حذرت الباحثة الاقتصادية «جولييت شور» من أن الأميركيين قوم لا همّ لهم سوى الانكباب على العمل، والبذخ في الإنفاق، بيد أنها وسعت الآن نطاق انتقادها لتطال أسهمه الأطفال، وخصوصاً الأميركيين منهم، زاعمة أن مسؤولي التسويق، والشركات التجارية، يكرّسون جل اهتمامهم على الصغار، والناشئة تحديداً، معتبرين أنهم الفئة الغضة من الطبقة الاستهلاكية.
وتقول صحيفة فاينانشيال تايمز إن هذا ليس من باب أن الصغار والناشئة يمتلكون مصادرهم الخاصة بهم، ولكن من منطلق التأثير الذي يتمتعون به على أصحاب القرارات الشرائية عبر قوتهم «الإزعاجية». وتعتبر الحلوى التي تعرض في المحال التجارية على مستوى نظر الأطفال مدرارة لعدة ملايين من الدولارات والحكمة من ذلك أن قوى الرأسمالية التجارية تسعى للإطباق على سلوكيات الأطفال والاستحواذ عليها مدى الحياة.
إن القدر الهائل من الأمثلة التي ضربتها «شور» واستقصاءاتها البحثية الموسعة، تأتي من الولايات المتحدة، ولكنها كمعظم الظواهر، أكثر تقدماً هناك، فهي تقول إن القراء سيدركون في مواطن كثيرة معظم الطرائق المتبعة وبعضها في طفولتهم.
ينجذب الأطفال نحو الشركات بفعل قوتهم الإنفاقية، فمتوسط إنفاق الأميركي بين سن 12 إلى 19 عاماً يبلغ 151 دولاراً في الأسبوع،
كما أن إنفاق الأعمار بين الرابعة والثانية عشرة ازداد بنسبة 400% بين 1989 و2002. زد على ذلك، أن الأطفال أثّروا في زيادة حصة القرارات الشرائية للكبار، والتي لو وثقنا بالتقديرات، بلغت ألف مليار دولار على المستوى العالمي عام 2002. وما إعلانات السيارات في محطات التلفزة الخاصة بالصغار إلا مثال صارخ على ذلك.
لقد أصبحت الإعلانات الخاصة بالأطفال اكثر فجاجة ومكراً، فالإعلانات تحرض الأبناء على آبائهم، راسمة صورة تستدعي السخرية من هيبة ذويهم. وفي الوقت ذاته، فإن المساحات الإعلانية باتت تقحم في المحتويات البرامجية، والنصوص المدرسية،
ففي الولايات المتحدة تقدم القناة الأولى «تشانل ون» معدات تلفزيونية مجانية إلى الصفوف المدرسية مقابل الحصول على تعهد من قِبل المدرسة بدفع التلاميذ إلى مشاهدة عشر دقائق برامجية في الصف المدرسي كل يوم، بما فيه دقيقتان من الإعلان.لقد كنا نصدم لدى رؤية آلة بيع تجارية في المدارس منذ عشرين عاماً، أما الآن فهي تنعش ميزانية المدرسين.
وعمدت «شور» إلى التنديد بالطريقة التي يُجنَّد فيها الأطفال في الأنشطة الإعلانية. إن الإعلانات الموجهة نحو الأطفال مرعبة، فنحن نؤمن أن مساحات شاسعة من حياة الأطفال، غير مؤهلة لاتخاذ قراراتها بأنفسها، دون إشراف أبوي. كما أن المجتمع يحدد فئات عمرية مختلفة للأنشطة المختلفة، 16 ـ 17 ـ 18 ـ 21 سنة وموضوع الإعلان أو التسويق يستلزم المستهلكين الذين يشكلون قوى اقتصادية راشدة، بالرغم من أنها تحاول الالتفاف على جانبهم العقلاني، واستجداء عواطفهم.
وتستشهد «شور» بدراسات تظهر أن الأطفال تحت سن معينة، غير قادرين على تحديد القواعد السمعية والبصرية بصورة كافية، للتمييز بين الفيلم الوثائقي والتجاري. وتقر «شور» بأن حيزاً من فترة البلوغ يختص بتعلم هذه الدروس. وإن المشاركة في النشاط الاقتصادي المبتدئ يعتبر عنصراً أساسياً في بناء الشخصية الذاتية التطورية.
غير أن معطيات دراستها تشير إلى ان التعرّض للثقافة التجارية، في مستويات راهنة، يقلل من الاعتداد بالنفس، ويزيد من القلق النفسي، بدلاً من تعزيزه. وتقول في الوقت نفسه إن التعرض للعنف الخيالي في الموروث الشعبي يمكن أن يكون مفيداً للأطفال في بعض الحالات لأن ذلك من شأنه إتاحة الفرصة لهم للعمل عبر المخاوف والانفعالات.
ولكنها تصر بأننا أبعد ما نكون عن النقطة التي يخدم فيها العنف الإعلامي غرضاً مفيداً». فهو يعمل بدلاً من ذلك على تبلد المشاعر وتحجر العواطف. إن المتهم الأول في نظر «شور» هو التلفزيون إلى الحد الذي حظرته على أطفالها، ففي البيانات التي قدمتها، انخفضت نسبة مشاهدة التلفزيون خلال العقدين الماضيين في معدل جميع الأطفال من 17 ساعة و35 دقيقة أسبوعياً عام 1981 إلى 13 ساعة و29 دقيقة عام1997،
غير أن المضمون التجاري ارتفع خلال تلك الفترة، كما ان شراسة التسويق ازدادت حدة والأدهى من ذلك كما تضيف «شور» أن حجم الوقت المستغرق في المساحات غير التجارية، كاللعب في الخارج على سبيل المثال، قد انخفض بشدة كما أن الرسائل التجارية غزت المدارس واحتلت المشتريات حيزاً أكبر من حياة الطفل اليومية وبات في حكم المستبعد العثور على ملاذ آمن.
ان الحل بالنسبة لأولئك الذين يتقبلون فرضيات «شور» غير ممكن ويقول «بيل مكيبين» أحد المتنورين البيوريتانيين. مصادقا على ما جاء في كتاب «شور» بأن «السعيد يجب أن يكون مأوى الذين يستهدفون الصغار بأفكارهم التسويقية» ولكن لا حياة لمن تنادي.
بالرغم من أن بعض الممارسين الاعلاميين، أعربوا على الأقل، عن ندمهم عما فعلوه، في مقابلات تلفزيونية ومن جانبها، تطالب «شور» بفرض أنظمة أشد صرامة، رغم اعترافها بأن هذه الحملة قد تكون صعبة، في ضوء حجم التبرعات السياسية التي تقدم للحزبين الجمهوري والديمقراطي، من قبل أرباب الصناعة الضالعين مباشرة.
وهي تحض الآباء على اقتفاء خطاها في تقييد المشاهد التلفزيونية، مؤكدة، لهم أنها عملية سائغة، ولا تحرم الاطفال من أحاديث الملاعب. وهي تطالب الآباء بتحمل مسؤولياتهم التصدي للثقافة الاستهلاكية، وتحريض الأبناء ضدها بالرغم من أنها ترفض بشدة إخلاء مسؤولية المعلنين. كما أنها تطالب باستعادة الأمكنة العامة للأطفال، وهو اقتراح يمكن تطبيقه في مسقط رأسها بوسطن، إلا أنه قد يكون أشدّ صعوبة في الولايات الأخرى.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإن «شور» تدعو إلى ضرورة تضحية الأفراد، فمن غير المستطاع تقييد مشاهدة أطفالنا للتلفزيون. دون البدء بأنفسنا، وتخفيض حجم مشاهدتنا. ولكنها تقول: «إذا كانت الثقافة التجارية ضارة بأولادنا، فمن غير المعقول أن تكون نعمة لنا، وبحمايتهم نكون حررنا أنفسنا.
ترجمة: وائل الخطيب