، المدير التنفيذي لشركة شل العالمية، بقوله إن شركات النفط الدولية تعاني من ضعف حقيقي في مواجهة سعي الشركات الوطنية للحصول على عقود تستحوذ من ورائها على أصول إنتاجية في مجال النفط.

* مخاوف الشركات الدولية

وفي رأي جراهام كيلاس نائب رئيس مؤسسة «وود ماكينزي» أن شركات النفط الدولية سجلت نجاحاً مبهراً في العثور على النفط إبان العقد الماضي، ولكنها تعمل الآن في مجال تنضب فيه الفرص بشكل متواصل. وأضاف: «توجد قلة من المناطق في العالم التي لم تجر فيها عمليات الاستكشاف، ولهذا تناضل الشركات الكبرى للنفاذ إلى المناطق التي تمتلك احتياطيات ضخمة».

وقدر تقرير صادر عن شركة «بي بي» أن نمو الاحتياطيات الدولية من الغاز والنفط قد توقف عند مستوى العام الماضي، وأوضح التقرير أن العالم امتلك 188. 1 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية في نهاية عام 2004 مقابل احتياطي بلغ حجمه 188. 1 مليار برميل في العام السابق، وأشار إلى أن الاحتياطيات نمت بمعدل 02. 0% منذ عام 1990، مقابل متوسط سنوي لعشر سنوات نسبته 5. 1%،

وأفاد التقرير أن العام الماضي لم يشهد أي صعود محسوس في احتياطيات النفط، وذلك على الرغم من ارتفاع أسعار النفط التي تشكل حافزاً على نمو الاحتياطي، وأن نسبة النمو بمعدل 02. 0% هي أدنى معدل نمو منذ عام 1990، وأشار التقرير إلى أن احتياطيات الغاز الطبيعي شهدت نمواً أعلى بشكل طفيف بالمقارنة مع النفط، حيث نمت بنسبة 18. 0 % وهو أدنى معدل للنمو على مدى 20 عاماً، وهو أقل من المتوسط السنوي للنمو لعشر سنوات والبالغ 2%.

وتبين الأرقام مدى الصعوبة التي تواجهها الشركات النفطية الدولية في العثور على إمدادات نفطية جديدة، فحسب التقرير، قامت كبرى الشركات النفطية الدولية في العام الماضي بإحلال 70% من احتياطياتها النفطية بإمدادات جديدة، حتى شركة «بي بي»، التي تعد من أفضل الشركات التي تنقب عن النفط، قد أخفقت في الإحلال الكامل لاحتياطيها النفطي، مما يوضح محدودية قاعدة الموارد التي تمتلكها الشركة.

على الجانب المقابل، يرصد المحللون توسع الشركات المملوكة للحكومات بما في ذلك شركتي البترول الوطنية الصينية، و«كنوك» على المستوى الدولي، وتمتلك شركة «بتروناس» الماليزية أعمالاً في مجال النفط في نحو 35 دولة، كذلك تنشط شركة بتروبراس البرازيلية خارج بلدها، وهي منخرطة في تطوير خبراتها في مجال الإنتاج النفطي في المياه العميقة.

وعلى الرغم من انخراط الشركات النفطية الدولية والوطنية في أعمال مشتركة، إلا إنها تتصرف في بعض الحالات كشركات منافسة لبعضها البعض، حيث إنه في بعض الحالات، تفتقر الشركات النفطية الوطنية إلى التمويل والتكنولوجيا والمهارات الإدارية المطلوبة لتطوير المشروعات الضخمة، وبالتالي، فهي تسعى إلى العمل مع الشركات الكبرى.

ولكن بعض الشركات الوطنية ـ بحسب بيانات مؤسسة «بي إف سي» قد تمكنت من اكتساب المعرفة الكافية التي تجعلها قادرة على سد الفجوة بينها وبين الشركات النفطية الدولية وهو ما أتاح لهذه الشركات إمكانية الحصول على عقود خارج أراضي دولها.

* التعطش إلى النفط

وبالنظر إلى التعطش إلى النفط في كل من الهند والصين، تسعى شركاتها إلى إبرام الصفقات في دول كالسودان وإيران، نائية بنفسها بعيداً عن السياسة. حيث تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن يقفز استهلاك الصين للنفط من مستوى 8. 4 ملايين برميل يومياً في عام 2000 إلى 2. 7 ملايين برميل يومياً خلال العام الحالي، كما تتوقع أن تستهلك الصين في عام 2010 ما يزيد على 2. 9 ملايين برميل يومياً،

وهو مستوى من الاستهلاك يقل كثيراً عن الاستهلاك الأميركي الذي يبلغ 20 مليون برميل يومياً، ولكن الاستهلاك الصيني يتسم بسرعة نموه. وتريد الحكومة الصينية من وجهة نظر وين ران جيانج، أستاذ العلوم السياسية في جامعة آلبيرتا، زيادة إمدادات النفط

التي تحصل عليها بسبب اعتقادها بأن الشركات النفطية الكبرى والولايات المتحدة تتلاعب بالأسواق لكبح نمو الاقتصاد الصيني. ورغم احتدام المنافسة بين الجانبين ، إلا أن الشركات النفطية الدولية مازالت تعتقد أنها تتمتع بمزايا في تشغيل الحقول النفطية الكبيرة.