لماذا لم يعد المصريون مستعدين للبكاء أمام شاشة السينما؟ ولماذا اختفت تلك الأفلام التي تحمل بين جوانحها حميمية التواصل بين الشاشة والجمهور؟السؤال يبدو مثيراً للدهشة والاستفزاز، ربما لما يتضمنه من اشارات غير مستترة عن فقدان الجمهور المصري لوسائل التفاعل بينه وبين الفن السينمائي.

ولكن الاكثر منطقية ان نتساءل:وهل وجد المصريون ألوانا أخرى غير المتاح لديهم من أفلام واشرطة سينمائية ليراهن عليها أو يتفاعل معها؟!فالمشهد السينمائي المصري منذ العام 1997 انقلب رأسا على عقب وصار يحتكم إلى لون سينمائي واحد هو اللون الكوميدي حيث انزوت في ظلاله الكثيفة كل التنويعات الأخرى رافعة راية الاستسلام التي دون عليها «الجمهور عاوز كدة».

وفي حقيقة الامر ان هذا الشعار الذي روج له المنتجون كان يقابله دائما شعار معاكس وهو «المخرج عاوز كده» في اشارة ذكية إلى ان المنتج السائد في سوق السينما لم يكن استجابة لرغبة الجمهور وانما لحاجة صانعيه، وبالرغم من ذلك فهذا الجمهور نفسه هو الذي يقبل على هذه السينما ويمول استمراريتها.

ولعل هذا ماكان يقصده الناقد طارق الشناوي حين قال لنا «انها العدوى»، مبيناً أن اختفاء أية الوان درامية أخرى ولاسيما الميلودرامية أو بالاحرى الرومانسية الميلودرامية، كان بسبب عدوى النجاح الذي حققه فيلم مثل «اسماعيلية رايح جاي» الذي اخرجه المخرج كريم ضياء الدين عام 1997 فأحدث نقلة نوعية وشكلية في السينما المصرية حيث راح الجميع يحسبونها بالورقة والقلم أو بمنطق الربح والخسارة ،

فصار المنطق الذي يحكم السينما هو المنطق التجاري وليس الادبي اوالفني، يقول الشناوي: من الطبيعي ألا يبكي الجمهور لأن «السلعة» المعروضة هي «سلعة الضحك»، وهي الموضة السائدة التي لم تجد امامها اي بديل، وساعد في ذلك وجود عشرات من الكوميديانات في سنوات قليلة، في مقابل نجم «جان» وحيد وخفيف الدم هو كريم عبدالعزيز، ونجم «جان» آخر يجيد تقديم «الاكشن» هو احمد السقا.

اما عن مقولة «الجمهور عاوز كده» فيصفها الشناوي بأنها «كلام فارغ» بدليل نجاح أفلام اجتماعية مست قيماً مغايرة مثل «سهر الليالي» و«احلى الاوقات» ولكن هذه هي حجة المنتجين الذين يعملون على اللون المضمون نجاحه.السيناريست مصطفى محرم يقول :اننا نفرح ونسعد كثيرا عندما تنجح كل عام بضعة أفلام اقبل عليها الناس وساندوها ،

ولكن للأسف لا احد يستطيع الإجابة عن السؤال المطروح بشكل اكثر دقة، فنجاح أفلام وفشل اخرى، واتجاه الجمهور إلى نوعية وتجاهل أخرى لا يعلم سببه احد، وذلك لأن النقد عندنا لم يتجاوز تقييم المتفرج العادي، بل ان المتفرج تكون لديه في كثير من الاحيان بعض المبررات الجديرة بالتأمل والتفنيد.

اما الناقد د.وليد سيف فيقول:لا اتفق كثيرا مع مقولة ادولف زوكور الماثورة «ان الجمهور لا يخطئ»، فالأفلام الناجحة تستحق قدرا كبيرا من الاهتمام والتحليل، لنكتشف انه بقدر اهمية الكوميديا وسحرها فإنه على مدار تاريخ السينما لم تكن هي السبب الوحيد في النجاح أو في اجتذاب الجمهور بدليل ان أفلام عادل امام مثلا شكلت نسبة كبيرة من نجاحها منها تنويعات أخرى لا تنتسب للكوميديا،

وعادل امام لا يحتاج للتعريف بانه اول نجم كوميدي استطاع ان يصبح نجم السينما المصرية الاول بلا منازع، بل وان ينفرد بعرش السينما المصرية لعقدين كاملين تقريبا، من نهاية السبعينات إلى نهاية التسعينات، وبالرغم من انه استطاع ان يصعد بالفيلم الكوميدي ليصبح هو الفيلم رقم واحد ويحتل الصدارة، الا ان أفلامه تضمنت ألواناً أو موضوعات أخرى حيث تناولت قضايا سياسية واجتماعية تأثر بها الجمهور وادمعت عينه دون ابتزاز للمشاعر أو الاحاسيس.

الناقد والسيناريست د.رفيق الصبان يرى ان اتجاه الجمهور إلى نوع فني واحد هو ظلم مؤكد للانوأع الأخرى، ولكنه يعيد عدم استعداد الجمهور للبكاء إلى الرغبة في التغيير والتجديد والهروب من واقع مليء بالمآسي والفواجع ومشاهد القتل والهدم والتشريد التي تسوقها نشرات الأخبار يوميا، تلك المشاهد التي اعتاد عليها الجميع فلم تعد مؤثرة وصار هناك نوع من «التقاعس» الانفعالي تجاهها،

وهكذا فإن الصورة في الواقع وخارج اطار المادة الدرامية تمر اكثر دموية ، ولم تعد الشاشة تمتلئ بلوحة جدارية ترسم هموم ذلك الواقع أو ترتكز على حس عاطفي اسر شجي يعبر عن فيض من لحظات شجن وحزن أو تعبر عن البعد المأساوي في حياتنا ، لم يعد هناك الفيلم الذي يعطينا ذلك الاشباع من المتعة والشجن، اما الجمهور فهو يهرب بشكل لا ارادي إلى أفلام تسرقه بعيدا عن كل ذلك وبعيدا عن مشكلاته الأخرى (اقتصادية واجتماعية) ..أفلام يريد ان يتماهى معها بعيدا عن قسوة الواقع التي تستلب آدميته.

ولعل هذه الحيلة الهروبية التي يلجأ اليها الجمهور للفرار من واقعه المأساوي أشار اليها الناقد سيد سعيد في دراسته التي حملت عنوان «لماذا يتواطأ الجمهور مع السينما السائدة» قائلا: ان السينما ليست دعوة لتأمل ومواجهة المشكلات الاجتماعية وبصورة جماعية، وانما هي مجال للهروب من الواقع الذي لا يستطيع المتفرج ان يواجهه أو يتجاوزه بصورة مباشرة، والسينما نفسها تبدو للمتفرج كممارسة سحرية أو خرافية،

وتعمل السينما على اعادة التوازن للمتفرج لا عن طريق تمكينه أو تمليكه لوسائل الوعي ومواجهة مشكلاته، وانما من خلال تمكينه من تفريغ عواطفه ولو بإطلاق صرخاته أو ضحكاته في الفضاء وتعزيته عن واقعه بنقله إلى عوالم سحرية. انها الهروبية التي تمثل التعبير الملموس عن عقدة العداء أو التعصب ضد الواقع المعاش وما يحتويه من جدل اجتماعي، وهو يؤدي اما إلى حل المشكلات بطريقة وهمية أو تجنبها تماماً.

القاهرة ـ ناهد صلاح