عادت أسعار النفط للارتفاع مجدداً أمس إلى مستويات قريبة من مستوياتها القياسية وسجلت 64 دولارا للبرميل مع استمرار المخاوف من الضغوط على إمدادات البنزين الأميركي وتوقف صادرات الاكوادور النفطية. وزادت أسعار النفط الخام عن مثلي مستواها خلال العامين الماضيين وسط مخاوف من عدم كفاية الطاقة الإنتاجية بالقطاع لتلبية الطلب من أكبر مستهلكين في العالم وهما الولايات المتحدة والصين.

وفي حين ظلت مخزونات الخام قوية نسبياً فإن تعطل الإمدادات يبقي المتعاملين في حالة تأهب. فهناك انخفاض الإنتاج عن المستوى المعتاد في الهند وبحر الشمال بعد عمليات توقف الشهر الماضي. ويقول المحللون إن منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» التي تضخ بأعلى معدل منذ ربع قرن لم يعد لديها طاقة إنتاجية غير مستغلة كافية لتعويض النقص في الأزمات.

وارتفع سعر الخام الأميركي الخفيف أكثر من دولار مع إقبال المتعاملين على الشراء بعد انخفاض الأسعار ما يقرب من أربعة دولارات للبرميل الأسبوع الماضي. وزاد سعر الخام الأميركي الخفيف لعقود سبتمبر بتعاملات نايمكس الالكترونية 99 سنتاً إلى 26. 64 دولاراً للبرميل بعد أن ارتفع في وقت سابق إلى 35. 64 دولاراً. كما ارتفع مزيج برنت لشهر أكتوبر 93 سنتاً إلى 33. 63 دولاراً للبرميل.

وكان النفط الخام قد هبط بشدة من ذروته التاريخية البالغة 10. 67 دولاراً التي سجلها خلال الأسبوع الثاني من الشهر الجاري وسط تكهنات بأن الأسعار المرتفعة تعمل على تقلص الطلب لكن بعض الوسطاء قالوا إن قوة الاتجاه الصعودي للنفط مازالت قائمة وذلك يرجع أساساً إلى هبوط مخزونات الولايات المتحدة من البنزين.

وارتفع سعر الخام الأميركي الخفيف لعقود التسليم في سبتمبر في أواخر المعاملات الآسيوية في تعاملات نايمكس الالكترونية عبر نظام اكسيس 29 سنتاً أي 45. 0 في المئة إلى 56. 63 دولاراً للبرميل. وبلغ عند التسوية في إقفال بورصة نايمكس في نيويورك 27. 63 دولاراً مرتفعاً سنتين اثنين. وكان قد هبط حتى 25. 62 دولاراً مسجلاً أدنى سعر له منذ الثامن من أغسطس. وارتفع سعر مزيج برنت القياسي الأوروبي 20 سنتاً إلى 60. 62 دولاراً للبرميل.

ورغم أن موسم العطلات الذي يرتفع فيه الطلب على البنزين بشدة لم يبق فيه سوى أسبوعين فإن انخفاض مخزون البنزين ساهم في استمرار قلق المتعاملين. وتفاقم القلق بسبب سلسلة من المشاكل في صناعة التكرير الأميركية. كما انخفض مخزون البنزين بقدر أكبر من المتوقع الأسبوع الماضي. وأوقف انتعاش الأسعار في أواخر المعاملات ثلاث جلسات متتالية من الخسائر توجت منتصف الأسبوع بهبوط بلغ 83. 2 دولار أو أكثر من 4 في المئة.

في هذه الأثناء رفعت مؤسسة ميريل لينش توقعاتها لسعر الخام الأميركي الخفيف في الأجل الطويل بنسبة 40 في المئة إلى 42 دولاراً للبرميل بعد يوم واحد من قول مؤسسة جولدمان ساكس أكبر منافس لها انها تتوقع أن يبلغ سعر البرميل نحو 60 دولاراً بحلول نهاية العقد الراهن.

وزاد فريق الطاقة العالمي بميريل لينش كذلك توقعاته لسعر الخام الأميركي الخفيف إلى 56 دولاراً للبرميل هذا العام بارتفاع ستة دولارات عن توقعه السابق و52 دولاراً في عام 2006 بارتفاع عشر دولارات. وبلغ متوسط أسعار النفط 71. 53 دولاراً للبرميل حتى الآن هذا العام. وقال الفريق: «في رأينا أن الارتفاع في الفترة الأخيرة جاء نتيجة اضطرابات قصيرة الأجل في الإمدادات وتجدد التوترات السياسية. ولا نتوقع أن يستمر مستوى 60 دولاراً في الأجل الطويل ونتوقع أن يتراجع السعر».

لكن جولدمان ساكس أكبر مؤسسة تمويلية تتعامل في قطاع الطاقة في العالم توقعت ارتفاعات أكبر. فقالت إن الافتقار للاستثمار في عمليات التنقيب والإنتاج سيبقى على أسعار النفط حول مستوى 60 دولاراً للبرميل في الأجل الطويل. وحتى مع اقتراب الأسعار من مستوياتها القياسية قالت جولدمان ساكس إن شركات النفط تكتنز سيولة كبيرة تبلغ نحو 500 مليار دولار بدلاً من ضخها في مشروعات جديدة بسبب حالة عدم التيقن من الربحية.

ويوضح التقريران انقسام المحللين بشأن استجابة قطاع النفط للارتفاع المستمر منذ أكثر من عامين في أسعار النفط التي تجاوزت 67 دولاراً للبرميل الأسبوع الماضي. ودعا محللون وبعض الحكومات شركات النفط لاستثمار المزيد من عائداتها الاستثنائية في أصول للإنتاج والتكرير للمساعدة في تخفيف الضغوط على الطاقة الإنتاجية العالمية لكن العديد من الشركات مازالت قلقة من بدء موجة جديدة من الانخفاض مثلما حدث في أواخر التسعينات.

وبدا أن الكثير من الأطراف باتت تسلم بحتمية استمرار ارتفاع الأسعار فقد قال شكيب خليل وزير الطاقة والمناجم الجزائري في وقت سابق إن احتمالات انخفاض أسعار الطاقة من مستوياتها القياسية ضعيفة بسبب عوامل عدة خارجة عن سيطرة منظمة أوبك.

واستبعد خليل فكرة أن أوبك تتحمل مسؤولية ارتفاع أسعار النفط التي تدور حول 65 دولاراً وأنحى باللائمة على عوامل منها النمو الاقتصادي القوي في الولايات المتحدة ونقص طاقة التكرير وقوة الطلب في الأسواق. وأضاف «أثق بأن الأسعار ستنهار إذا حدث كساد».

وكانت منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» قد رفعت توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2006 وتوقعت أن تعوض إمدادات أوبك تباطؤا في نمو إنتاج الدول غير الأعضاء بالمنظمة. وأشارت توقعات أوبك الآن إلى نمو الطلب العالمي على النفط بمقدار 57. 1 مليون برميل يومياً في عام 2006 بزيادة قدرها 30 ألف برميل يومياً ودون تغير كبير عن معدل النمو هذا العام.

وقالت المنظمة إن من المتوقع الآن أن ينمو إجمالي الناتج المحلي العالمي بما يقرب من أربعة في المئة العام المقبل إذ إن اقتصادات الدول النامية تظهر معدلات نمو أفضل مما كان متوقعاً من قبل.وأضافت أوبك في تقريرها أن الولايات المتحدة ستقود نمو الطلب داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في حين سيشكل الطلب من الصين حوالي ربع إجمالي النمو في الطلب العالمي على النفط خلال عام 2006.

وخفضت المنظمة توقعاتها لإنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك إلى 5. 51 مليون برميل يومياً بتراجع قدره 148 ألف برميل يومياً كما توقعت أن يبلغ الطلب على خامات أوبك 2. 29 مليون برميل يومياً بزيادة قدرها 170 ألف برميل يومياً عن توقعاتها السابقة. ويزيد إنتاج أوبك بالفعل مليون برميل يومياً عن مستوى الطلب المتوقع على نفطها في عام 2006.

وقال التقرير إن أوبك أنتجت 2. 30 مليون برميل يومياً في يوليو بزيادة 210 آلاف برميل يومياً عن الإنتاج في يونيو. وجاء القدر الأكبر من الزيادة من السعودية والعراق وإيران والإمارات. وتنتج المنظمة بأعلى مستوى منذ 26 عاماً لبناء مخزونات عالمية كافية قبل أن يصل الطلب لذروته في فصل الشتاء.

ومع هذا فشلت هذه الكميات الزائدة في تهدئة أسعار النفط التي ارتفعت وسط ضغوط قوية على المصافي لتوفير أحجام كافية من الوقود المستخدم لتشغيل وسائل النقل. وحذرت وكالة الطاقة الدولية من تأثير قوي لارتفاع الأسعار على النمو العالمي وقال كبير الاقتصاديين بالوكالة مطلع الأسبوع إن ارتفاع أسعار النفط العالمية لمستويات قياسية سيقلل النمو الاقتصادي العالمي بواقع 8. 0 نقطة في عام 2005 وسيزيد من العجز في ميزان المعاملات الجارية في الدول الغنية والاقتصادات الناشئة على حد سواء.

وأوضح بيرول أن بيانات صندوق النقد والبنك الدوليين أظهرت أن أسعار النفط التي بلغ متوسطها 5. 43 دولاراً للبرميل في 2004 قلصت النمو الاقتصادي العالمي بمقدار 5. 0 نقطة كما توقعت الوكالة آنذاك. وقال إن منشآت الإنتاج الجديدة المتوقع أن تبدأ العمل في الدول المنتجة للنفط بنهاية العام الحالي يمكن أن تعزز المعروض، مشيراً إلى انه حتى ذلك لن يلبي الزيادة في الطلب في الأجل القصير.

ودعم مسؤول كبير بمكتب الإحصاء الوطني في الصين ما ذهبت إليه وكالة الطاقة الدولية وقال إن ارتفاع أسعار النفط العالمية سيترك «تأثيراً ما» على اقتصاد بلاده وانه ينبغي على الدولة استغلال المزيد من احتياطي النفط والغاز وتطوير الصناعة لتستهلك كميات اقل من الطاقة. لكنه أوضح أن وجود احتياطي وفير من النفط والغاز في الصين يعني قدرتها على التعامل مع التحديات المترتبة على ارتفاع تكلفة النفط.

وأوضح «سيكون لأسعار النفط المرتفعة تأثير ما على اقتصاد الصين ولكنه لن يمثل مشكلة كبرى». مشيراً إلى أن لدى الصين إمكانات هائلة للتصدي لمشكلة الطاقة، لكنه ربط ذلك بقدرتها على التعجيل بخطى التنقيب عن النفط والغاز والتشجيع على ترشيد استهلاك الطاقة بين سكانها البالغ تعدادهم 3. 1 مليار نسمة وعلى إعادة التدوير وأن تحد من الصناعات التي تعتمد على الطاقة بكثافة في اقتصادها.

وبدأت آثار ارتفاع النفط تظهر بشكل علني، فقد أعلنت شركة الطيران التايلاندية المملوكة للدولة تاي إيروايز إنترناشيونال زيادة جديدة في رسم الوقود على تذاكر رحلاتها الداخلية والخارجية لمواجهة الزيادة في أسعار الوقود والخسائر الضخمة التي تتعرض لها. وقال سومشاينوك إنجتراكول القائم بأعمال رئيس الشركة إن الزيادة في الرسم كانت ضرورية في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف الوقود بالنسبة لكل شركات الطيران في العالم.

وقررت الشركة زيادة رسوم الوقود على الرحلات الداخلية بنسبة 50 لتصل إلى 15 دولاراً للتذكرة وزيادة رسوم الرحلات الدولية إلى الشرق الأوسط بنسبة 25 في المئة لتصل إلى 25 دولاراً وبنسبة 41 في المئة للرحلات الدولية الأخرى لتصل إلى 50 دولاراً.

وفي كوريا الجنوبية عزا باك بيونغ دون نائب وزير المالية والاقتصاد التراجع الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال النصف الأول من العام الحالي إلى ارتفاع أسعار النفط. لكنه قال في إيجازه الصحافي الأسبوعي إن ارتفاع قيمة العملة الوطنية «وان» مقابل الدولار الأميركي إلى جانب الهيكل الضريبي لعبا دوراً حاسماً في التقليل من تأثير زيادة أسعار النفط على أسعار السلع الاستهلاكية.

وأضاف «على الرغم من المطالب المتزايدة لخفض الضرائب المفروضة على النفط فإن الحكومة لا تنوي تقليص الضرائب على الجازولين والمشتقات الأخرى أو سن أي إجراء قد يقيد حرية الأفراد في قيادة السيارات ويحوم متوسط سعر خام دبي الذي يشكل 80 في المئة من واردات كوريا الجنوبية النفطية حول 4. 46 دولاراً للبرميل خلال شهر أغسطس الجاري مقارنة بسعر 6. 33 دولاراً في المتوسط في العام الماضي».

وفي نيبال أعلنت شركة النفط المملوكة للدولة زيادة أسعار كل المنتجات النفطية بمقدار خمس روبيات بما يعادل سبعة سنتات أميركية للتر ابتداء من أمس. ورفعت الشركة التي تحتكر تجارة المنتجات النفطية في البلاد أسعار البنزين والديزل «السولار» والكيروسين ووقود الطائرات بعد تزايد خسائرها المالية نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية.

وفي الاكوادور زاد قرار شركة النفط الاكوادورية العامة «بتروايكوادور» الخميس الماضي بتعليق صادراتها من النفط الخام بسبب الاضطرابات الاجتماعية من الأزمة النفطية العالمية. وأوضحت بتروايكوادور في بيان انها قررت أيضاً حال «الضرورة القصوى» لتفادي العقوبات من قبل الشارين. وأعلن وزير الطاقة الاكوادوري، ايفان رودريغز ان انتاج بتروايكوادور تراجع هذا الأسبوع من 201 ألف برميل يومياً إلى 20 ألفاً.

ومنذ الاثنين الماضي يحتل المئات من سكان دائرتي سوكومبيوس واوريلانا أكثر من 200 بئر نفطية إضافة إلى مطارات في محافظتي لاغو اريو والكوكا. كما قطعوا بعض الطرقات في المنطقة. وشهدت العاصمة الفلبينية مانيلا مظاهرات عارمة خلال الساعات الماضية احتجاجاً على ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الذي جاء بسبب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية.

وكانت رئيسة الفلبين جلوريا ماكاباجال أرويو أمرت بوضع نظام لاستهلاك الهيئات الحكومية المختلفة من الوقود وفقا لحصص محددة. وقالت أرويو في بيان وسط انتقادات بشأن خطط الحكومة لطلب صلاحيات طوارئ مؤقتة من الكونغرس لمعالجة أزمة اقتصادية وشيكة إنه «ربما تكون هناك حاجة إلى خطوات قوية وجذرية الآن لمنع وقوع ما هو أسوأ» في ظل الارتفاع الصاروخي لأسعار النفط العالمية. وأضافت «دعونا نتهيأ للأسوأ».

وقالت أرويو إن جميع القطاعات «يجب أن تشارك في تحمل عبء توفير الوقود والكهرباء لاسيما الأغنياء الذين يمكنهم تحمل الجانب الأكبر وعلينا أن نعمل من خلال جميع الوسائل المتاحة لحماية الفقراء». وفي كلمة لها أمام مجموعة من المصدرين ذكرت الرئيسة الفلبينية أن الحكومة قررت أخذ زمام المبادرة في مجال ترشيد استهلاك الطاقة

من خلال إلزام كل المؤسسات الحكومية والشركات المملوكة للدولة والجامعات لتطبيق نظام حصص الوقود لسياراتها. كما دعت جميع مسؤولي الحكومة إلى التوقف عن استخدام السيارات الفارهة ذات الاستهلاك المرتفع للوقود.وحذر أوجستوس سانتوس وزير التخطيط الاقتصادي في الفلبين من إمكانية تراجع معدل نمو الاقتصاد الفلبيني إذا استمر سعر النفط في الأسواق العالمية بين 60 و70 دولاراً للبرميل حتى نهاية العام.

وتسعى الحكومة إلى تحقيق معدل نمو قدره 3. 5 في المئة من إجمالي الناتج خلال العام الحالي بعد تحقيق معدل نمو قدره 1. 6 في المئة عام 2004. وكان وزير الطاقة رافائيل لوتيلا أعلن الأربعاء أن المديرين الاقتصاديين «يدرسون جدياً إعداد توصية لارويو لإقرار قانون يعطي الوكالات الحكومية صلاحيات طوارئ لفترة محدودة». وقال في بيان «يسمح القانون المقترح للوكالات الحكومية باتخاذ إجراءات إلزامية للقطاعين العام والخاص للإسراع بتنفيذ برنامج الحفاظ على الطاقة».