تعكف دول عديدة في منظمة أوبك على تطوير حقولها النفطية لتفي بعهودها التي قطعتها على نفسها بزيادة إنتاجها من النفط لتهدئة حالة الصعود الحاد في الأسعار والتي تسود أسواق النفط، وتجيء هذه الجهود لتطوير الحقول النفطية بعدما تراجعت الاستثمارات الموجهة إليها على مدى عقد كامل، وذلك في أعقاب انهيار أسعار النفط إلى أقل من 10 دولارات.
وفي الوقت الذي تتصدر فيه السعودية جهود دول أوبك في تطوير الحقول النفطية، نظراً لامتلاكها حوالي ربع احتياطيات النفط على مستوى العالم، فضلاً عن تبنيها التزام بتلبية احتياجات العالم المتعطشة للنفط ، تعمل دول أخرى كالإمارات والكويت وليبيا ونيجيريا وإيران على اغتنام فرصة ارتفاع أسعار النفط لضخ المزيد من الاستثمارات في قطاعها النفطي لزيادة طاقاتها الإنتاجية.
ويقدر اقتصاديون الاستثمارات المطلوبة في قطاعات الطاقة في منطقة الخليج حتى عام 2009 بنحو 180 مليار دولار، توجه 25% منها لقطاعات التنقيب والإنتاج واغلبها سيمول ذاتياً، ونحو 50% ستوجه إلى قطاعات تكرير وتوزيع النفط والغاز.
ويقول المحللون إن دول الخليج العربية تتوسع، وهي على ثقة من استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة، في الإنفاق على تحديث قطاعات الطاقة وغيرها من قطاعات البنية الأساسية المهمة بعد الحرص في الإنفاق الذي اتسمت به على مدى سنوات.
وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية تجاوز صافي إيرادات منتجي الشرق الأوسط ومنهم إيران والعراق تريليون دولار. ووفقاً لمسؤول من الشركة العربية للاستثمارات البترولية التي تملكها عشر من الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط »أوبك« فإن الارتفاع الراهن في أسعار النفط سيستمر على مدى الأعوام الخمسة المقبلة ليس عند مستوى 67 دولاراً للبرميل بل ما بين 45 و50 دولاراً.
* تطوير الحقول السعودية
ورصدت مجموعة سامبا المالية في تقرير لها أن أكبر تدفق نقدي في الاقتصاد السعودي هذا العام جاء من جانب «أرامكو». وأضافت أن أثر ارتفاع عائدات النفط سيبدأ في الظهور العام المقبل. وتوقع اقتصادي من البنك الأهلي التجاري السعودي أن يكون هذا العام قياسياً في التاريخ الاقتصادي للسعودية، فأسعار النفط ستظل مرتفعة والازدهار الاقتصادي القائم سيبقى حتى العقد المقبل.
ويشير المراقبون إلى أن حالة التأهب لإطلاق برنامج تطوير الحقول النفطية في السعودية بلغت الذروة، فهي تتبنى برنامجاً مدته خمس سنوات لزيادة طاقتها الإنتاجية إلى 5,12 مليون برميل يومياً قبل نهاية العقد الحالي. وأنه بالإمكان أن يرتفع هذا الرقم ـ وفقاً للتقديرات الرسمية السعودية ـ إلى 15 مليون برميل يومياً، وذلك في حالة إذا ما كان هناك طلب على هذه الكميات.
وتشمل مشروعات التطوير مجموعة حقول الخرسانية والتي سوف تضخ 500 ألف برميل يومياً من النفط العربي الخفيف بحلول عام 2007، إلى جانب حقل خريص الذي من المنتظر أن ينتج 2,1 مليون برميل يومياً بدءاً من عام 2009، كما تشير التقديرات إلى أنه من المقرر في المستقبل القريب وعلى وجه التحديد في فبراير 2006، الانتهاء من المرحلة النهائية لتطوير حقل حرض والذي سينتج النفط العربي الخفيف جدا.
وهو ما سيضيف 300 ألف برميل يومياً إلى مستوى الإنتاج الحالي من النفط العربي الخفيف جداً والبالغ 600 ألف برميل يومياً. وتشمل الخطة كذلك زيادة إنتاج حقل الشيبة إلى 250 ألف برميل يومياً والذي ينتج النفط العربي الخفيف جداً، وهو ما يعكس سعي المملكة لتوسيع طاقتها الإنتاجية من النفط الخفيف لتلبية طلبات معامل التكرير في الولايات المتحدة والأماكن الأخرى.
ويأتي المسعى السعودي لتطوير وزيادة إنتاجية الحقول النفطية، في أعقاب استكمال مشروع تطوير حقلي القطيف وأبو صفا اللذين أضافا 650 ألف برميل يومياً إلى الطاقة الإنتاجية السعودية في نهاية العام الماضي، وقد عبر عبد الله جمعة المدير التنفيذي لشركة آرامكو في تصريحات صحفية عن أوجه التقدم التي حققها برنامج تحديث
وتطوير الحقول النفطية السعودية بإشارته إلى أنه تم إحراز تقدم في حوالي 6 مشروعات لإنتاج النفط والتي ستضيف مجتمعة طاقة إنتاجية تزيد على 3 ملايين برميل يومياً. وهو ما سيعوض التراجع الطبيعي في إنتاجية بعض الحقول، إلى جانب إحداث توسع في الطاقة الإنتاجية السعودية. وأضاف عبد الله جمعة أن السعودية تمتلك القدرة على إضافة 200 مليار برميل من النفط إلى احتياطيها الحالي والبالغ 260 مليار برميل، وهو ما يؤكد أن المملكة تمتلك موارد طاقة هائلة.
* زيادة الطاقة الإنتاجية الإماراتية
وفي ما يتعلق بالإمارات، تتطلع شركة نفط أبوظبي الوطنية «أدنوك» إلى زيادة إنتاج الحقول البرية بمقدار 200 ألف برميل يومياً خلال المدى القصير، بحيث يسهم تطوير حقل «ظبية»، بنحو 110 آلاف برميل يومياً من الزيادة المخطط لها، فيما تأتي بقية الكمية والتي تبلغ 90 ألف برميل يومياً من تطوير حقل «باب» النفطي، وتخطط الشركة لزيادة الطاقة الإنتاجية على المدى الطويل لتصل إلى 8. 1 مليون برميل يومياً.
وفي ما يتعلق بالحقول الساحلية تتطلع شركة أدنوك إلى توسيع الطاقة الإنتاجية لحقل أم شيف وزاكوم السفلي من مستوى الإنتاج الحالي البالغ 470 ألف برميل يومياً إلى 600 ألف برميل بحلول نهاية عام 2008، وتقدر الشركة أن تطوير حقل زاكوم سيسهم في ضخ الجانب الأعظم من الطاقة الإنتاجية الإضافية، حيث من المخطط أن تقوم شركة تطوير زاكوم والتي تضخ حالياً 550 ألف برميل يومياً من حقل زاكوم السفلي بالمساهمة في الشطر الأعظم من الزيادة الإضافية في الإنتاج.
* مضاعفة الطاقة الكويتية
وتهدف الكويت إلى رفع طاقتها الإنتاجية الحالية والتي تبلغ 7. 2 مليون برميل يومياً لتصل إلى 4 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2020، وذلك من خلال التعاون مع الشركات الكبرى العملاقة. وتقدر تكلفة خطة تطوير الطاقة الإنتاجية للحقول النفطية الكويتية بحوالي 40 مليار دولار، ويقدر محللون أن إنجاز أهداف خطة التطوير يتطلب التغلب على العديد من العوائق الفنية، الأمر الذي يستلزم مشاركة شركات النفط العالمية.
ويعتبر مشروع الكويت إحدى الخطط المثيرة للجدل، حيث تقدر تكلفة المشروع بحوالي 7 مليارات دولار، ويحتاج تنفيذها مشاركة الشركات العالمية الضخمة لتطوير الحقول الشمالية. وقد طرحت الكويت مناقصة على الشركات الأجنبية لتطوير الحقول الأربعة الشمالية
وتعزيز مستويات إنتاج هذه الحقول إلى 900 ألف برميل يومياً على مدى العقدين المقبلين. ومن المقدر أن يبلغ إنتاج هذه الحقول 700 ألف برميل يومياً بحلول نهاية العام الجاري، وتتنافس ثلاث مجموعات من الشركات على تطوير هذه الحقول، وتقودها كل من شركة «بي بي» و«شيفرون» و«إيكسون موبيل».
* مشروعات إيرانية
وتنفذ إيران عدداً من المشروعات لتطوير طاقتها الإنتاجية، من بينها مشروع تطوير حقل آزاديجان الذي سيتكلف عدة مليارات من الدولارات، والذي يجري تطويره بواسطة شركات يابانية، وتشكل علاقات إيران المتوترة مع الغرب عقبة رئيسية أمام مشاركة الشركات الغربية الرئيسية في المساعدة في تطوير طاقتها الإنتاجية الحالية بما يتجاوز المستوى الحالي والبالغ 4 مليارات برميل يومياً.
ووفقاً لجريدة «طهران تايمز»، وضعت إيران خطة للسنوات العشرين المقبلة، تهدف إلى دفعها للمرتبة الثانية كأكبر مورد للنفط في منظمة أوبك بحصة نسبتها 7% من إنتاج النفط العالمي. وتتوقع الخطة أن تبرز إيران كأكبر منتج رئيسي للبتروكيماويات في المنطقة، وثالث أكبر مورد للغاز في العالم، بحصة تتراوح نسبتها بين 8% إلى 10% من التجارة العالمية للغاز ومشتقاته، وتقدر الخطة أنه خلال السنوات العشر المقبلة سيتم ضخ استثمارات قيمتها 50 مليار دولار،
ومن المتوقع لجمهورية إيران الإسلامية أن تنتج 7 ملايين من النفط والغاز المسيل ومكثفات الغاز يومياً وحوالي 3. 1 مليار متر مكعب من الغاز يومياً، كما ستبلغ الطاقة الإنتاجية للمصافي الإيرانية نحو 5. 2 مليون برميل من النفط يومياً، ووفقاً للخطة، سيتم استثمار 50 مليار دولار أخرى في قطاع الغاز وحوالي 30 ملياراً في قطاع البتروكيماويات خلال السنوات العشر المقبلة.
* خطط ليبية
وحسب مسودة التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2004، تخطط المؤسسة الوطنية للنفط المشرفة على قطاع النفط في ليبيا لمضاعفة إنتاج البلاد من النفط ليصل إلى 6,2 مليون برميل يومياً قبل عام 2010. وقد أسندت مهمة تطوير حقول الفيل ومبارك والنجا لشركات اسبانية وايطالية وكندية، ومن شأن ذلك زيادة الإنتاج بمعدل 100 ـ 200 ألف برميل يومياً، لكن قيود الإنتاج الحالية المفروضة من منظمة أوبك تشكل عقبة في دخول هذه الحقول حيز الإنتاج بكامل طاقتها.
ومن جانب آخر فقد تم تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع تطوير حقل الفارغ بطاقة 30 ألف برميل يومياً من النفط، و82. 2 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، وتستمر المؤسسة، بالتعاون مع شركة ايطالية، في تطوير حقل غرب ليبيا لإنتاج الغاز، بهدف نقل 8 مليارات متر مكعب سنوياً إلى أوروبا عبر أنبوب بحري طوله 540 كم وباستثمار قدره 6. 5 مليارات دولار، وينتظر أن يبدأ تصدير الغاز الليبي عبر هذا الأنبوب عام 2004.
* وفرة المعروض
ودفعت خطط توسع دول أوبك المحللين إلى التحذير من وفرة في الإنتاج خلال السنوات المقبلة نتيجة لزيادة الطاقة الإنتاجية وتنفيذ خطط تطوير الحقول النفطية. فمن جانب توقع مركز كامبريدج لبحوث الطاقة أن تزيد الطاقة العالمية بشكل جذري على مدى السنوات المتبقية من العقد الحالي. وهو ما سيؤدي إلى تجاوز الكميات المعروضة حجم الطلب بما يتراوح بين 6 و5. 7 ملايين برميل يومياً خلال نهاية العقد الحالي.
ويتناقض مثل هذا الوضع مع المعادلة الحالية والسائدة في أسواق النفط والتي تتسم بخلل حاد في التوازن بين الطلب الذي ينمو بوتيرة سريعة وتشدد الإمدادات، الأمر الذي انعكس على أسعار النفط التي تجاوزت مستوى 60 دولاراً للبرميل. ويقدر معهد كامبريدج أن إجمالي الطاقة الإنتاجية لمنظمة أوبك سيتوسع على نحو مؤثر ليصل إلى 6. 45 مليون برميل يومياً بحلول عام 2010.
ويعتقد مركز كامبريدج لبحوث الطاقة أن الطاقة الإنتاجية العالمية للنفط يمكن أن تقفز بمقدار 16 مليون برميل يومياً خلال الفترة بين عامي 2004 و2010، أي ما يعادل زيادة نسبتها 20% عن مستويات الإنتاج الحالية التي بلغت 8. 36 مليون برميل يومياً في عام 2004، إلى جانب ارتفاع حصة الغاز الطبيعي إلى حوالي 18% من إجمالي إنتاج الطاقة في العالم.
ومن جانب آخر، تقدر مؤسسة «سيرا» للدراسات النفطية أنه في الفترة التالية على عام 2010، سيتوافر لدى دول منظمة أوبك موارد هيدروكربونية نتيجة لقيامها بتوسيع طاقتها الإنتاجية بمعدل سريع ومنتظم، وتعتقد «سيرا» أن دول منظمة أوبك ستسرع من وتيرة تنفيذ المشروعات الرئيسية توقعاً من جانبها بتباطؤ نمو الطاقة الإنتاجية لدول خارج المنظمة.
كتب مجدي عبيد