حلقت أسعار النفط إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، وهو ما أثار التساؤلات حول العوامل المحركة للأسعار، خصوصا وأن منظمة أوبك تؤكد بشكل متكرر أنه لا توجد مشاكل في الإمداد، بل توجد وفرة في المعروض، ولهذا انشغل الباحثون في البحث عن إجابة لهذه التساؤلات.
وتبرز مساهمة المحلل ويليام كلارك في دراسته المعنونة تحت اسم «حرب البترودولار : الدولار واليورو وبورصة النفط الإيرانية» لتقدم رؤية حول أسباب تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، على اعتبار أن تلك المواجهة تنذر بارتفاعات فائقة في أسعار النفط، وملخص الدراسة أن إيران سلكت الطريق الذي سبق لصدام حسين أن انتهجه
وهو تحدي هيمنة الدولار على أسواق النفط، بأن أعلنت نيتها إطلاق بورصة نفطية تستند في تعاملاتها التجارية على النفط إلى عملة اليورو وليس الدولار، ويضاف إلى تلك الرؤية، وجود العديد من المشاكل الجيوسياسية التي ألقت بثقلها على أسواق النفط مما دفع بالأسعار إلى مستويات تاريخية.
يؤدي إطلاق بورصة إيرانية ناجحة للنفط إلى تقوية نظام «البترو ـ يورو كنظام بديل للتداولات التجارية على النفط، الأمر الذي سيشكل نهاية للوضع المهيمن لنظام البتروـ دولار» على أسواق النفط الدولية. وقد تضمنت الحرب المعاصرة تقليديا صراعات تتعلق بالاقتصادات والموارد، وفي الوقت الحالي، تتضمن هذه الصراعات المختلطة العملات الدولية، وهو ما يزيد من تعقيداتها،
فالتوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران تمتد لتتجاوز أوجه القلق العلنية والمتعلقة بنوايا إيران النووية، ليصير من المحتمل أن تشمل النظام الإيراني المقترح «البترو ـ يورو» لتجارة النفط. وعلى غرار الحال بالنسبة للحرب العراقية، ترتبط العمليات العسكرية ضد إيران بالأبعاد الاقتصادية الكلية لإعادة تدوير «البترو ـ دولار» وهو ما يمثل تهديداً حقيقياً لهيمنة الدولار من اليورو كعملة بديلة لتجارة النفط.
فقد صار من الواضح الآن أن غزو العراق ليس مرتبطا بشكل كبير ببرنامج صدام حسين الطويل الأجل لتطوير أسلحة دمار شامل، وبالتأكيد أن الغزو أقل ارتباطا بمكافحة الإرهاب الدولي، من كونه مرتبطا بتحقيق السيطرة على احتياطات العراق من الوقود الهيدروكربوني. ومن ثم فإن فعل ذلك سوف يحافظ على وضع الدولار كعملة محتكرة لأسواق النفط العالمية،
فعلى مدار عام 2004 كشفت معلومات العاملين السابقين في الإدارة أن إدارة بوش - تشيني دخلت البيت الأبيض وهي تضمر نية الإطاحة بصدام حسين، وقد صممت عملية تحرير العراق بهدف إقامة حكومة موالية للولايات المتحدة في العراق وإقامة عدة قواعد عسكرية هناك،
وذلك قبل ظهور الارتفاعات الفائقة في أسعار النفط، علاوة على إعادة العراق إلى نظام «البترو ـ دولار» بأمل إجهاض أي حافز لدول أوبك للتحرك نحو اليورو كعملة بديلة في المتاجرة في النفط. «البترو ـ يورو» ومع ذلك، فقد أظهرت الأحداث الجيوبوليتيكية التالية استراتيجية التيار المحافظ الجديد خطاً أساسيا مع تحرك إيران نحو نظام «البترو ـ يورو» للمتاجرة على النفط، فيما تقوم روسيا بتقييم هذا الخيار مع الاتحاد الأوروبي.
وفي عام 2003، شهد المجتمع الدولي توليفة من حرب «البترو ـ دولار» وحرب «نضوب النفط» ولم تكن أغلبية الحكومات في العالم خاصة الاتحاد الأوروبي وروسيا تلهو أو تسري عن نفسها، كذلك الحال بالنسبة للجنود الأميركيين المتمركزين في العراق، فهم حالياً يعادون العراق. وفي عام 2002 كتبت مقالة تم بثها عبر الانترنت، وحصلت على جائزة،
أكدت علي أن صدام حسين قد انتهى أمره، عندما أعلن في سبتمبر 2000 أن العراق لن يقبل عملة الدولار في تسديد ثمن النفط الذي يتم بيعه بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، وقرر التحول إلى اليورو كعملة دفع قيمة الصادرات النفطية العراقية،
وفي الحقيقة، كانت فرضيتي الأساسية قبل الحرب موضع تقدير وتقييم في مقالة بصحيفة «الفاينانشيال تايمز» بتاريخ 5 يونيو 2003 والتي أكدت على أن مبيعات النفط العراقية قد عادت إلى الأسواق الدولية، وأنها أصبحت تقيم مرة أخرى بالدولار الأميركي وليس باليورو.
فقد تحولت المناقصة التي على أساسها جرى تقديم العروض بحلول 10 يونيو مرة أخرى إلى الدولار كعملة الدولية لمبيعات النفط، وعلى الرغم من التراجع الأخير في قيمة العملة الخضراء، أصر صدام حسين على بيع النفط العراقي بعملة اليورو، وهو تحرك سياسي، ولكنه ساهم في تحسن العائدات العراقية نتيجة لصعود قيمة اليورو في مواجهة الدولار.
وقد نفذت إدارة بوش عملية التحول في العملات على الرغم من الأثر العكسي على الأرباح المتحققة من صادرات النفط العراقية، وفي منتصف عام 2003، كان سعر اليورو أعلى من الدولار بنسبة 13%، الأمر الذي كان له تأثيره الملموس على قدرة عائدات النفط في المستقبل على إعادة بناء البنية التحتية العراقية.
ولم يكن من قبيل المفاجأة، أن مراكز الإعلام الرئيسية والتي تسيطر على 90% من تدفق المعلومات في الولايات المتحدة لم تأت على ذكر تفاصيل هذا الأمر، ولكن التأكيد على هذه الحقيقة الحيوية وفر رؤية لم يكن في الإمكان تجاهلها أو غض الطرف عنها بشأن المبررات المنطقية لحرب العراق.
* المشكلة نووية أم نفطية؟
وفيما يتعلق بإيران، فقد كشفت المقالات الأخيرة عن تحرك نشط من قبل البنتاغون للتخطيط لعمليات ضد منشآتها النووية، وفيما تم تبرير هذا التحرك للرأي العام على أنه نتيجة لطموحات إيران النووية، إلا أن هناك مرة أخرى محركات اقتصادية كلية غير مفصح عنها علنا وتتعلق بالمرحلة الثانية لحرب «البترو ـ دولار»، وهي بورصة النفط الإيرانية المقبلة.
ومن حيث الجوهر، اقتربت إيران من الإقدام على فعل، يعتبر أبعد مدى في هجوميته من تحول صدام إلى عملة اليورو كعملة دفع للصادرات النفطية العراقية خلال خريف عام 2000، فبدءا من مارس 2006، تخطط إيران لبدء التنافس مع بورصة نيويورك التجارية «نايمكس» وبورصة البترول الدولية في لندن في مجال تجارة النفط الدولية، واستخدام نظام للمتاجرة على النفط يرتكز على اليورو،
ويعني هذا النظام أن عملة اليورو سيكون لها قدم راسخة في مجال تجارة النفط الدولية، إذا لم يكن هناك شكل ما من أشكال التدخل الأميركي، ومع الأخذ في الاعتبار مستويات الديون العالية المستحقة على الولايات المتحدة، ومشروع المحافظين الجدد المعلن عنه بخصوص الهيمنة الأميركية العالمية، فإن هدف طهران يمثل انتهاكا واضحا لحرمة هيمنة الدولار على أسواق النفط الدولية.
* تخطيط في البنتاغون
ومنذ خريف عام 2004 حتى أغسطس 2005، كشفت التسريبات العديدة من جانب العاملين في البنتاغون أن المحافظين الجدد في واشنطن يخططون بهدوء ولكن بنشاط ودأب لهجوم محتمل ضد إيران، وقي سبتمبر 2004، ورد في مجلة «النيوزويك» ما نصه «يقوم الجنرالات والأدميرالات في البنتاغون بشكل خفي بتحديث الخطط لعمل عسكري أميركي محتمل في كل من سوريا وإيران،
وتعتبر وحدة وزارة الدفاع المسؤولة عن هذين البلدين المثيرتين للقلاقل، مشغولة أكثر من أي وقت مضى، ويقول مسؤول في الإدارة إن بعض مستشاري الرئيس بوش وصفوا العمل العسكري بأنه مجرد جهد لتنقيح الخطط التي يحتفظ بها البنتاغون لمواجهة كافة الأوضاع الطارئة في ضوء الحرب العراقية. ويقول الكثير من البيروقراطيين إن عمليات التحديث يرافقها حملة نشطة من جانب المحافظين الجدد تدعو إلى تبني السياسات الأميركية خطا أكثر تشددا تجاه الدول».
ويأمل صقور الإدارة في تغيير النظام في طهران عن طريق الوسائل الخفية، ولكن بالقوة العسكرية في حالة الضرورة، وتم تداول التقارير بشأن هذه الفكرة داخل الإدارة، والتي عنون معظمها تحت مسمى «نسخة» أو «نسخة عمل» لتجنب سلطات الكونغرس الخاصة بالاستجواب، وقانون حرية المعلومات،
وقالت مصادر عليمة إن المذكرات تقلد استراتيجية العراق المجهضة: الإطاحة بالنظام القائم، وإقامة حكومة موالية للولايات المتحدة، استخلاص وعد من النظام الجديد بنبذ أية طموحات نووية، ومثل هذا النهج المتهور يثير الرعب لدى القادة العسكريين، ولا توجد أدلة على أنه حظي بأي دعم على المستوى الوزاري.
* تخوفات أميركية
وفي الواقع، توجد أسباب جيدة تجعل القادة العسكريين الأميركيين يشعرون بالخوف من إمكانيات مهاجمة إيران، ففي عدد ديسمبر لعام 2004 لمجلة «أتلانتيك» الشهرية، ورد تقرير كتبه جيمس فالوز تضمن الإشارة إلى أنه تم الانتهاء من دورات عالية المستوى عن ألعاب الحرب والتي حاضر فيها سام جاردينير
وهو كولونيل متقاعد في سلاح الجو تولي إدارة ألعاب الحرب في كلية الحرب الوطنية على مدى العقدين الماضيين، ولخص الكولونيل جاردينير نتائج ألعاب الحرب بقوله: «بعد كل هذا الجهد، أود قبل تركي منصبي أن ألفت نظر صناع القرار في الولايات المتحدة إلى مسألتين في غاية البساطة، وهي أنه لا يوجد حل عسكري بالنسبة لمسألة إيران، وأنه يجب العمل بالأسلوب الدبلوماسي».
وعلى الرغم من تحذيرات الكولونيل جاردينير، ظهرت قصة أخرى في مطلع عام 2005، تكرر نوايا الإدارة الأميركية تجاه إيران في جريدة نيويوركير، وكتبها سايمور هيرش، وتضمنت مقابلات مع مختلف مستويات مصادر الاستخبارات الأميركية، وكتب هيرش قائلا: «في مقابلاتي مع مسؤولي الاستخبارات السابقين رفيعي المستوى، قيل لي بشكل متكرر إن إيران هي الهدف الاستراتيجي القادم،
وردد كل شخص القول بأنه لا يمكن أن نكون جادين بشأن استهداف إيران، ولننظر إلى العراق، وجاء هذا القول على لسان مسؤول سابق في الاستخبارات المركزية الأميركية، ولكن المسؤولين في إدارة بوش يقولون إننا فد استخلصنا بعض الدروس غير العسكرية، ولكن كيف يمكن تطبيقها سياسيا، فنحن لن نتجه إلى الاعتماد على السذج في الوكالة، ولن تكون أهدافنا مهلهلة وغير متماسكة، ولأجل هذا السبب،تعتبر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية خارج نطاق هذا المسرح».
* تحريض «المحافظين الجدد»
وتعتبر مقالة فيليب جيرالدي محلل الاستخبارات والذي ينتمي إلى تيار المحافظين، هي الأحدث والأكثر أثارة للمتاعب حتى الآن، وقد كتب في مقالته :« في حالة الطوارئ، وفيما يخص إيران، فقد جرى إعادة تنشيط التخطيط العسكري، وفي حالة تكرار صدمة 11 سبتمبر، يريد مكتب ديك تشيني من البنتاغون أن يكون مستعدا لاحتمال شن هجوم نووي تكتيكي على إيران، حتى لو لم تكن إيران متورطة في هذا العمل الإرهابي ضد الولايات المتحدة».
وبناء على تعليمات من مكتب ديك تشيني نائب الرئيس، قام البنتاغون بتشكيل قوة مهام مع القيادة الاستراتيجية للولايات المتحدة، بهدف وضع خطة طارئة، يتم استخدامها في الرد على هجوم مماثل لأحداث 11 سبتمبر.وتتضمن الخطة هجمات جوية واسعة النطاق ضد إيران، يتم فيها استخدام كل من الأسلحة التقليدية والنووية التكتيكية، وفي داخل إيران، يوجد ما يزيد على 450 هدفاً استراتيجيا رئيسيا،
من بينها، المواقع المشتبه فيها لتطوير برنامج الأسلحة النووية، والعديد من الأهداف محصنة بشكل قوي أو موجودة في أعماق بعيدة عن سطح الأرض، بحيث يصعب أن تصل إليها الأسلحة التقليدية،ولهذا جاء طرح الخيار النووي، وعلى غرار الحال بالنسبة للعراق، فإن رد الفعل هذا غير مشروط بما إذا كانت إيران متورطة في الفعل الإرهابي ضد الولايات المتحدة أم لا،
حيث أن العديد من كبار ضباط سلاح الجو الأميركي والذين انخرطوا في التخطيط يشعرون بالخوف من انعكاسات ما يقومون بفعله، ولكن لا أحد منهم مستعد للإضرار بسيرته المهنية بتسجيل أي اعتراضات. فلماذا أعطى نائب الرئيس تعليمات إلى العسكرية الأميركية بإعداد خطط «بهجوم نووي غير مستفز» ضد إيران ؟.
ومع الطرح جانبا للتأثيرات الأخلاقية المشينة، فإن الشيء المثير والملحوظ، أنه في الأسبوع نفسه الذي نشرت فيه هذه المقالة، ذكرت صحيفة «الواشطن بوست» أن أحدث تقرير للاستخبارات الوطنية بشأن البرنامج النووي الإيراني قد كشف عن أن إيران بحاجة إلى عشر سنوات لتصنيع المكونات الرئيسية للسلاح النووي، وهو ما يضاعف الفترة الزمنية التي قدرها تقدير سابق والذي توقع أن إيران بحاجة إلى خمس سنوات لتصنيع المكونات الرئيسية للسلاح النووي.
ورصدت هذه المقالة ملحوظة مفادها أن هذا التقييم موضع إجماع بين وكالات الاستخبارات الأميركية، وعلى خلاف البيانات العامة القوية الصادرة عن البيت الأبيض، فإن السؤال الذي مازال مطروحا هو : لماذا يدافع نائب الرئيس عن هجوم نووي تكتيكي محتمل ضد إيران في حالة هجوم إرهابي آخر ضد الولايات المتحدة حتى ولو لم تكن إيران متورطة في هذا الهجوم ؟
* ضمان السيطرة الأميركية
وربما ترتبط إحدى الإجابات بالأسباب نفسها التي دفعت الولايات المتحدة إلى شن غزو للإطاحة بالحكومة العراقية، وتتعلق بالاقتصادات الكلية والرغبة الشديدة في الحفاظ على الوضع المسيطر للاقتصاد الأميركي، ويبرز في قلب هذه الأهداف، الحيلولة دون تآكل هيمنة «البترو ـ دولار» والذي من شأنه أن يجبر الولايات المتحدة على تغيير سياساتها الراهنة فيما يتعلق بالضرائب والديون والتجارة والطاقة والتي تنطوي على أوجه اختلالات كبيرة.
ويبدي المحافظون الجدد الرغبة في تحمل مخاطر تكتيكية واستراتيجية هائلة في منطقة الخليج، والسبب وراء ذلك ببساطة هو الحفاظ على الهيمنة العالمية الأميركية بأية تكلفة. وحتى الوقت الحالي، فإن إحدى العقبات الفنية الأكثر صعوبة التي تواجه نظام المتاجرة على النفط بعملة اليورو هي الافتقار إلى مقياس لتسعير النفط باليورو، أو ما يسمي «بالأساس المرجعي للنفط»، حيث إن الأسس المرجعية الحالية للنفط مقومة بالدولار، وتشمل خام غرب تكساس الوسيط .
ترجمة وإعداد: مجدي عبيد