تساءل الكثير من المراقبين حول الكيفية التي توصلت من خلالها الهند وباكستان بشكل سريع ودون أية عقبات لعقد اتفاقية مشتركة مع إيران لنقل الغاز لهذين البلدين في وقت تشهد فيه العلاقات بين نيودلهي وإسلام أباد توتراً شديداً. وتقدر مصادر هندية تكلفة مد خط أنابيب مقترح لنقل الغاز بين إيران والهند بما يتراوح بين سبعة وثمانية مليارات دولار.

وكانت التقديرات السابقة لتكلفة المشروع تدور حول أربعة مليارات دولار.وأخذت التقديرات الجديدة في الاعتبار عامل التضخم والزيادة الكبيرة في أسعار الحديد والصلب. وكان أول اجتماع للجنة العمل المشتركة قد ناقش تكلفة المشروع وإطار العمل القانوني لتأمين الإمدادات والمسار المحتمل للمشروع الطموح الذي يهدف لنقل الغاز الطبيعي من إيران إلى الهند بواسطة خط أنابيب يمتد عبر باكستان.

ومن المتوقع أن يؤمن المشروع مصالح البلدان الثلاثة إيران وباكستان والهند ويفتح باباً واسعاً للتعاون بينها على الصعيد الإقليمي. ويلبي الأنبوب الحاجة المتزايدة من الغاز الطبيعي للهند، وسيؤدي إلى زيادة عائدات باكستان بمقدار 580 مليون دولار لقاء رسوم مرور.وتنتج الهند نصف احتياجاتها فقط من الغاز الطبيعي.

وتقول الحكومة إن استيراده أمر ضروري للمحافظة على النسبة المتوقعة للنمو الاقتصادي السنوي بين 7 و8%. وتتجه الأنظار إلى المشروع الذي اقترحته إيران التي تملك ثاني اكبر احتياطيات غاز في العالم باعتبار أنه سيساعد في تحقيق السلام بين الهند وباكستان الجارتين المتنازعون اللتين تملكان قدرات نووية.

وبعد إقناعهما الهند بالمشاركة في خطط مد خط أنابيب لنقل الغاز عبر الحدود كثفت إيران وباكستان مساعيهما الدبلوماسية لتحويل المشروع إلى واقع ملموس.وسجل رئيس الوزراء الباكستاني شوكت عزيز زيارة إلى طهران.ووفقاً لمصادر إيرانية مسؤولة فإن المشروع سيفيد الدول الثلاث جميعا ويحسن كثيرا من العلاقات السياسية والاقتصادية بين الهند وباكستان.

ومن المتوقع أن يعود خط الأنابيب على باكستان بملايين الدولارات من رسوم المرور لكن الأهم انه سيخلق رباطا اقتصاديا قوياً بينها وبين منافستها النووية الهند التي سوف تحصل على تأكيدات من إسلام أباد بأن باكستان ستحافظ على حسن الجوار في المستقبل وان رجال القبائل المتشددين في إقليم بلوخستان بجنوب غرب باكستان لن يشكلوا خطرا على خط أنابيب يمتد عبر أراضيهم.

لكن المخاوف لن تكون غائبة تماماً ووفقاً لمحلل باكستاني فإن من الطبيعي أن توجد مخاوف وصعوبات في مشروع مثل هذا لكن كل المشكلات يمكن تذليلها.ويرى الجانب الهندي أن حل المسائل التقنية والتجارية والمالية والقانونية ووضع الشركات الدولية المالية تشكل أهم القضايا التي ستضمن أمنه.

كما تأتي أهمية المشروع بالنسبة لباكستان انطلاقاً من الحاجة المتزايدة لمصادر الطاقة في ظل المشروعات الجديدة التي تنفذها البلاد حالياً. وأثار التعاون الاقتصادي الثلاثي بين إيران والهند وباكستان اهتماماً عالمياً كبيراً بعد أن بدأ يأخذ منحنى عملياً واضحاً خلال الفترة القليلة الماضية.

وفي آخر تطور في إطار هذه العلاقة اقترحت الهند على باكستان خلال المحادثات الاقتصادية والتجارية التي عقدت بينهما في نيودلهي منتصف الأسبوع إقامة طريق بري لتنشيط التجارة وتخفيف قيود تأشيرات السفر بين البلدين. واندرجت تلك المحادثات في إطار حوار تناول ثماني قضايا وهدف إلى تسوية الخلافات التي توتر العلاقات الثنائية بين الجانبين ودفع عملية السلام.

وطلب وزير التجارة الهندي من باكستان دراسة فكرة مد طريق بري بين مدينتي واجاه وأتاري لتنشيط التبادل التجاري بين البلدين على أساس دائم. وقال «هناك إمكانية لتوفير فرص عمل من خلال زيادة الأنشطة الإضافية على هذا الطريق ويمكننا أن نحقق الرخاء للقرى وننعش الاقتصاديات الريفية على جانبي الحدود».

ومن بين الإجراءات الأخرى التي اقترحتها الهند تخفيف قيود إصدار تأشيرات السفر وتيسير إجراءات شحن البضائع لتعزيز التجارة بين البلدين. وبالنسبة لإيران فتوقع سفيرها لدى الهند بارتفاع قيمة التبادل التجاري بين البلدين من 3. 2 مليار دولار إلى 5 مليارات دولار خلال الأعوام الثلاثة المقبلة.

ودعا أعضاء غرفة التجارة والصناعة الهندية، المستثمرين الهنود الى تشكيل شركات استثمارية مشتركة مع الجانب الإيراني.واعتبر توافر الطاقة بأثمان زهيدة وسهولة التوصل إلى أسواق آسيا الوسطى من أهم العوامل التي تمتاز بها إيران لتوظيف الاستثمارات الأجنبية.وأكد السفير الإيراني ان قيمة المشاريع المشتركة المقررة بين الشركات الإيرانية الهندية تبلغ ؟؟ مليار دولار.

والمؤكد أن إيران تشكل ضلعاً مهماً في المحور الجديد انطلاقاً من أهميتها الاقتصادية. حيث تصدر بضائع وخدمات يبلغ متوسطها السنوي أكثر من 10 مليارات دولار. وتخطط إيران للوصول بحجم صادراتها من البضائع إلى 25 مليار دولار خلال الفترة المقبلة.ووصلت عدد المنتجات الإيرانية المصدرة إلى الخارج إلى نحو 30 ألف منتج يتم تصديرها إلى نحو 170 بلداً.

واستطاعت إيران وبسبب الجهود التي بذلتها من أجل تنويع مصادر الدخل تعويض الانخفاض في أنشطة القطاع النفطي من خلال معدلات نمو عالية في القطاعات غير النفطية.واستطاعت تحقيق معدلات نمو تراوحت بين 5 ـ 6% خلال السنوات الماضية. ولم تنحصر العلاقات النامية بين إيران والهند على المجال النفطي فحسب، وإنما امتدت لكي تشمل أيضاً تعاونا على الصعيد العسكري.

فبحسب دراسة أعدها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية هناك تعاون بين البلدين في مجال صنع غواصات لإيران تتناسب مع مياه الخليج الحارة وهو أمر لا يتوفر في الغواصات التي حصلت عليها طهران، حتى الآن، من روسيا. يعتمد الاقتصاد الهندي في جزء كبير من نشاطه على قطاع الخدمات وتأتي تكنولوجيا المعلومات في طليعة تلك الخدمات،

حيث نجحت الهند في بناء صورتها كمُصدّر رئيسي لبرمجيات الكمبيوتر المتميزة في العالم، حتى أصبحت في المرتبة الثانية عالمياً، بعد الولايات المتحدة. وحققت صادرات الهند من البرمجيات نسبة نمو 26% في عام 2004 وبلغت قيمتها 12 مليار دولار، ويتوقع اتحاد شركات البرمجيات الهندية أن تبلغ قيمة الصادرات الهندية من هذه الصناعة 50 مليار دولار عام 2008.

كما حقق مركز صناعة التكنولوجيا الهندي في بنجالور نمواً بأكثر من النصف لصادراته من صناعة البرمجيات، لتتجاوز قيمتها 6 مليارات دولار في السنة المنتهية في مارس الماضي، وشهدت المدينة إنشاء 198 شركة جديدة لقطاع تكنولوجيا المعلومات ليرتفع عددها إلى 1520 شركة.

ويشير مراقبون إلى أن الهند تمكنت من تحقيق هذا النجاح بفضل توافر عدد من العوامل، يأتي على رأسها، وفرة خريجي الجامعات والمعاهد التقنية بأعداد هائلة من المهندسين وأختصاصيي تكنولوجيا المعلومات، حيث تخرج كليات الهندسة نحو 000. 180 مهندس كل عام، يتحدثون الإنجليزية،

وهي اللغة المهيمنة على قطاع تكنولوجيا المعلومات ـ فضلاً عن استعدادهم للعمل بأجور منخفضة تصل إلى أقل من 15% من نظرائهم في الغرب، بالإضافة إلى توافر البنية التحتية القوية لقطاع الاتصالات، والتي تؤمن اتصالاً جيداً مع كل أنحاء العالم. ويرى المختصون أن أحد العوامل المهمة للتفوق الهندي في مجال تكنولوجيا المعلومات يعود إلى تطوير الخبراء الهنود لحلول برمجية متقدمة،

خاصة حلول التجارة الإلكترونية، وحلول قواعد البيانات، والحلول المحاسبية، وحلول النشر الإلكتروني، مما يسهل على الشركات الأجنبية الاعتماد الكامل على الشركات الهندية. وتعتبر الولايات المتحدة الأميركية أكبر سوق لصادرات البرمجيات الهندية، حيث استوعبت عام 2004 نحو 62%، واحتلت أوروبا المرتبة الثانية، بما يعادل 30% من إجمالي تلك الصادرات.