أجمع الخبراء الاقتصاديون أن ما حققته الأسهم الأوروبية من نتائج خلال الفترة الأخيرة يعتبر الأفضل منذ الطفرة الكبيرة التي تحققت في عام 1998. وجاءت النتائج القوية للبورصات الأوروبية بسبب الارتفاعات القياسية في أرباح الشركات، إلا أن هذه المكاسب فشلت في دعم النمو الاقتصادي في المنطقة حيث جاء معظمها على حساب المستهلك الأوروبي.

وقفزت أسهم الشركات الأوروبية العملاقة بعد أن تبنت هذه الشركات سياسات واسعة لاستقطاع الوظائف وإجبار الموظفين لديها على العمل لساعات أطول. وارتفع مؤشر يوروستوكس 50 الذي يتابع أداء 50 شركة كبرى في منطقة اليورو بنسبة 14 في المئة منذ بداية العام ليصل إلى أعلى مستوياته منذ ثلاثة أعوام.

وتتوقع مؤسسة فاكتست ريسرش سيستمز للأبحاث أن ترتفع أرباح الشركات المدرجة على مؤشر ستوكس 600 بنسبة 16.3 في المئة في المتوسط خلال العام الحالي. وفي المقابل فشل النمو الاقتصادي الأوروبي في مجاراة هذه التطورات الإيجابية في أسواق الأسهم وسط تراجع إنفاق العمال الذين يتزايد شعورهم بعدم الأمان بسبب تراجع الأجور وتزايد حالات التسريح عن العمل.

وكان صندوق النقد الدولي قد خفض في الثالث من أغسطس الجاري توقعاته لنمو اقتصاد منطقة اليورو في 2005 من 6.1 في المئة إلى 1.3 في المئة.. مشيرا إلى تراجع معدلات الإنفاق الاستهلاكي والذي يمثل أكثر من نصف اقتصاد المنطقة والبالغ حجمه 9.4 تريليونات دولار

وقال ديفيد أوين كبير الاقتصاديين الأوروبيين لدى درسدنر كلينورت واسرستاين في لندن إن النمو القوى في الأرباح والأسهم يجيء على حساب ضعف نمو الاستهلاك والاقتصاد موضحا أن نمو الاقتصاد الأوروبي سيكون ضعيفا بغض النظر عن أي مكاسب قد تحققها سوق الأسهم.

وأوضح آدم بوزن، الأستاذ بمعهد الاقتصاديات الدولية بواشنطن ومؤلف كتاب اليورو في سن الخامسة جاهز لدور عالمي أن ضعف الاتحادات التجارية البريطانية في ثمانينات القرن الماضي والتغيرات التي طرأت على نظام الرفاه الاجتماعي الأميركي في التسعينات تكشف عن حاجة المستهلكين إلى ثلاث سنوات قبل أن يبدؤوا في الاستفادة من إعادة هيكلة سوق العمل، مما يعني أن الطلب الاستهلاكي في منطقة اليورو سيواصل تراجعه حتى عام 2006.

وأشار إلى أن الشركات الأوروبية عملت خلال العامين الماضيين على زيادة ربحيتها عن طريق انتزاع التنازلات من العمال ونقل الإنتاج إلى مناطق أرخص في شرق أوروبا وآسيا. من جانبها أعلنت شركة لينده الألمانية في 29 يوليو الماضي أن خفض الأجور وزيادة ساعات العمل لدى وحدة صناعة أوناش الشركة التابعة لها سيؤدي إلى زيادة الأرباح بعشرات الملايين من اليورو.. فيما أنهت الكاتيل الفرنسية ثلاثة أعوام من الخسائر في 2004 بعد أن استقطعت 40 ألف وظيفة لديها.

وبسبب البطالة وتراجع الأجور الناجم عن هذه السياسة أصبح المستهلكون أكثر ترددا في الإنفاق.. وتقف نسبة البطالة الأوروبية بالقرب من أعلى مستوياتها في خمس سنوات عند 7.8 في المئة وهي ضعف نسبة البطالة في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا.

وفي ألمانيا وصلت البطالة في مارس الماضي إلى مستوياتها التاريخية التي بلغتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ووفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فقد انخفضت الأجور الأوروبية بعد تعديلها لحساب التضخم على مدار الفصول الأربعة الماضية، وقد هبطت بنسبة 0.3 في المئة خلال الربع الثاني من العام الحالي بينما لم تشهد الأجور الأميركية أي تراجع منذ الربع الأول من عام 2003 وارتفعت بنسبة 1.5 في المئة في الربع الأخير.

واعتبر صندوق النقد الدولي في دراسته السنوية عن اقتصاد منطقة اليورو أن الإنفاق الاستهلاكي المتحفظ يعتبر حلقة أساسية مفقودة نحو تعافى اقتصادي ذاتي ومستدام. وتوقع محللون اقتصاديون في مسح أجرته بلومبرغ مؤخراً أن ينمو الاقتصاد الأوروبي بنسبة 1.3 في المئة هذا العام، أي أقل من نسبة 1.4 في المئة التي تتوقعها المفوضية الأوروبية بعد أن نما اقتصاد منطقة اليورو بنحو 2 في المئة العام الماضي.

وتشير التقديرات في المقابل إلى نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 3.7 في المئة والياباني بنسبة 1.5 في المئة أي أن الاقتصاد الأوروبي سيواصل تلكأه خلف نظيره الأميركي للعام الرابع ويحقق معدل نمو أقل من الاقتصاد الياباني لأول مرة منذ 1966.

وكان وزير الخزانة الأميركي جون سنو قد صرح من قبل بأنه من الضروري أن تبدأ أوروبا في توليد معدلات نمو أكبر موضحا أن أوروبا تحتاج إلى السماح لاقتصاداتها بأن تصبح أكثر مرونة وفعالية لكي تحقق هذا الهدف.

ويرى خبراء الاقتصاد أن التعديلات الهيكلية الأخيرة على سوق العمل في أوروبا ستصب في صالح المستهلك في نهاية المطاف حيث سيؤدي تحسن أرباح الشركات إلى زيادة التوظيف والإنفاق لدى الشركات. ووفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن سوق العمل الأميركي الأكثر مرونة يسمح بتحقيق معدل نمو اقتصادي بدون تضخم يبلغ 3.25 في المئة مقابل 1.7 في المئة فقط لمنطقة اليورو.

وأكد تقرير للبنك الدولي هذا العام ان فصل عامل في فرنسا وألمانيا يعد أصعب أربع مرات بالمقارنة بالولايات المتحدة، وتزداد الصعوبة أكثر في إيطاليا.. فيما توصلت منظمة التعاون الاقتصادي من خلال مسح أجرته في 2003 إلى أن قوانين حماية العمالة في الولايات المتحدة هي الأضعف من بين 28 دولة أجري عليها المسح.

وحاول المستشار الألماني غيرهارد شرودر تنفيذ إعادة هيكلة مماثلة لسوق العمل الألماني عن طريق خفض إعانات البطالة لمن يرفضون العمل وإعادة بعض المستفيدين من المعاشات إلى قوة العمل، إلا أن الناخبين رفضوا خططه هذه في انتخابات محلية، ما دفعه للدعوة إلى انتخابات عامة في الأول من سبتمبر المقبل.

ويراهن المستثمرون على نجاح سياسات استقطاع الوظائف وخفض الأجور.. فمكاسب مؤشر يوروستوكس 50 الأوروبي هذا العام تتخطى مؤشر اس اند بي 500 الأميركي الذي ارتفع بنسبة 2.1 في المئة.. ومؤشر نيكي 225 الياباني الذي قفز 2.7 في المئة.. ومن المتوقع ارتفاع أرباح الشركات المدرجة على مؤشر اس أند بي 500 بنسبة 14.7 في المئة هذا العام.

وهناك مؤشرات على أن التعديلات على سوق العمل الأوروبي ربما تكون قد بدأت تؤتي ثمارها.. ففي يونيو الماضي وافقت مجموعة باسف وشركات كيماويات ألمانية أخرى على زيادة الأجور لنحو 550 ألف عامل لتعكس الارتفاع الأخير في أرباح الشركات.. وفي يوليو ارتفعت مبيعات التجزئة بينما تراجعت البطالة في كل من ألمانيا وفرنسا.

وقالت المفوضية الأوروبية الأسبوع الماضي ان اقتصاد منطقة اليورو قد ينمو بأسرع وتيرة له منذ عامين في الربع الأخير من العام الحالي.. إلا أن محللين يشيرون هنا إلى أن الصادرات لا تزال قاطرة النمو الاقتصادي الرئيسية للاقتصاد الأوروبي وأن أداء الاقتصاديين الأميركي والياباني سيكون أفضل.

كما أن الأوروبيين سيكونون أقل استفادة من ارتفاع أسعار الأسهم مقارنة بالأميركيين بسبب ضعف انتشار ملكية الأسهم في القارة الأوروبية مقارنة بالولايات المتحدة.. ففي ألمانيا يملك 17 % من السكان أسهما في البورصة مقابل أكثر من 50 % في الولايات المتحدة.

وكان للأحداث الأمنية دورها أيضاً في إضعاف الاقتصادات الأوروبية. وكشفت أحدث الدراسات في بريطانيا عن أن المناخ الاقتصادي في البلاد أصيب بهزة قوية في أعقاب التفجيرات التي استهدفت شبكة النقل العام في العاصمة البريطانية لندن شهر يوليو الماضي.

وأشارت الدراسة - التي أجراها مركز ليودس تي إس بي للأسواق المالية، ونشرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) الاثنين نتائجها - إلى أن الثقة في مستقبل الاقتصاد البريطاني انخفضت خلال الفترة القليلة الماضية إلى أدنى مستوياتها منذ بدء الحرب على العراق نتيجة لسلسلة الهجمات التي استهدفت لندن مؤخراً.

وأوضحت الدراسة أن 40% من أصحاب الأعمال التجارية ينظرون بتشاؤم إلى مستقبل الاقتصاد البريطاني خلال الأشهر الثلاثة المقبلة مقارنة بنسبة 26% كانوا قد أبدوا تشاؤمهم حيال نفس الموضوع في شهر يونيو الماضي. كما كشفت الدراسة نفسها عن أن عدد الشركات البريطانية التي تتوقع حدوث نشاط في حجم أعمالها قد انخفض إلى 42% في شهر يوليو الماضي مقارنة بنسبة 55%

خلال شهر ووفقاً لتقرير منفصل صادر عن مؤسسة لندن ريتال كونسرتيوم المعنية بتجارة التجزئة فإن مبيعات المحال التجارية في وسط لندن هبطت بشكل حاد عقب التفجيرات مباشرة لتسجل أسوأ نسبة انخفاض منذ أكتوبر 2002 حيث وصلت إلى 8.9 %.

وأشار التقرير إلى أنه بالرغم من تحسن المبيعات في نهاية الشهر الماضي إلا أن إصدار التحذيرات الأمنية من وقت لآخر وإحجام المستهلكين عن التوافد إلى لندن بسبب الخوف على حياتهم أثر بشكل كبير على حركة الرواج في الأسواق.

وأوضح التقرير أن تجنب السائحين، وزوار اليوم الواحد التسوق في المحال التجارية بوسط المدينة كما كان معتادا في عطلات نهاية الأسبوع برغم عودة اللندنيين إلى ممارسة حياتهم بصورة طبيعية يدلل على حدوث انخفاض كبير في أعداد المتسوقين.

(أ.ش.أ)