في مقال له في صحيفة انترناشيونال هيرالد تريبيون، تحدث بول كروغمان عن اختلاف المثل العائلية لدى كل من الفرنسيين والأميركيين، قائلاً: نحن معشر الأميركيين، أخذتنا العزة بالنفس، باعتقادنا أننا خيار الناس، وأن افعالنا منزهة، لا يرقى اليها الشك، وهذا الاعتقاد دفع بالأميركيين الى عدم تقبل اكتساب المعرفة من الآخرين، ورفض الرأي القائل بأن لدى الأوروبيين كثيراً مما يعلمونا إياه، ومنها مثلاً سياسة الرعاية الصحية.

ويمضي كروغمان الى القول: «إن الناس بعد كل ذلك، يتساءلون كيف يمكن للأوروبيين ان يعلمونا سياسة الرعاية الصحية، وشؤونهم الاقتصادية تعاني الأمرين؟».الواقع أنه لا سبب يحول دون امتلاك بلد ما لنظام رعاية صحية ممتاز، في الوقت الذي يعاني فيه من مطبات اقتصادية، لكن هل صحيح أن الاقتصادات الأوروبية على هذه الدرجة من السوء؟

الجواب، بلا جدال هو «لا»، فالأميركيون منكبون الآن على مراجعة كثير من المسائل الحياتية، غير ان المقارنة الصارخة بين اقتصادي كل من الولايات المتحدة، وأوروبا، وخصوصاً فرنسا، تظهر أن الاختلاف هو في الأولويات لا في الأداء.فنحن بصدد مجتمعين على درجة عالية من الإنتاجية، خلقت مقايضة متفاوتة بين إفراد وقت للعمل وآخر للأسرة.

غير أنه، وفي ضوء الغمز من قناة الفرنسيين فإن المرء قد يندهش لوصفي الفرنسيين بالمجتمع الانتاجي، ومع ذلك، ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن الانتاجية في فرنسا ـ الناتج الاجمالي المحلي بالنسبة الى ساعات العمل ـ هي في الواقع أعلى من الولايات المتحدة. حقيقة ان الناتج الاجمالي المحلي بالنسبة للفرد هو تحت المستوى الأميركي، إلا أن ذلك راجع الى ان الفرنسيين يقضون فترات زمنية أطول مع أسرهم.

حسن، لعلنا نفرط في تبسيط الأمور، فثمة أسباب عدة تجعل ساعات عمل الفرنسيين بالنسبة للفرد أقل من الأميركيين، ومنها أن الفرنسيين يرغبون في العمل، بيد أنه لا قبل لهم بذلك، فمعدل البطالة الفرنسي الذي يجنح الى الارتفاع بنسبة أربعة في المئة عن المعدل الأميركي، هو مربط الفرس، ومن الأسباب الأخرى ان المواطنين الفرنسيين يتقاعدون في سن مبكرة، إلا ان العقدة الرئيسية تكمن في أن العمال الفرنسيين المتفرغين يعملون أسابيع أقل وينعمون باجازة أطول من نظرائهم المتفرغين الأميركيين.

والواقع ان سبب انخفاض دخل الفرنسيين عن الأميركيين هو مسألة خيار، ولرؤية تبعات ذلك الاختيار دعونا نقارن العائلة الفرنسية النموذجية من الطبقة الوسطى مع نظيرتها الأميركية.فالعائلة الفرنسية تمتلك دخلاً استهلاكياً أقل، ويمكن ترجمة ذلك، في استهلاك شخص أقل، ومسكن أصغر، وارتياد أقل للمطاعم.

غير ان ثمة معوضات لهذا المستوى المتدني من الاستهلاك، فالمدارس الفرنسية على درجة عالية من المستوى، ولا يتعين على العائلة الفرنسية القلق إزاء إدخال أبنائها في منطقة تعليمية جيدة، ولا يتعين عليها الخوف من فقدان الضمان الصحي، والوقوع فريسة للإفلاس بسبب الفواتير الطبية.

ولعل الأكثر أهمية هو ان أفراد العائلة الفرنسية يعوضون عن تدني دخولهم بقضاء وقت أطول معاً. كما أن العمال الفرنسيين، ينعمون بإجازة مدفوعة مدتها سبعة أسابيع في السنة، خلاف الأميركيين الذين تقل إجازاتهم عن أربعة أسابيع. فأي المجتمعين ينعم بخيار أفضل؟ يقول كروغمان: «لقد أطلعت على دراسة جديدة عن الاختلافات العالمية في ساعات العمل، والتي تركزت حول اختلاف النظم الحكومية،

وقد جاء فيها تفسير لعمل الأوروبيين ساعات تقل عن الأميركيين، غير ان الدراسة، تشير إلى ان الأنظمة الحكومية تطرح للناس مقايضة خيارية، دخل متواضع نظير قضاء أطول وقت مع الأصدقاء والعائلة». ويقدم واضعو الدراسة أدلة رقمية، مفادها أن انخفاض ساعات العمل،

يضفي جواً من السعادة على الأوروبيين، بالرغم من فقدان الدخل الكبير. والملاحظ ان المحافظين الأميركيين يحبون الفرنسيين، ويؤكد كثير منهم أهمية القيم الأسرية. ومهما قيل بشأن السياسات الاقتصادية الفرنسية، فإنها ترسخ العائلة باعتبارها كياناً مؤسساتياً.

ترجمة: وائل الخطيب