يبدأ فيلم «السفارة في العمارة»، بمقدمة استعراضية، تسبح خلالها الكاميرا في فضاءات دبي، ملتقطة حداثة المدينة وأبراجها، وجمال شواطئها وحدائقها ومراكبها القديمة والأخرى الجديدة. فالمخرج عمرو عرفة أراد بهذه المقدمة أن يؤكد قدرة مهنية بتصويره من طائرة مروحية بتقنيات قلما نراها في أفلام عربية.
واستطاع ان يأخذ المشاهد العربي أو غيره الأجنبي في رحلة بصرية بدت سياحية في رحاب مدينة دبي، التي تدور فيها أحداث الجزء الأول من الفيلم، حيث يعمل المهندس شريف في شركة نفطية أجنبية، وهو ناجح في عمله وفي علاقاته العاطفية الكثيرة كعازب يعشق النساء.
ولا يوفر أي اتصال معهن، حتى زوجة مدير عمله الذي يكتشف فعلته الشائنة فيطرده على الفور من عمله ليعود بعدها الى القاهرة بعد غياب دام أكثر من 25 عاماً، فيجد ان الشقة المجاورة لشقته تحولت الى مركز السفارة الإسرائيلية، مما يسبب له إزعاجاً كبيراً كون زائراته الكثيرات اللواتي يتعرضن لمضايقات رجال الأمن من تفتيش واجراءات اخرى.
شريف يعيش بعيداً عن عالم السياسة، وهو لا يعرف ما يحدث من حوله ولا يكترث لغير أموره الخاصة وفي حوار مع الطفل إياد الفلسطيني ابن صديقه وزميله في العمل، يبدو الصغير على معرفة كاملة بما يحدث على أرضه المحتلة التي يقرر ان يعود اليها ليشارك في «الانتفاضة» ويسأل شريف ان كان يريد ان يعود الى مصر كونها وطنه.
لكن شريف يجهل كل هذه المعلومات وهذه الأفكار والأحداث بمجملها. وفي مشهد رمزي يقفز إياد بشجاعة نادرة كطائر لينقذ شريف من أن تدهسه سيارة مسرعة، في لفتة اخراجية لها بعدها نفهمه مع نهاية الفيلم، يجسد عادل إمام دور المهندس شريف بأسلوبه الأدائي المعهود مستخدماً تعابير وجهة القوية في إظهار براءة وسذاجة وصدق وألاعيب الشخصية التي يؤديها،
والتي يقوم بتركيبها أمامنا مباشرة، إضافة الى إدارته من قبل المخرج عمرو عرفة من ضمن مفاتيح السيناريو الذي ألفه يوسف معاطي بحرفية واضحة، لكنه بالغ أحياناً مع المخرج في تضخيم المشاهد الكاريكاتورية، كإظهار الشخصيات اليسارية على أنها هزلية ومجترة لكلامها وتقليدية، وكذلك المبالغة أيضاً بتصوير الحراسات الأمنية.
داليا البحيري بطلة الفيلم، يراها عادل إمام في مظاهرة تندد «بالتطبيع» فينضم الى المظاهرة، ويحملها على اكتافه ويردد ما يقولون من دون ان يفهم ماذا تعني كلمة «التطبيع» فتقوم بينه وبينها علاقة يكتشف من خلالها عالماً كاملاً لم يكن يعرف عنه أي شيء فيقرر رفع دعوى ضد السفارة لطردها من المبنى.
ويكاد ان يربح القضية لكنه يسحب دعواه بعد ايقاعه من قبل السفارة، بتصويره يغازل احداهن بمشاهد فاضحة، فيتم تهديده ويتجاوب معهم، مما يحوله من بطل وطني الى خائن بنظر من ساندوه. لكنه يعود الى وعيه وانتمائه عندما يرى الطفل الفلسطيني إياد على شاشة التلفاز قد أستشهد فيصرخ «لا لقتلة الأطفال، لا لاعداء السلام».
يشارك عادل إمام بطولة الفيلم خالد زكي وأحمد راتب، الاول في شخصية ضابط أمن يحاول ان يهديء من روع شريف وافهامه بأن يبتعد عن الضجة والإثارة، والثاني بشخصية المحامي البارع والمحتال والذي يتكلف بقضية الدعوة ضد السفارة، وهما الى جانب البحيري شكلا فريق عمل جيداً، ترك الفيلم ينجح وان يكون مميزاً بين انتاجات هذا العام في السينما العربية.
ودون ادنى شك لعب بنجومية عادل دوراً كبيراً في الفيلم يستفاد منها بإطار تسويقه التجاري، بعد ان حقق مستوى فنياً جيداً في كل مستوياته.
حسين قطايا