لا يزال الدولار الأميركي قادراً على الحفاظ على دعم قصير الأجل مستمد من الاعتبارات المتعلقة بالعائد والنمو الاقتصادي، خاصة مع استمرار بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في زيادة معدلات الفائدة. وتشير توقعات السوق إلى أن سعر صرف الدولار يمكن أن يصل إلى معدلات أعلى نتيجة لتحسن هامش العائد على السندات.

لكن سيظل الدولار عرضة لضغوط البيع الناشئة عن مخاوف العجز التجاري واتجاه البنوك المركزية إلى تنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار، فضلاً عن أن تحسن الصورة الاقتصادية في منطقة اليورو، وظهور أفق واعدة للاقتصاد الياباني من شأنهما أن يجعلا من الصعوبة توفير الدعم للدولار.

وعلى المدى القصير، ومن وجهة نظر بعض المحللين، سيتوازن تأثير هاتين القوتين المتعارضتين، بالنظر إلى حصول الدولار على قوة دعم الاعتبارات المرتبطة بالعائد للدولار. فعلى الرغم من الخسائر التي تكبدها الدولار مؤخراً، إلا أن النطاق السعري لتداوله مازال يتسم بالواقعية، إلا أنه سيشهد تقلباً في السعر، وهو ما سوف يشكل ملمحاً مميزاً للتداول على الدولار خلال شهر أغسطس، وذلك في ظل بقاء السيولة عند مستوى منخفض.

لقد تجاهلت الأسواق معظم الأخبار التي يمكن أن تكون مواتية لدعم الدولار، مما يعطي مؤشراً على انه بات من الصعب على الدولار أن يجني مكاسب ضخمة. كما أنه صار من المحتمل أن لا يكون مؤشر سعر الدولار الموزون تجارياً قادراً على تجاوز مستوى الذروة الذي سجله في شهر يوليو الماضي، علاوة على أنه من المتوقع أن يكون سعر الدولار أكثر عرضة لانخفاضات كبيرة،

خاصة في حالة بروز أي أشياء من شأنها أن تخالف التوقعات المواتية لتدعيم سعره، من بينها، وعلى سبيل المثال، بدأ تراجع معدل النمو الاقتصادي. وبشكل عام، فإنه وبعد فترة مؤقتة من التعافي المؤقت في سعر الدولار، صار من المتوقع أن يخضع الدولار مجدداً لضغوط عمليات البيع خلال الربع الأخير من العام الحالي.

فبعدما اندفع ليسجل مستويات مرتفعة في مواجهة اليورو خلال شهر يوليو الماضي، تراجع الدولار إلى مستوى 1.2250 يورو في نهاية الشهر الماضي. وخسر عند هذا المستوى قوة الدعم التي تعزز سعره، واندفع خلال شهر أغسطس الجاري نحو تسجيل مستويات منخفضة بلغت 1.2420 يورو.

كما تقهقرت العملة الأميركية من المستويات المرتفعة التي سجلتها في مواجهة الجنيه الاسترليني والتي وصلت إلى مستوى 1.73 جنيه استرليني، إلى مستويات منخفضة بلغت 1.79 جنيه استرليني، علاوة على استمرار حالة ضعف مؤشر الدولار الموزون تجارياً والذي اقترب من تسجيل أدنى انخفاض على مدى 6 أشهر.

وتظهر البيانات المنشورة مؤخراً من وجهة نظر بعض المحللين أن الاقتصاد الأميركي لا يزال متماسكاً وقوياً، حيث تبين مؤشرات قطاع الصناعة أنه مازال يحقق نمواً قوياً، إذ ارتفع مؤشر «آى إس إم» من 53.8 نقطة وهو المستوى الذي سجله في الشهر الماضي إلى 56.6 نقطة.

كما أظهرت البيانات استمرار قوة الإنفاق خلال الأسابيع القليلة الماضية، في ظل حالة الانتعاش التي تسود مبيعات التجزئة، وأفاد التقرير الفصلي الأخير بأن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ 3.4% خلال الربع الثاني من العام الحالي،

وهو ما واكبه توسع قوي في الطلب المحلي، الأمر الذي يعزز التوقعات باستمرار قوة نمو الاقتصاد الأميركي على المدى القصير، فضلاً عن ظهور بعض العلامات التي تدل على صعود تكلفة الأجور، ولكن تشير الدلائل بشكل عام إلى استمرار معدل التضخم عند مستويات سيطرة معقولة .

* أداء اقتصادي قوي

وفي السياق ذاته، قام بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي برفع معدلات الفائدة إلى 3.50% خلال اجتماعه في شهر أغسطس الجاري، ومن المحتمل أن يعلن رفعاً آخر في الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، ولا تبرز دلائل خلال هذه المرحلة تفيد بأن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي سيتوقف عن رفعه لمعدلات الفائدة.

ومن ثم، فمن المتوقع أن تستمر الفوارق في أسعار الفائدة في تقديم الدعم للدولار خلال المدى القصير، خصوصاً وأن معدل الفائدة في منطقة اليورو مازال عند مستوى 2.0%، وفيما ظلت معدلات الفائدة اليابانية قريبة من معدلات الفائدة في منطقة اليورو.

فقد تعرضت معدلات الفائدة في المملكة المتحدة للتراجع، وتشير التوقعات في السوق إلى أن مستوى الذروة لمعدلات الفائدة الأميركية سيزيد على 4%، خصوصاً وأن بعض البنوك تتوقع أن يصل معدل الفائدة الأميركية إلى 5.0% بحلول العام المقبل . ولهذا ستواصل الاختلافات في أسعار الفائدة في تقديم الدعم للدولار.

* توقعات السوق

وستشكل هوامش العوائد على السندات لمدة عشر سنوات عاملاً مهماً في تقديم الدعم للدولار، ولكن ومع ذلك، يبقى لتوقعات السوق أهميتها الحيوية، حيث ستظل العملة الأميركية معرضة لخطر التراجع، إذا ما تعرضت النظرة المواتية بشأن آفاق الوضع الاقتصادي للخطر، ولهذا، فمن المتوقع أن يجد الدولار صعوبة في الصعود بخطى كبيرة إلى مستويات عالية .

وذلك بالنظر إلى أوجه الضعف الجوهرية المتعددة التي يعاني منها الدولار والتي من الصعب على الأسواق أن تتجاهلها، ومن المفترض أن تكون جوانب الضعف هذه موضع اهتمام، إذا ما كان هناك مخاطر تهدد هوامش العائد، فمن جانب، أظهر العجز في الميزان التجاري استقراراً خلال الربع الثاني من العام الحالي، ولكن من المحتمل أن يتسع هذا العجز خلال الربع الثالث.

كما أنه من المحتمل أن يصل العجز في الحساب الجاري خلال العام الجاري إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو وضع يؤشر على اهتزاز موقف الدولار، خصوصاً وأنه على الرغم من تراجع عجز الميزانية من 376.3 مليار دولار خلال العام الماضي إلى 302.6 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2004 / 2005، إلا أن التقدم في كبح العجز يعتمد بشكل كبير على مدى قوة النمو الاقتصادي .

ومن المحتمل أن يتزايد التركيز على قطاع العقارات والمنازل، خاصة مع تزايد الدلائل التي تشير إلى تطور فقاعة المضاربة على المنازل، وسوف تسهم الزيادات في أسعار الفائدة للأجلين الطويل والقصير في تبريد حمى الارتفاع في أسعار المنازل على نحو تدريجي، ولكن يجب عدم تجاهل احتمالات حدوث تباطؤ حاد في نمو قطاع المنازل، وهو من شأنه أن يسبب في إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد.

وتوضح المعلومات المنشورة عن الإنفاق والدخول الشخصية بأنه لم تطرأ أية زيادات على معدل الادخار الذي تم تسجيله في شهر يونيو، وهو أدنى مستوى له منذ الركود الذي أصاب الاقتصاد الأميركي في حقبة الثلاثينات، ويشجع صعود أسعار المنازل على تغذية الاتجاه نحو الادخار، وإن كان بوتيرة منخفضة، ولكن من الصعب التوفيق بين معدل ادخار منخفض على هذا النحو، واحتفاظ العملة بقوتها،

كما أن مستوى الادخار المنخفض يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للأخطار، في حالة إذا ما أصاب الركود قطاع المنازل، كما أن هناك مخاطر كبيرة بأن يتعرض نمو الإنفاق للتباطؤ الحاد كاستجابة لارتفاع هوامش العائد على السندات أو صعود معدل البطالة، وهكذا، فإن المخاطر بالنسبة للدولار على المدى القريب تبدو محدودة، ولكن من المرجح أن تتزايد هذه المخاطر على الأجل المتوسط، كما أن هناك حاجة لرفع معدل الادخار على المدى المتوسط .

* تحسن الوضع الاقتصادي

ولقد تحسنت الصورة الاقتصادية في منطقة اليورو بشكل طفيف، مع ظهور دلائل على تعافٍ بطيء في النمو الاقتصادي، وتراجع الضغوط على البنك المركزي الأوروبي على نحو مؤثر في ما يتعلق بقيامه بخفض أسعار الفائدة، كما أن البيانات المنشورة مؤخراً عن الاقتصاد الياباني تظهر حدوث بعض التحسن في الطلب المحلي،

ولقد كان من السهل شراء الدولار في ظل حالة الشكوك التي تحيط بآفاق الاقتصاديات الرئيسية الأخرى، لكن من شأن حالة التعافي التي تشهدها الاقتصاديات الرئيسية، أن يزيد وضع الدولار تعقيداً، حيث يكون من المتعين عليه أن يوفر أسباباً مستساغة ومنطقية للحفاظ على الاهتمام الدولي بشرائه.

ومن المتوقع أن يستأثر موضوع تنويع الاحتياطي بالاهتمام والتركيز خلال المدى المتوسط، خاصة في ظل تزايد الضغوط على البنوك المركزية لتقليل حصة الأصول المقومة بالدولار ضمن الاحتياطي، وهي مسألة على درجة عالية من الأهمية في ضوء التغير الحاصل في أنظمة أسعار صرف العملات على مستوى العالم، فمن جانب، هناك تحول في السياسة الصينية بالنسبة لنظام صرف «اليوان»،

وذلك مع التحرك الحاصل في إعادة ربط العملة الصينية بسلة عملات بدلاً من ربطها بالدولار الأميركي. وبالتالي، صارت هناك إدارة لسعر صرف العملة الصينية في مواجهة اليورو والعملات الآسيوية الأخرى، إلى جانب الدولار، وهو الأمر الذي سيقود في المدى المتوسط إلى تقليل كمية الدولارات التي ستشتريها الصين. كما ستزيد الضغوط لزيادة كمية الأصول المقومة بالعملات الأخرى ضمن الاحتياطي.

وفي الإطار ذاته، يتحرك البنك المركزي الروسي نحو زيادة حصة اليورو ضمن احتياطيه من النقد الأجنبي، حيث تتوافر دلائل تشير إلى قيام البنك المركزي الروسي بشراء اليورو خلال الأسبوعين الماضين، كما توجد احتمالات قوية بأن تقوم البنوك المركزية الآسيوية هي الأخرى بشراء اليورو.

فقد كانت البنوك المركزية عازفة عن شراء اليورو عند مستوى 1.30 دولار، ولكن يبدو أنها راغبة في شراء اليورو عند مستوى 1.20 دولار، كما أنه من شأن ارتفاع مستويات أسعار النفط أن يرفع في مستويات ملكية الدولار في دول الشرق الأوسط .

كتب مجدي عبيد