بعد أن تعوّد رواد الحواجز العسكرية الإسرائيلية، من الفلسطينيين، على طلبات غريبة ومهينة، يمارس من خلالها جنود الاحتلال عنصريتهم، للسماح لهم بالعبور: كالغناء، والرقص، وتقليد أصوات الحيوانات، وشتم الذات الإلهية، ورموز وطنية فلسطينية، تفاجأ عدد من السائقين اشتراط بعض جنود الاحتلال، عند أحد الحواجز العسكرية «الطيّارة» أو المؤقتة، بالقرب من نابلس، عرض أغنيات للمغنية اللبنانية، هيفاء وهبي.
وخاصة أغنيتها الشهيرة «رجب»، عبر مسجل السيارة، للسماح لأصحاب هذه السيارات بالعبور نحو نابلس. وقال ناصر الأدهم (موظف حكومي): عندما اقتربت من الجنود، سألني أحدهم: هل تحب هيفاء وهبي؟.. لم أجب، فسارعني بقوله: «أنا أحبها».. إذا كنت تريد المرور إلى نابلس، عليك بعرض أغنيتها «رجب» الآن.. لم أصدق ما يحدث، إلا أنني تأكدت أنه لا يمزح، حين هددني بالسلاح، مشيراً إليَّ بالعودة، بعد أن تأكد أن طلبه ليس عندي.
ويقول السائق العمومي الخمسيني «أبو سمير»: «منذ قرابة الأسبوع، وهم يضعون هذا الحاجز «الطيّار»، في أوقات متفرقة من اليوم، وفي كل مرة يطلب الجندي أغنية لهيفاء وهبي، حتى أنني وزملائي «ع الخط» اشترينا شريطها الأخير، وبتنا «نشغل المسجل بأعلى صوت لهيفاء وهبي، كي نتمكن من العبور بسرعة.. ما أن يسمع الجندي صوت هيفاء، حتى يشير إلينا بالمرور، خاصة إذا ما حصل على غلاف الألبوم الذي يحمل صورتها».
ويضيف «أبو سمير» قائلاً: «من يتمعن بالموقف سرعان ما يكتشف حجم الإذلال الذي نتعرض له يومياً على الحواجز العسكرية الإسرائيلية، التي يتحكم جنود الاحتلال في فرض القوانين عليها، كما يشاؤون، ودون رقيب أو حسيب». حكايات المطالب الغريبة، والتي يتسلى من خلالها جنود الاحتلال، بالسخرية من عذابات الفلسطينيين، كثيرة، ومنها ما حصل مع السائق سامر شلش، عند حاجز «طيّار» بالقرب من بلدة عين عريك، المتاخمة لرام الله،
حيث طلب جنود الاحتلال منه ومن ركابه الثمانية النزول، مشيرين إلى أنهم لن يسمح لنا بالمرور إلا إذا ركبنا جميعاً في السيارة خلال خمس ثوانٍ.. و«عندما رفضنا، هددونا بالسلاح.. فشلنا في المحاولة الأولى، وكررنا التجربة سبع مرات ونحن ندخل ونخرج ثمانيتنا من السيارة بسرعة، وسط ضحكات وقهقهات الجنود، حتى سمحوا لنا بالمرور».
وهناك أيضاً أسلوب المطالب التعجيزية، كالسماح بعبور الحاجز لمن يحمل هاتفاً نقالاً من طراز «نوكيا» المزود بكاميرا، أو لمن يرتدي قميصاً أحمر، أو لمن يتمكن من التخمين بأي اتجاه ستسقط قطعة النقود المعدنية على الأرض، بعد أن يلقيها الجندي، ظاهرة آخذة بالتوسع بين جنود الحواجز العسكرية في الضفة الغربية، في حين سادت، أخيراً، ظاهرة «الهدايا»،
كما يفضل الفلسطينيون تسميتها، فلابد من «هدية» يقدمها من يرغب بعبور الحاجز للجندي الإسرائيلي، الذي يفضل بدوره أن تكون علبة سجائر، وتحمل ماركة عالمية، لاسيما «مارلبورو». وهناك حكايات شهيرة تناولتها الصحافة العربية والعالمية، وحتى الإسرائيلية في هذا الاتجاه، منها قيام جندي بإجبار الشاب الفلسطيني سميح رحال، من بيت لحم، على الشرب من زجاجة أفرغ الجندي وزملاؤه فيها بولهم،
عند حاجز عسكري على مدخل «أبو ديس»، قرب القدس، وإجبار الشاب فراس البكري من الخليل، في الوقت ذاته، على ابتلاع قطعة صابون كانت في حقيبته، في حين أرغمت امرأة حامل في شهرها الثالث، على شرب دواء لغسيل الملابس، للسماح لها بالعبور إلى القرية المجاورة، لزيارة أمها المريضة، أو حتى العودة إلى قريتها.
ويرى مراقبون أن ما يشجع هؤلاء الجنود على الاستمرار في إذلال الفلسطينيين عند الحواجز العسكرية، هو الأحكام المخففة التي تصدرها المحاكم العسكرية الإسرائيلية بحقهم، في حال تم إدانتهم، فقد اكتفت المحكمة المركزية الإسرائيلية في القدس، بالحكم على الشرطي الإسرائيلي (نير ليفي) بالسجن 14 شهراً مع وقف التنفيذ، رغم ارتكابه مخالفات خطيرة بحق الفلسطينيين، لا سيما التنكيل بهم وسرقة نقودهم، إضافة إلى تورطه في حادثة إجبار شاب فلسطيني على شرب بوله.
وكان أوري افنيري، الصحافي الإسرائيلي المعروف، وعضو الكنيست السابق، قال في أكثر من مرة، تعقيباً على الإذلال الحاصل عند الحواجز العسكرية الإسرائيلية: لو أن المزيد من الإسرائيليين يتعرضون لهذا المقطع من الواقع المر، ويرون بأم أعينهم ماذا يمر على الفلسطيني البسيط، المتوسط، البريء من كل ذنب، فإنهم سيدركون أكثر جذور الكراهية نحوهم.. ويكفي حاجز واحد لفهم هذه الحقيقة.
رام الله ـ يوسف الشايب