أثير خلال الفترة الأخيرة جدل كبير حول الفلسفة التي تحكم أسعار الفائدة في دول العالم عموماً ومناطق الثقل الاقتصادي على وجه الخصوص مثل الولايات المتحدة الأميركية ومنطقة اليورو، وتأجج ذلك الجدل أكثر بعد قرار البنك الفدرالي الأميركي القاضي برفع أسعار الفائدة وللمرة العاشرة الى 5. 3% في إطار سياسة رفع تدريجي يتوقع الخبراء أن تستمر على ذات المنوال خلال السنوات القليلة الماضية.

إضافة الى قرار البنك المركزي الأوروبي بإبقاء أسعار الفائدة على حالها عند 2% وهو المعدل الذي ظل قائماً لنحو 25 شهراً، ويرى المراقبون ان الخاسر الأكبر في الصراع الدائر حول أسعار الفائدة دائماً هو المستهلك. ويزعم الكثير من منتقدي البنك المركزي الأوروبي أن اقتصادات منطقة اليورو، تحكمها سياسات مالية خانقة، وأنه يخضع لهيمنة رجال آخر اهتمامهم النمو الاقتصادي، غير ان الوقائع، تكشف بأن سياسة البنك المركزي الأوروبي في أغلب المقاييس لم تكن متزمتة.

صحيح أنه في أعقاب انهيار سوق البورصة بين عامي 2001 ـ 2003، خفض البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة إلى أقل مما فعله مجلس النقد الاحتياطي الأميركي، غير ان ذلك يرجع جزئياً الى ان أسعار الفائدة الأميركية بدأت أصلاً مرتفعة. أضف إلى ذلك أن معدل التضخم في أميركا انخفض بصورة حادة في حين كانت أسعار الفائدة الحقيقية في منطقة اليورو سلبية خلال الجزء الأعظم من العامين الماضيين، وهو المعدل الأدنى منذ 25 عاماً.

ويشير ذلك إلى أن السياسات المصرفية الأوروبية فضفاضة إلى حد ما، بالمعايير المالية الدولية، ويخشى البنك المركزي الأوروبي من أن تقود السيولة الفائضة في النهاية الى رفع معدلات التضخم أو حدوث فقاعة في أسعار الأصول. ويسخر النقاد من تبني البنك المركزي الأوروبي لهذا المقياس، إلا أنه، وكما اورد البنك الدولي مؤخراً، فإن الحرص على مراقبة المال والدين، كفيل بتوفير موانع مفيدة، لتراكم الفائض النقدي.

ومن العناصر المستخدمة على نطاق واسع، لتشديد السياسة النقدية قانون «تايلر» والذي يحسب سعر الفائدة «الصحيح» وفقاً لحجم الطاقة الانتاجية الاحتياطية في الاقتصاد.وتغيير مسار التضخم عن هدفه المنشود، وعن سعر الفائدة في منطقة اليورو! يقول ان سعر الفائدة في منطقة اليورو، خلال السنوات الست الماضية فعلياً، كان أقل من المعايير التي يتضمنها قانون تايلر،

مدحضاً الرأي القائل بأن البنك المركزي الاحتياطي الأميركي، أقل اهتماماً بالنمو من مجلس النقد الاحتياطي، وفي المقابل فإن الاسباب التي تكبل سياسات البنك المركزي الأوروبي أن تقديرات الفجوة الانتاجية في منطقة اليورو، ـ حجم البطء في الاقتصاد ـ تخضع لمراجعات أكثر مما هو حاصل في أميركا.

ففي عام 2000، قدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ان الناتج الاجمالي المحلي في منطقة اليورو كان أقل بـ 3. 0% عن معدله الحقيقي وهي تعتبر الآن، أن الناتج المحلي أعلى بـ 6. 1% عن معدله.وفي رأي الاقتصاديين فإن سعر الفائدة الصحيح يعتمد بصورة جزئية على عنصر التضخم.

وقاد ذلك البعض الى القول لو ان البنك المركزي الأوروبي كان له، شأن بنك انجلترا المركزي، هدفه متناسق للتضخم مرتكز على نطاق 2% لكان في وسعه تخفيف القيود المالية، ويمضي البعض الى الزعم بأن هدف البنك المركزي الاوروبي للتضخم، ينبغي ان يكون أعلى من هدف بنك انجلترا المركزي.

آخذاً في حسبانه، الفروقات في أسعار الفائدة بين أعضاء منطقة اليورو، وبالتالي الاحتراز من مخاطر التضخم في كل بلد على حدة.وبالرغم من ان هدف التضخم للبنك المركزي، سيكون أفضل افصاحاً بالمراوحة بين 1 ـ 3%، فإن ذلك لن يكون له من الناحية العلمية أي أهمية تذكر.

علاوة على ذلك، فإن معدل التضخم الرسمي في منطقة اليورو، قاصر عن الحقيقة، لأن مؤشر الأسعار الاستهلاكية المتجانس، الذي يعتمده البنك المركزي الأوروبي، يستبعد المصاريف الإسكانية للمُلاك والساكنين، والتي تمثل شريحة كبيرة من نفقات المعيشة.

وتشير حسابات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن مثل تلك النفقات لو أضيفت، فإن معدل التضخم في منطقة اليورو، كان سيصل العام الفائت إلى 7. 2% وليس 1. 2% حسبما هو معمول به حالياً. والمؤكد أن الظروف المالية، في أي اقتصاد لا تعتمد على أسعار الفائدة قصيرة المدى فحسب ولكن على أسعار الصرف، ومردودات السندات طويلة الأجل أيضاً.

ولعل البنك المركزي الأوروبي، أخطأ بعدم خفضه لأسعار الفائدة العام الماضي، للتخفيف من آثار ارتفاع اليورو، والذي خلق ظروفاً مالية للتشدد، عندما بدأ النمو في التعثر. ومهما يكن فإن القيمة القيادية لليورو انخفضت 5%، منذ بداية العام، هابطة به تحت قيمته، عند إطلاقه كعملة في عام 1999.

وقد يكون لمكاسب السندات أثر أكبر في النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو، من أسعار الفائدة قصيرة المدى، ففي السنة الفائتة انخفضت أرباح سندات العشر سنوات، من 3. 4% إلى 2. 3%. وفي هذا الإطار تقول جوليان كالو، الخبيرة الاقتصادية في باركليز كابيتال: إن الانخفاض المزدوج في كل من اليورو وأرباح السندات طويلة الأجل، منذ بداية العام كان متكافئاً (من حيث تأثيرهما على الناتج الإجمالي المحلي) في خفض أسعار الفائدة قصيرة المدى بحدود 1% نقطة.

إن الانخفاض الأخير في اليورو، وأرباح السندات، يفسر السبب الذي جعل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي زعمت في تقريرها «نظرة اقتصادية شاملة»، الذي نشرته في مايو الماضي أن اقتطاع نصف نقطة في سعر الفائدة مسألة «جبرية»، تبدو الآن أكثر ربحية. وفي دراستها السنوية لمنطقة اليورو، حبذت الإبقاء على سعر الفائدة عند 2%، لو تحسن سعر اليورو، وبقي الاقتصاد ضعيفاً فلا مناص من خفض السعر مرة أخرى.

ومن جانب آخر، فإن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تقر بأن مهمة البنك المركزي الأوروبي محفوفة بعائقين، الأول، التصاق التضخم في منطقة اليورو نتيجة لنقص المناقشة، خصوصاً في القطاع الخدمي. ومن شأن الإصلاح الهيكلي الهادف إلى تعزيز المنافسة وتقليص القصور السعري، أن يجعل السياسة النقدية أكثر فعالية.

ويتمثل العائق الثاني في أن السياسة النقدية تميل إلى أنها تصبح سلاحاً أقل فعالية في منطقة اليورو، منها في أميركا وبريطانيا، فآلية الانتقال من أسعار الفائدة إلى الإنفاق الاستهلاكي تتسم بالضعف، ويمكن إرجاع ذلك إلى أسواق الرهن الأقل منافسة، ففي منطقة اليورو ثمة صعوبة في تحويل الأرباح الرأسمالية إلى سيولة نقدية، عن طريق اللجوء إلى مزيد من الاقتراض بسبب ارتفاع أسعار المساكن أو الإفادة من انخفاض سعر الفائدة، بإعادة تمويل رهونات الفائدة الثابتة.

واللذين كانا سبباً في ازدهار الإنفاق المنزلي في أميركا. والحل يكمن هنا ليس في اقتطاع المزيد من سعر الفائدة، إنما في تحريك سوق الرهن العقاري المبالغ في مراقبته. ويرتكز الانحاء باللائمة على معدل الضعف في منطقة اليورو بصورة رئيسية على السياسة المالية المتشددة، والجمود الهيكلي، وفي تكييفها للدورة الاقتصادية، فإن السياسة المالية، كانت أكثر تشدداً في منطقة اليورو، منها في أميركا أو بريطانيا.

بفضل الاستقرار ومعاهدة النمو، التي أرغمت الحكومات على رفع الضرائب، حتى خلال فترة الانكماش الاقتصادي. ويسعى كثير من البلدان الآن إلى إضفاء مزيد من المرونة على أسواق عملاتها، إلا أن الخشية هي أن تؤدي الإصلاحات لتقليص الحماية الوظيفية، في المدى المتطور، إلى فض الإنفاق الاستهلاكي، وهنا مكمن ضعف البنك المركزي الأوروبي الحقيقي، وهو وسائل الاتصال الجماهيرية.

فحتى لو كانت السياسة النقدية لا تخنق الاقتصاد، فإن أسلوب البنك يعطي باستمرار الانطباع بضرورة تشديد السياسة للوقاية من تهديد التضخم الجاثم باستمرار، فإذا ما تواصل إبلاغ الناس بالوقوف موقف العاجز عن صنع ما هو كفيل بتعزيز النمو، فإنهم سينفقون بمزيد من الحذر، وقد لا تكون أسعار الفائدة هي التي يحتاج البنك لتغييرها بصورة عاجلة، إنما أسلوبه الخطابي.

ترجمة : وائل إبراهيم الخطيب