كشفت دراسة أكاديمية أن برامج الإصلاحات المالية والاقتصادية المعروفة بـ «برامج التقويم الهيكلي» التي تنفذها البلدان المدينة بناء على تعليمات المؤسسات المالية الدولية لها آثار سياسية لا تقل أهمية عن الآثار النقدية والمالية والاقتصادية والاجتماعية التي تنتج عن تطبيق هذه السياسة تحت إشراف وتوجيه صندوق النقد والبنك الدوليين.
وجاء في أطروحة دكتوراه حول «السياسة المالية اليمنية وآثارها في برنامج التقويم الهيكلي» أنجزها مؤخراً الباحث اليمني عبدالكريم هائل سلام أن من ضمن الآثار المترتبة على سياسة التقويم الهيكلي في اليمن وفي غيره من البلدان التي خضعت لتلك البرامج جملة من الآثار السياسية لكنها لم تحظ بالدراسة الكافية وذلك راجع إلى تأخر صدور الشروط التبادلية السياسية للمؤسسات المالية الدولية مقارنة بالظهور المبكر للجيل الأول من تلك الشروط
والذي ظهر في حقبة السبعينات والثمانينات وكانت تقوم على اعتبارات اقتصادية ومالية فيما مشروطية الجيل الثاني للمؤسسات المالية المعروفة بالمشروطية التبادلية السياسية لم تظهر إلا منذ مطلع التسعينات تحت تأثير سقوط دول المعسكر الاشتراكي الذي أفضى إلى انتعاش الأيديولوجية الرأسمالية بشكل غير مسبوق مما أغرى اللاعبين الرئيسيين داخل تلك المؤسسات على طرح جيل المشروطية السياسية بوضوح وفرضها على البلدان التي أصبحت بحاجة ماسة لدعم ومشورة صندوق النقد والبنك الدوليين.
وحسب الدكتور عبدالكريم هائل فإن من ابرز تجليات الآثار السياسية لبرامج التقويم الهيكلي التقاء جل التيارات السياسية والأيديولوجية على اختلاف مشاربها عند الانصياع لتعليمات صندوق النقد والبنك الدوليين سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي والدولي ففي حالة اليمن الذي شرع بتطبيق الإصلاحات الاقتصادية والمالية منذ مطلع العام 1995م التقت فعاليات سياسية متباينة الرؤى على الامتثال لتعاليم المؤسسات المالية الدولية
وكان حزب الإصلاح الديني شريكا أساسيا لمؤتمر الحزب الحاكم في نهج هذه السياسة بحكم الائتلاف الذي جمع الحزبين ودام، ومعهم كان حزب الحق ذو التوجه الديني أيضا شريكا سياسيا في ظل تطبيق سياسة التقويم الهيكلي واستمرا في ذلك رغم ما كانا يحملانه من انتقاد شديد لوصاية المؤسسات المالية الدولية
مما يؤكد تضاؤل الأهمية الأيديولوجية والمذهبية أمام إكراهات تمويل الموازنة العامة وأمام مطالب الصندوق والبنك الدوليين من ناحية أخرى. وتسجل الدراسة في السياق ذاته أن ذلك التحول لم يقتصر على الأحزاب ذات التوجه الديني بل حتى الأحزاب اليسارية ففي المغرب أصبح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ حكومة التناوب في عام 1998
وحتى الآن في ظل الائتلاف الجديد أصبح هذا الحزب الذي كان من ابرز المدافعين عن الدور التدخلي للدولة في ميدان الحماية الاجتماعية يسير على نهج الحكومات السابقة التي ظل ينتقدها على الدوام وينعتها باليمينية بل إن عمليات الخصخصة التي ليست إلا إجراء ضمن إجراءات برنامج التقويم الهيكلي تسير بوتيرة فعالة في المملكة المغربية وجرت خصخصة أهم المؤسسات العمومية في قطاع الاتصالات وتكرير النفط والتبغ.
وفي الجزائر تسير عمليات الإصلاحات بخطى متسارعة بمشاركة جبهة التحرير الشريكة في الإئتلاف الحاكم هناك رغم ما تزعمه الجبهة في منطلقاتها الأيديولوجية من تمثيل العمال والفئات الاجتماعية المسحوقة وكل ذلك يؤكد تضاؤل وتراجع الأهمية الأيديولوجية والمذهبية أمام مقتضيات تعليمات المؤسسات المالية الدولية ويعكس في مدلوله انعدام القدرة على المبادرة خارج إطار الصيغة الجاهزة لتلك التعليمات.
وبالنسبة لليمن فإن تلك المتغيرات نتج عنها تزعزع ثقة الأوساط الاجتماعية بالأيديولوجيات من جهة وضعف الولاء للدولة من جهة أخرى نتيجة لتجرع النسبة الغالبة في المجتمع لمرارات تدهور الأوضاع المعيشية وهذا ينطوي على خطورة كبيرة عندما تتزعزع الثقة بالمجتمع السياسي وتحديدا بالكيانات المعول عليها بالتحديث كالدولة والأحزاب السياسية
مما يدفع بها إلى أن تصبح كيانات ميالة إلى الانغلاق على نخبها من ناحية وأكثر ميلا إلى تصارع أعضاء كل نخبة داخلها على حدة من ناحية أخرى ووجه الخطورة أن الصراع يتخذ في كلتا الحالتين مناحي ما دون وطنية تضيق انحدارا نحو المنطقة والقبيلة والعشيرة والأسرة.
وأدى انتشار الفقر والبطالة واختلال الأوضاع المعيشية إلى هيمنة سلوك سياسي انتهازي ليس على المستوى الفردي فحسب بل وعلى مستوى النخب الاقتصادية السياسية والاجتماعية والثقافية وغلب على المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي والأكاديمي اليمني خلال العقد الأخير ظاهرة المساومة على المبادئ ومقايضة المواقف
وتسليع المفاهيم العلمية ومواءمتها مع الطلب السياسي والاجتماعي الرائجين وكان من مظاهرها العلنية تبدل المواقف والمواقع من النقيض إلى النقيض وهجرة الكوادر الحزبية لأحزابها السياسية جراء التناقض الحاصل بين النظرية والممارسة. ولم يبق الإشكال محصوراً على صعيد النخب
بل هم الأفراد والمجتمع برمته نتيجة تمييع الممارسة السياسية والديمقراطية وتحول الكثيرون بفعل انتشار رقعة الفقر والبطالة وما نتج عنهما من بؤس إلى سماسرة انتخابيين وإلى بائعي أصوات تحت طائلة الحاجة والفاقة بل إن ظاهرة الولائم في المناسبات الانتخابية تكون أكثر أهمية من المهرجانات الخطابية للمرشحين
بل ومن معرفة برامجهم الانتخابية والسباق على المشاركة في إدارة الانتخابات من اجل العائد المادي لعضو اللجان الانتخابية أصبح السمة الغالبة على هذه المناسبة حتى أن دافع الحصول على فرصة للمشاركة في تلك اللجان كثيرا ما تسبب في انتقال أفراد من حزب إلى آخر أو دفعهم للانخراط الموسمي
خلال فترات مراحل الإعداد والتحضير للانتخابات بغية الحصول على العائد الموسمي وهذه العملية بكل مراحلها وفرت مناخا مشجعا للارتداد إلى ولاءات أكثر ضيقا من الانتماء الوطني ساهم في تكريسه نظام الاقتراع الأحادي الفردي على مرحلة واحدة وكل ذلك من شأنه إضعاف العملية السياسية ومسرحتها.
ويخلص الباحث في معرض دراسته للآثار السياسية لبرنامج التقويم الهيكلي في اليمن إلى أن تلك الآثار تطرح نفسها بحدة كبيرة لأن تخلي الدولة عن الدور الاجتماعي والاقتصادي وفقا للتعليمات النمطية للمؤسسات المالية الدولية في واقع مازالت جل مؤشرات تطوره متدنية على مختلف المستويات يطرح إشكالا كبيرا حاضرا ومستقبلا لأن واقعاً كهذا يحتاج لدور فاعل للدولة لاسيما في الحياة الاجتماعية والبنية التحتية تقود العملية التنموية التي تعاني من ضعف كبير في كثير من جوانبها.
صنعاء ـ «البيان»