يعتقد الناس أنه كلما ارتفع دخلهم الشهري كلما ازدادت سعادتهم في الحياة، ولكن الأبحاث الحديثة أثبتت فشل هذا الاعتقاد بنسبة 100% في المجتمع الاستهلاكي المعاصر. أظهرت الأبحاث التي تناولت العلاقة بين مستوى الدخل وانعكاسه على السعادة أن الذين يتمتعون برواتب ومداخيل عالية ليسوا أكثر سعادة من متوسطي أو ضعيفي الدخل.

من الطبيعي أن الانتقال من حالة الفقر إلى اليسر يمنح الفرد شعوراً أكبر بالسعادة والرضا، وهكذا سيكون الأمر إذا فكر شخص متوسط الدخل بترك وظيفته التي توفر له مستوى اجتماعياً جيداً للحصول على زيادة في الراتب تصل إلى 20%، أن سيحصل على سعادة بالنسبة نفسها.

ولكن الأبحاث التي أجراها مركز قياس الأداء الاقتصادي في كلية الاقتصاد اللندنية أثبتت العكس، إذ يرى ريتشارد لايارد مدير المركز أن نتائج الأبحاث أظهرت بما لا يدع مكاناً للشك أن تعاسة الناس تزداد في الدول المتقدمة مثل أميركا التي شهدت أكبر نمو اقتصادي في العالم منذ الخمسينات من القرن العشرين، واليابان وبريطانيا والدول الاسكندنافية.

ويخلص التقرير إلى أن ارتفاع الشعور بالتعاسة بدلاً من السعادة والرضا، بالرغم من ارتفاع نسب النمو والثروات في تلك الدول، يعود إلى عوامل عدة أهمها سهولة تحقيق الثروات في تلك المجتمعات، لأن ازدياد الثروة يصحبه ازدياد في التوتر وضغوط المسؤوليات التي تفرضها تلك الأموال، فالجراحون ومضاربو البورصة يجنون الكثير من الأرباح لأنهم الأكثر توتراً وانشغالاً بمتابعة أعمالهم،

مما يؤدي إلى تضاؤل نسب شعورهم بالسعادة عموماً لأنهم لا يمتلكون الوقت الكافي للتمتع بأموالهم ويسيطر عليهم هاجس مضاعفة الثروة يوماً بعد يوم. وبالرغم من دقة النتائج التي خلصت إليها تقارير المركز إلا أنه لم يستطع تحديد معنى وحيد لمصطلح «الثروة» لأنه مصطلح نسبي شأنه في ذلك شأن الكثير من المصطلحات التي لا تزال محط خلاف وجدل،

ولكنها تخلص إلى أن مقياس حجم الثروة خاضع للمنطق الشخصي، فإذا شعر الفرد أن المحيطين به يجنون أموالاً أكثر منه فإنه سيشعر بأنه ليس ثريا مقارنة بهم، أما إذا اكتفى بمقارنة نفسه بمن هم أقل ثروة أو دخلا منه فإنه سيشعر بالثراء. لقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن أهم أولويات الأميركيين على سبيل المثال تنحصر في العائلة والأصدقاء،

وهي أولوية نظرية إذا ما قارنا طول المدة التي يخصصها الأميركيون لعائلاتهم لنجد أن الفارق خيالي بين المدتين، فالعمل يأخذ ثلاثة أرباع يومهم بينما يتوزع الربع الأخير على انشغالات كثيرة من ضمنها العائلة. ويدعو التقرير في نهاية المطاف إلى المبادرة بتبني التقنيات الجديدة لتيسير أساليب العمل ليتمكن الفرد من تخصيص وقت أطول للعائلة،

وينصح بتخصيص وقت لممارسة بعض الهوايات لإشباع الشعور بالسعادة وتقليل التوتر إلى الحد الأدنى، وتحقيق التوازن بين العمل والعائلة، وإذا ما شعر الفرد أن عمله والتفكير بالراتب يسيطر على مسار حياته بلا جدوى، فعليه التفكير جديا بتغيير عمله أو الشروع في عمل خاص.

ويفترض التقرير أن معدل الدوران الوظيفي هو خمس سنوات، أي أن الموظف الطبيعي الذي لا يواجه أي مضايقات في عمله سيفكر بشكل تلقائي بترك عمله والانتقال إلى عمل جديد كل خمس سنوات مرة واحدة على الأقل وذلك بهدف التغيير والسعي نحو الأفضل واكتساب خبرات جديدة، وأن التضحية ضرورية أحيانا ببعض الامتيازات الاجتماعية والمالية التي يحققها العمل أحيانا من اجل تحقيق السعادة والتوازن الأسري.

محمد بيضا