تسود مخاوف كبيرة الأوساط الأوروبية من المشكلات التي قد تنجم عن وقوع الفائض النقدي في مشروعات قد تعرض رؤوس الأموال للخطر. فعندما عكفت مجموعة مستثمرين بقيادة «مكويريز بانك» الأسترالي على جمع مبلغ 5. 1 مليار يورو، لتمويل شراء «يالوبريك رود» ناشرة أدلة الهواتف الأوروبية، اعترت الدهشة كثيراً من المستثمرين.

فقد كان حجم الاستدانة المزمع جمعها يفوق بـ 4. 8 مرات الأرباح السنوية الإجمالية لتلك الشركة، وهي نسبة قياسية من الاستدانة العالية لهذا النوع من الصفقات في كل من أوروبا والولايات المتحدة، مما أثار مخاوف كبيرة من وقوع الفائض النقدي الأوروبي في مشاريع مخاطرة. إلا أنه، وبعد إتمام صفقة الدين، كانت لدى المصرفيين، أسباب أخرى لتنفس الصعداء. فقد تهافت المستثمرون على الصفقة، مما كان له أبلغ الأثر في تمويل جزء من الصفقة بأرخص مما هو متوقع.

وأرجع تيم ريتشي، رئيس القروض العالمية في باركليز كابيتال، الذي ساهم بصورة تضامنية في تنظيم القرض، إلى السيولة النقدية الثابتة، لـ «يالوبريك رود»، غير أن وراء الأكمة ظاهرة أكثر اتساعاً، فثمة حجم هائل من الأموال يجري في مفاصل النظام المالي الأوروبي ينتظر دوره في الاستثمار.

أو كما أورد كريفان أو غرادي، في «3»، مجموعة الاستثمارات الخاصة، التي باعت «يالوبريك رود» إن طفرة أسواق الدين كانت عاملاً رئيسياً في الثمن الذي تلقيناه لـ «يالوبريك رود». والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هو ما السبب الذي يجعل البنوك، والصناديق التحوطية، وغيرها من البيوتات المالية، تفيض بالسيولة النقدية، وما هي تبعات هذا الوضع التجاري؟

لا ريب أن هذا النمط، اتخذ سمة عالمية، بيد أنه بلا منازع، أكثر صراحة في أوروبا، لأن البنك المركزي الأوروبي، على العكس من مجلس النقد الاحتياطي الأميركي، لم يلجأ إلى رفع سعر الفائدة، بل إن البنك المركزي البريطاني قام بخفضها، وفي هذه الأثناء، فإن الاقتصاد الأوروبي المتكاسل، أوجد طلباً حثيثاً على القروض، مرغماً البنوك والمؤسسات المالية الأخرى على البحث عن منافذ أخرى للمال الفائض القادر على الإتيان بعوائد معقولة.

وفي هذا السياق يقول لويس ايلسون من بالامون كابيتال باركنرز، «بأنها، أي البنوك، تمضي في جني قناطير مقنطرة من الأموال، التي لا تدري ما هي صانعة بها». ويقدر ايلسون، بأن البنوك الأوروبية ستجني قرابة 90 مليار يورو من الأرباح هذا العام، عشرون ملياراً منها، ستخصص لتعزيز رساميلها الأصلية وجزء يسير لدفع المرابح. إلا أنه وبعد إضافة الفائض، المتحقق في العام الذي سبقه، فإن قدرة البنوك الدائنة يمكن أن تصل إلى 155 مليار يورو.

ومن شأن هذا الوضع، أن يضع صانعي السياسة في جو من عدم الاطمئنان، وكان البنك المركزي الأوروبي، حذراً مراراً من أن السيولة الفائضة، قد تحمل أخطاراً طويلة المدى، لاقتصاد المنطقة، بخلقها انتعاشاً غير مستقر في التضخم وأسعار الأصول، وأزمة اقتصادية لاحقة ومع ذلك، فهناك دلائل على تشكل فقاعات، ليست في المناطق الاقتصادية المرتبطة بالفائض المالي، على الأقل.

ويعتبر نمو سعر السكن متواضعاً في منطقة اليورو ككل. في حين لا تظهر أسواق الملكية الخاصة، سلوكاً نشطاً ولكن الملاحظ، أن كثيراً من الشركات الرئيسة، استجابت لإغراء المال الرخيص، بتسنمها فورة الإنفاق، وعلى النقيض، فإن دراسة البنك المركزي الأوروبي، تشير إلى أن الشركات تتأبى الاقتراض، في ما عدا إعادة تمويل قروضها القائمة بفوائد أرخص، بالرغم من أن البنوك تحلحل شروطها الإقراضية.

ومع ذلك، فإن صانعي السياسة، لو وجدوا مكاناً عرضة للفقاعة، فإن عالم التمويل عالي المردود، هو المكان الأمثل للسعي إليه. وفي حين تمارس الشركات الاستثمارية سياسة الابتعاد عن الاستدانة، فإن المقترضين الأكثر مخاطرة، خصوصاً في عالم الاستثمار الخاص، يعوضون ذلك بأخذ مستويات أعلى من القروض، وبالرغم من إذكاء ذلك لنشاط الاستحواذ في أوروبا، فإنه كفيل بتوفير التربة لمشكلات، فيما يستقبل من الزمن، سيما إذا ارتفعت النفقات المالية.

إن البيانات الراشحة من ذلك القطاع مروعة، ففي السنوات الأخيرة، عبرت شركات الاستحواذ الأميركية المتخصصة، مثل بلاك ستون وكوليبرغ كرافيس روبرتس، وتكساس باسفيك المحيط الأطلسي على نطاق مذهل. في حين بلغ نشاط الاستثمار الخاص في أوروبا 32 مليار دولار عام 1998، فإن الصفقات المعلنة حتى حينه، بلغ إجماليها 123 مليار دولار وفقاً لـ «ديالوجيك» مجموعة الدراسات.

ونتيجة لذلك، فإن قيمة صفقات الاستثمار الأوروبي الخاص انكمشت إلى حد كبير في الولايات المتحدة. وسبب حدوث ذلك، إلى حد ما، يعود إلى أن مجموعات الاستحواذ الأميركية وجدت في أوروبا لقمة سائغة، ورغم ذلك، فإن العامل المساهم الأكبر في الطفرة تلك، هو سهولة توفير التمويل.

وكانت شركة أوروبية مصنفة BBB (نهاية درجة الاستثمار) عند سنوات خمس، تدفع نسبة 250 نقطة أساسية من الفوائد، لإصدار سندات خمس سنوات، أكثر من أية حكومة، العامل الآخر، وعلى القدر نفسه من الأهمية، هو الهيكل المتغيّر لأسواق الدين الأوروبي، فمنذ عقد مضى، لم يكن قطاع الدين عالي المردود موجوداً نسبياً،

غير أنه حقق انتشاراً واسعاً في السنوات الأخيرة، متركزاً بصورة كبيرة حول الاستثمار الخاص، حيث دخلت البنوك والصناديق التحوطية المجال الاستثماري بصورة حماسية، مضيفة مزيداً من السيولة، الأمر الذي سهّل على مجموعات الاستحواذ اقتفاء الصفقات الكبيرة، مثل الاستحواذ على Wind، كما سمحت شركات الاستثمار الخاصة لإعادة تمويل نفسها بصورة متكررة، مستغلة نفقات التمويل المتدنية.

وقد أوردت Fitch، وكالة التصنيف، أن 63 مليار يورو من التمويل عالي المردود، تم جمعها خلال النصف الأول من العام، منها 25 مليار يورو، خُصِّصت لعمليات الاستحواذ عالية المردود، وقد جرى استخدام نصف ذلك المبلغ للسماح لشركات الاستثمار الخاصة بدفع الأرباح إلى مستثمريها.

وقد أفاد ذلك مجموعة الاستثمار الخاصة، حيث تمكنت إداراتها من سداد مساهميها بسرعة، مع الاحتفاظ بالسيطرة على الشركات التي قاموا بالاستثمار فيها. وفي معرض تعليقها على ذلك، قالت راشيل هاردي المحللة لدى Fitch: «المال يأتي من تلك الصفقات، ويأتي بسرعة فائقة، وغالباً في غضون أقل من عام»، ولا بد من الإشارة إلى أن استخلاص المال من شأنه إثقال الصفقات بمزيد من الديون،

ويؤدي إلى تعريض المستثمرين الذين يحولون تلك الصفقات، عن طريق السندات أو القروض، إلى مزيد من المخاطر. ويقول بول واترز، رئيس تحليل القروض في ستاندارد أند بورز، «لقد كان هناك تدن بمستوى الصفقات في المحافظ الجماعية».

وفيما كان 83% من الأصول في تلك المحافظ مصنفة بدرجة BB، أو أعلى بقليل منذ عامين، ففي رأيه، وصلت النسبة الآن إلى 27%، نظراً لقيام شركات أكثر مخاطرة بجمع التمويل، وبيع قروضها للمستثمرين. ولا تتوفر أدلة كافية حتى الآن، توحي بأن البنوك والصناديق التحوطية، والمستثمرين الآخرين، وقعوا فريسة للمخاطر،

صحيح أن المصرفيين، خلال الأسابيع القليلة الماضية، جاهدوا لانجاز عدة تمويلات، غير ان الظاهر أن ذلك يعكس تخمة مؤقتة في ظروف صيفية قاسية، أكثر منه ضربة استثمارية خطيرة، ولا توجد مؤشرات، على وجود ارتفاع حاد في نفقات التمويل. ومن جانب آخر، فإن أغلب المصرفيين، يصرّون على الأقل في العلن، بأن الصورة قد تستمر، فمعدل عجز الشركات منخفض جداً، وثمة توقعات قليلة بأن السيولة على وشك الجفاف،

وصناع المال لا يتوقعون قيام البنك المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة وأن التنمية في آسيا، قد تدفع بمزيد من التمويل إلى أوروبا في القريب، وتعليقاً على ذلك قال مارك واتش، رئيس الدخل الثابت في مورلي فاندمانجمنت، «اذا ما قامت البنوك المركزية الآسيوية بتوزيع أصولها خارج الدولار، فإن ذلك يعني أن قسطاً من السيولة التي تتدفق الآن من آسيا إلى الولايات المتحدة، ستتجه بدلاً من ذلك نحو أوروبا».

وفي المقابل، لا توجد مؤشرات على حدوث صدمة تمويلية. ويحاجج بعض صناع السياسة، بأنها، لو أضرّت بالقطاع، فإن أثرها على الاقتصاد ككل، سيكون محدوداً، ملحقاً الضرر بقليل من شركات الاستثمار الخاصة، ومديري الصناديق التحوطية، أما البنوك، بجداول أرباحها القوية، فإنها تبدو على درجة من القوة التمويلية الكافية لتجاوز أي عاصفة.

ويشير التاريخ إلى أن ظهور الفقاعات الائتمانية يتلاشى بهدوء أو دون إحداث أضرار غير متوقعة.ومن الجدير بالذكر، أن المقترضين الفرنسيين أخذوا 171 مليار دولار خلال النصف الأول من العام مقارنة بـ 148 مليار دولار في بريطانيا، وفقاً لما ذكرته مجموعة الدراسات ديالوجيك.

ويعكس جزء من التدفق طفرة في الاستحواذات والاندماجات التي قامت بها الشركات الفرنسية، وخصوصاً فرانس تيليكوم، وسانت غوبيان، وبيرنود ريكارد التي أطلقت صفقات كبيرة تتطلب إقراضاً جماعياً.ولقد عمدت كثيراً من الشركات الفرنسية وأصبحت أكثر قوة للدخول في منافسة حادة للفوز بأفضل الصفقات في القروض والملكية الخاصة، وسوق السندات.

وحيث إن عدداً كبيراً من البنوك المحلية، ذات الموازنات القوية تسعى للاستحواذ على نصيب من التجارة في فرنسا، فقد ازدادت أذرع الشركات قوة. الأمر الذي حدا بكثير من البنوك الفرنسية، إلى استهداف امتيازات أقوى في الأسواق الخارجية لتنويع محافظ عملائها.ورغم ذلك فإن مثل هذه المنافسة الحادة، بين البنوك، تثير مخاوف من تقديمها شروطاً لا تتوافق مع نسبة الخطر والجزاء.

وفي هذا السياق يقول بيرنارد دي لونغفيال، المحلل المصرفي في ستاندارد أند بورز، إنه مصدر قلق. لو أن الجميع لاحقوا نفس العمل فلابد من وجود خاسرين. وأردف قائلاً ليست لدينا مخاوف في المنظور القريب ولدينا تصنيفات مستقرة لجميع البنوك الفرنسية، بيد أنه مثار قلق في المنظور القريب.

إلا أن بليفير من BNP باري با استبعد مثل تلك المخاوف قائلاً: لقد حققنا تقدماً في البنوك، في مجالي تقويم المخاطر والتجارة المخاطرة، كما اكتسبت التجارة الإئتمانية نشاطاً فعالاً، وأصبحنا أفضل إدارة فيما يخص موازنة المخاطر، والذي لا يأخذه المحللون أحياناً في الحسبان».