أجمع محللون اقتصاديون على أن إمكانية استمرار منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» كمنظمة اقتصادية دولية فاعلة تتوقف على أمرين أساسيين، يتمثل الأول في مقدار تحكمها في سوق النفط الدولية، وثانيها في مستقبل النفط ذاته، كمصدر للطاقة، في ظل تنامي الاعتماد على المصادر البديلة، من شمسية ونووية، علاوة على تزايد استخدام آلات وأدوات ذات خصائص تقنية دقيقة، لا يحتاج تشغيلها إلى أي مشتقات نفطية.

ورغم أن الاستغناء عن النفط تماما أو بدرجة كبيرة يؤثر على مكانته في عالم الطاقة ليس مطروحا في المستقبل المنظور، فإن مصير أوبك لا يبقى مرتبطاً فقط بالدول التي تشكل عضويتها، والدول الكبرى المستهلكة للنفط، بل أيضا، وبدرجة أكبر، بأسعار النفط في السوق الدولية.

ويرى المحللون أن تماسك «أوبك» يتوقف على استمرار حالة مناسبة من التوافق حول قراراتها مصحوبة باقتناع تام من كل طرف على حدة بأن القرار الصادر عنها يخدم مصلحته الذاتية. وقد تصرفت أوبك برشد ملموس طيلة الأزمة النفطية الأخيرة، حين هبط سعر برميل النفط منتصف عام 1998 إلى أقل من تسعة دولارات، وكذلك حين انتعشت الأسعار ووصلت إلى الحد الذي أقلق مستهلكي الطاقة عام 2001.

وكانت أوبك تتحرك دائما على ثلاثة محاور، أولها زيادة درجة التنسيق بين أعضائها، وثانيها فتح باب الحوار مع مستهلكي النفط وعدم الكف عن طمأنتهم باستمرار أن المنظمة حريصة على توازن أسعار النفط الخام، وثالثها التحرك تجاه الدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة بحيث لا تتضارب توجهاتها وقراراتها مع تلك التي تتبناها أوبك، بما يؤثر سلبا على أهدافها.

وقد مثل المحور الثالث أهمية قصوى لدى أوبك من منطلق أن الدول المنتجة للنفط خارج المنظمة تلعب دوراً كبيراً في سوق النفط الدولية، لأنها تنتج نحو ثلثي النفط العالمي أي نحو 42 مليون برميل يوميا.وبرز هذا التوجه منذ بداية الأزمة النفطية الأخيرة، حيث كان هناك سعي دؤوب من قبل دول أوبك لضم المكسيك والنرويج إلى التحركات التي كانت ترمي إلى خفض الإنتاج النفطي من أجل النهوض بالأسعار.

ووصل الأمر إلى أن اجتماعا ثلاثيا استضافته لاهاي في يونيو 1998 عقده وزير النفط السعودي مع نظيريه في النرويج والمكسيك، وكلاهما ليس عضوا في أوبك، اعتبر في نظر محللين عدة بداية أساسية لسلسلة التخفيضات المتلاحقة التي أدخلتها المنظمة على إنتاجها، بما قاد إلى تحرك الأسعار إلى الأمام.

وعلى الدرب ذاته شكلت أوبك في مطلع أكتوبر من عام 2001 مجموعة اتصال من دول أعضاء في المنظمة ودول نفطية أخرى لا تنتمي إليها، لدراسة سبل استقرار سوق النفط الدولي في ظل التداعيات التي ترتبت على التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001.

وأظهر الواقع أن دول أوبك متوافقة فيما بينها، وقادرة على إدارة حوار بناء مع الدول المصدرة للنفط من خارج المنظمة. لكن هذا لم يمنع من أن بعض قرارات أوبك الأخيرة لم تحظ بإجماع. وتواصلت في الوقت نفسه الضغوط السياسية على بعض دول أوبك بما يدفعها إلى اتخاذ قرارات لصالح مستهلكي النفط، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية، تتمثل في زيادة الكمية المصدرة، بما يقود إلى لجم الأسعار.

علاوة على هذا فإن هناك ضغوطا أخرى تتمثل في خوف الدول المصدرة للنفط من الوقوع في فخ الديون، والعجز المتنامي في الميزانيات السنوية، وضياع المنعة الذاتية حيال بعض الإجراءات الدولية القاسية، مثل الحصار والمقاطعة الاقتصادية. وفي خط مواز استخدمت الدول الكبرى المستهلكة للنفط، خلال الأزمة الأخيرة،

وسائل عدة في سبيل تحجيم أوبك وأول هذه الوسائل تهديد الولايات المتحدة باستخدام احتياطيها الاستراتيجي من النفط، البالغ 560 مليون برميل، وثانيها تقليص الاعتماد على النفط الأجنبي والوقود المستورد. وتمثلت الوسيلة الثالثة في اعتماد حزمة من الإجراءات المالية والضريبية التي تشجع من الإقبال على سيارات المستقبل، الأقل استهلاكا للوقود، وتعزز في الوقت نفسه الاتجاه إلى استخدام مصادر بديلة للطاقة في المنازل والمصانع.

أما الوسيلة الرابعة فهي بدء عمليات تنقيب طموحة عن النفط في الولايات المتحدة، لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي، وزيادة النسبة المحلية من إجمالي الكمية المستهلكة، والتي تربو على 16 مليون برميل يوميا، وتشجيع الدول التي أثبتت المسوح الجيولوجية أن لديها احتياطيا نفطيا كبيرا على إنتاجه، ومنها دول غرب أفريقيا، ودول آسيا الوسطى والقوقاز، المشاطئة لبحر قزوين.

وقد وصل الأمر إلى حد أن الكونجرس مرر مشروع قانون يخول الرئيس الأميركي الحق في قطع مبيعات السلاح والمعونات عن دول أوبك، وغيرها من الدول المصدرة للنفط بغزارة، حال قيامها بتبني موقف يضر بالمصلحة الأميركية وفيما يخص حركة الأسعار نجد أنها حين كانت مرتبطة، هبوطا وصعودا، بأي قرار تتخذه أوبك بزيادة إنتاجها أو تقليصه، كان وضع المنظمة عالميا يتعزز، وكان يتوفر لديها هامش كبير من المناورة والمداورة، وإشعار الجميع بتأثيرها.

وعلى قدر التأثير كانت تأتي الاستجابة الدولية مع سلوك أوبك، متراوحة بين الحض و الانتظار، حضها على زيادة الإنتاج، وانتظار نتيجة هذا القرار، ليعيد إلى السوق النفطية توازنها، الذي لا يعدو كونه نقطة افتراضية رسمها صراع الإرادات بين مصدري النفط الأساسيين وكبار مستهلكيه. أما إذا واصلت الأسعار ارتفاعها، ووصلت إلى نحو ثمانين أو مئة دولار،

كما يتوقع بعض المحللين، وحتى لو بقيت عند حالها الراهن الذي يتجاوز ستين دولارا للبرميل، فإن قدرة أوبك على التأثير ستضعف تدريجيا، وقد تتلاشي، لن يصبح باستطاعتها ضخ كميات كبيرة في السوق، من شأنها أن تقود إلى تراجع الأسعار، إلى 40 دولارا على الأكثر،

وهو السعر الذي يرى رئيس منظمة أوبك ووزير النفط الكويتي أحمد الفهد الصباح أنه مقبول بالنسبة لسلة خامات أوبك. وفي مثل هذه الحالة لن يكفي أن تزيد المنظمة من الكمية التي تصدرها بمقدار نصف مليون أو مليون أو حتى مليوني برميل يوميا، كما كان يجري في السابق، ليس لمخاوفها الدائمة من نزيف الاحتياطي، لكن لأن هذه الكمية لا تؤدي اقتصاديا إلى إحداث توازن تفتقده السوق.

لكن بعض المحللين يرون أن قدرة منظمة أوبك على تلبية مطالب الدول الكبرى المستهلكة للطاقة بلجم الأسعار تبدو محدودة، رغم التراجع الطفيف الذي سجلته أسعار النفط في الأيام الأخيرة عن المستويات القياسية التى بلغتها. وأدى هذا الوضع إلى قيام مستهلكى الطاقة بإطلاق تحذيرات من أن ارتفاع أسعار النفط عالميا سيقود إلى الإضرار بالنمو الاقتصادي العالمي،

بل وصل بعضهم إلى دق ناقوس الخطر بالنسبة لمستقبل أوبك ذاتها، إن بقيت عاجزة عن وقف القفزات المتصاعدة لأسعار النفط في السوق الدولية، التي وصلت بسعر البرميل الخام إلى ما يربو على 66 دولاراً. وفيما تحدث خبراء في وكالة الطاقة الدولية عن احتمالات تراجع النمو الاقتصادي العالمي بنسبة 8.0 % خلال العام الحالي، جراء ارتفاع أسعار النفط،

بدأ مسؤولون كبار في أوبك يخشون من أن تتلاشى قدرة المنظمة على التحكم في حركة الأسعار، ما يضع علامات استفهام عريضة حول مستقبل أوبك ذاتها. وكانت سوق النفط قد تجاهلت بيان أوبك الأخيرة الذي يعد رسالة سياسية تعبر عن التزام دول المنظمة بتوفير الإمدادات الضرورية، حيث عاودت أسعار برنت والخام الأميركي الخفيف ارتفاعها ويبرر أولئك المحللين ما ذهبوا إليه بالقول بأن القدرة الإنتاجية لدول أوبك ليست مفتوحة على مصراعيها،

حيث يحد منها قدرة مصافي دول أوبك على التكرير، والطاقة الاستيعابية للأنابيب الواصلة بين الآبار وموانئ التصدير، علاوة على مسائل سياسية منها تحسب الحكومات التي تسير دفة الأمور بدول أوبك من رد فعل شعوبها حيال قرارات غير رشيدة لصالح مستهلكي النفط. إضافة إلى على ذلك فإن ارتفاع أسعار النفط سيشجع دولاً أخرى تنتج النفط بكميات ضئيلة، لكنها تختزن في باطن أراضيها احتياطيات كبيرة، على أن تسرع في التنقيب عن النفط، ومن ثم إنتاجه وتصديره بكميات كبيرة.

ورغم أن دول المنظمة تمتلك أكثر من احتياطي العالم من النفط الخام، فإنها ستواجه مشكلة دخول منافسين لها في السوق لسنوات ليست بالقليلة، خلالها قد تبدأ قوة أوبك في التداعي. وتبدو قدرة أوبك على الاستمرار فاعلا دوليا مؤثرا موزعة بين إرادة أعضائها وما يدبره لها الغير، من مؤامرات ودسائس. وحتى لو تعززت قدرة المنظمة على مقاومة الدول وشركات الطاقة التي تستهدفها فإن أوبك ستبقى تحت رحمة الأسعار، التي قد تفلت من يد الجميع، وتقفز إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ.