يبدو أن العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» بصدد جني جوائز على تحليها بفضيلة الصبر إزاء التراجعات التي شهدتها خلال الآونة الأخيرة. فبعدما كسر مستوى 1.2255 دولار لليورو الواحد، أظهر اليورو أنه بصدد جني المزيد من إمكانات الصعود، وبرز الدولار على انه بصدد الانحشار في ركن التراجع.

بكلمات أخرى، يبدو أن العملتين (اليورو والدولار) بصدد تبديل موقعيهما بأن يخلي الدولار الموقع الذي شغله في السوق على أنه عملة صاعدة، ليحل محله اليورو، فالسياسة النقدية التي اتبعها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفعه المتكرر لسعر الفائدة، ساهمت في رفع سعر الدولار، وكانت السبب الرئيسي وراء الانتصارات التي سجلتها العملة الخضراء في مواجهة اليورو،

حيث ساعدت على تغليف واقع الاختلالات في ميزاني الحساب الجاري والتجاري بالولايات المتحدة والتزايد الضخم في المديونية بأردية حفزت المستثمرين على شراء الدولار وعدم الاهتمام بهذا الخلل. وعلى أية حال، فإن التحولات التي شهدها سوق العملات تشير إلى أن عملة اليورو لم تعد العملة الضعيفة.

فقد اتجه اهتمام المستثمرين مجددا إلى اليورو، بعدما تخطى حاجز 1.2255 يورو لكل دولار، حيث قاد التراجع السهل في سعر اليورو مقابل الدولار من 1.3670 إلى 1.1870 يورو لكل دولار، وذلك دون أية عمليات تصحيح، إلى جعل المحللين يقيمون هذا الوضع على أنه من التطورات الضخمة في أسواق العملات،

ووقع العديد من المشاركين في السوق في براثن الإحساس الزائف بالأمان نتيجة جاذبية أسعار الفائدة الأميركية. لكن في الآونة الأخيرة، عاد المستثمرون يوجهون اهتمامهم مرة أخرى إلى اليورو، وهو ما اتضح في تجاهلهم للبيانات الأميركية الجيدة حول معدل البطالة، وتوجيه أنظارهم إلى المؤشرات الاقتصادية لمنطقة اليورو.

* الوضع مثالي للتصحيح

لكن من وجهة نظر بعض المحللين من أمثال لوني أوليسون المحللة في جايسكي بنك أن الوضع الحالي في سوق العملات يعد مثاليا لعمليات التصحيح بحكم أن التذبذب في سوق الخيارات والمستقبليات لايزال عند أدنى حدوده، وذلك على الرغم من حدوث تحركات حادة متقطعة داخل النطاق السعري لليورو في مواجهة الدولار، إلا أن صعود اليورو إلى مستوى 2255,1 يورو للدولار الواحد مثل مفاجأة للمضاربين الذين شعروا بالثقة حيال مراكزهم الدولارية على الأجل الطويل.

ويقدر هؤلاء المحللون أن هناك عنصرا مهما في عملية التصحيح، وهو أنه بغض النظر عما إذا كانت عملية التصحيح ستستغرق فترة طويلة أم قصيرة، إلا أن مرحلة التصحيح تنطوي على مخاطر وتكاليف عالية، فضلا عن أن البعض ينظر إلى تكرار عمليات التصحيح، يؤدي إلى تغيرات طفيفة في الأسعار في المحك النهائي، وذلك في نطاق تحرك السعر إلى 3650,1 يورو لكل دولار.

وقد حافظ البنك المركزي الأوروبي على سعر الفائدة عند مستوى 2% دون تغيير خلال اجتماعه الأخير للنظر في سياسته النقدية ومن المتوقع أن تواصل السلطات النقدية في منطقة اليورو التمسك بهذا المعدل خلال الأشهر المتبقية من العام، حيث تشير البيانات الاقتصادية المنشورة مؤخرا إلى حدوث انتعاش طفيف في النشاط الاقتصادي. كما أن مواصلة أسعار المنازل صعودها القوي على النحو الذي يعكسه تزايد القروض العقارية من شأنه أن يجعل البنك المركزي الأوروبي أكثر تمسكا بأسعار فائدة منخفضة.

* آفاق واعدة لليورو

وتعزز آفاق اليورو التوقعات بأن يشهد النمو الاقتصادي في منطقة اليورو نهوضا خلال العام المقبل، وذلك بالنظر إلى أنه خلال العام الحالي تم وضع الأسس التي سينهض عليها النمو الإقتصادي والذي من المقدر أن يبلغ خلال العام الحالي من وجهة نظر آريك نيلسون المحلل في مؤسسة «جلوبال إيكونوميك ريسيرش» نحو 25,1 %.

كما تفيد المؤشرات بحدوث زيادة في مبيعات التجزئة للشهر الثاني على التوالي، بتسجيلها زيادة نسبتها 4,0 %. وفي الإطار ذاته، وعلى الرغم من عدم حدوث تغير في معدلات البطالة ببقائها عند مستوى 7,8 % إلا أن مؤشر مشتريات المديرين لقطاع التصنيع أعطى إشارة بأن هذا القطاع الذي مر بوقت عصيب بصدد التعافي نتيجة لتراجع سعر اليورو عن المستويات العالية التي سجلها في نهاية العام الماضي والتي بلغت 37,1 يورو لكل دولار.

تفيد البيانات أن الطلبات الجديدة التي تلقاها المصنعون الألمان زادت بنسبة 0,2 % خلال شهر يونيو وذلك للمرة الثالثة على مدى أربعة أشهر. كما أوضحت دراسة مسحية عن مشتريات المديرين في قطاع الخدمات أنها شهدت تحسنا في الشهر الماضي. وهو الأمر الذي انعكس على صعود التدفقات التجارية والأسعار المرتفعة للمعادن.

لهذا كان السؤال الذي طرحه المحللون حول ما إذا كان الوضع الاقتصادي في منطقة اليورو وعلى الأخص في ألمانيا بصدد الخروج من حالة الركود. وتتردد آراء في هذا المجال بأنها من الوارد أن تشهد تعافيا اقتصاديا خلال النصف الثاني من العام الحالي، وسيقود هذا التعافي انتعاش الصادرات من جانب. وتزايد الطلب المحلي المدفوع أساسا بالنشاط الاستثماري إلى جانب الاستهلاك المحلي.

علاوة على ما سبق، يبين التزايد الحاصل في الطلبات المحلية الجديدة على السلع الاستهلاكية في ألمانيا والتي شهدت نموا على مدى تسعة أشهر متتالية أن الربع الحالي من العام سيشهد نموا أعلى بدرجة طفيفة من معدل النمو في النصف الأول من العام.