برزت مؤشرات عديدة خلال الفترة الأخيرة تدل على أن الاقتصاد المغربي بدأ يشهد تحسناً نسبياً في بعض قطاعاته على الرغم من التحذيرات التي تضمنتها التقارير الدولية بشأن انتشار الفساد.وبلغ الحجم الإجمالي لمعاملات بورصة الدار البيضاء في الشهور الخمسة الأولى من العام الجاري 68 مليارا ومليوني درهم، بمعدل يفوق أربع مرات الحجم المسجل في الفترة نفسها من عام 2004.

وذكرت مصادر وزارة المالية والخصخصة أن حوالي 7. 30 في المئة من الحجم الاجمالي للمعاملات تم على مستوى سوق الكتل، حيث شكل سند «اتصالات المغرب» نسبة 5. 85 في المئة، فيما سجلت السوق المركزية ما نسبته 2. 12 في المئة من الحجم الاجمالي للمعاملات.وأضافت، أن أسهم «اتصالات المغرب» و«البنك المغربي للتجارة الخارجية» مثلا على التوالي نسبتي 7. 32 و1. 11 في المئة من المبادلات بالسوق المركزية.

وأوضحت المصادر أن بورصة الدار البيضاء عززت هذا العام تكريس الثقة بامكاناتها، مشيرة إلى أنه مقارنة مع نهاية ديسمبر 2004 فإن مؤشري (مازي) و(ماديكس) سجلا ارتفاعا على التوالي بنسبة 6. 3 و3 في المئة، في حين ارتفعت رسملة البورصة بنسبة 5. 2 في المئة.وعزت المصادر هذا التحسن إلى أداء قطاعات شركات التمويل (7. 17 في المئة) والصناعة الغذائية (7. 13 في المئة) والبنوك (6. 11 في المئة) والبناء والأشغال العامة (5. 4 في المئة)، رغم تراجع قطاع المناجم (ناقص 1. 22 في المئة).

واظهرت احصاءات رسمية ان اجمالي قيمة حقوق الاستيراد بلغ حتى نهاية يونيو 11. 6 مليار درهم «نحو 690 مليون دولار» بارتفاع 9. 7 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية التي بلغت 5.6 مليارات درهم. وقالت احصاءات ادارة الجمارك والضرائب غير المباشرة في موقعها على الانترنت ان هذه الزيادة ادت إلى زيادة حصيلة الجمارك خلال النصف الاول من العام الحالي بنسبة 7.3 في المئة إلى 34. 6 مليارات درهم من 99. 5 مليارات درهم.

وزادت حقوق الاستيراد خلال شهر يونيو فقط بنسبة 5. 21 في المئة. واشارت الاحصاءات إلى ان اجمالي دخل الجمارك ارتفع بنحو 31.7 في المئة من 12.43 مليار درهم خلال الستة اشهر الاولى من السنة الماضية إلى 42. 72 مليار درهم خلال النصف الاول من هذا العام. وقالت الادارة في تقريرها ان هذا «التطور الايجابي» يرجع ايضا إلى ارتفاع ضريبة القيمة المضافة ورسوم الاستهلاك الداخلي بنسبة 5. 02 في المئة و3. 8 في المئة على التوالي خلال الفترة نفسها.

لكن في الجانب الآخر قال تقرير للبنك الدولي ان المغرب مازال يحتل مكانة متواضعة في سلم التنمية بسبب استفحال الرشوة وعدم فعاليات النفقات العامة.وجاء في تقرير البنك الخاص بدول المغرب العربي والذي نشرت أجزاء منه في الرباط، ان المغرب انتقل، خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، من نظام مركزي جدا إلى نظام ليبرالي، إلا أن هذا التحول لا يعني أن أمور التسيير وصلت إلى قدر كبير من الشفافية.

وكانت الحكومة المغربية فتحت في السنوات الأخيرة مجموعة من الملفات المتعلقة بنهب أموال عدد من المؤسسات العامة ومنها «بنك القرض العقاري والسياحي» و«الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي» و«الصندوق الوطني للقرض الفلاحي» لكن لم يتم الحسم فيها حتى الآن.

ووفقا لتقديرات «منظمة ترانسبرانسي الدولية» فان المغرب شهد تراجعا في ترتيب مؤشر الرشوة، حيث انتقل من الرتبة 70 عام2003 إلى الرتبة 77 عام2004 ، بينما كان يحتل الرتبة 45 قبل خمس سنوات فقط.الى ذلك، أظهرت بيانات رسمية ارتفاع عدد العاطلين، خلال الشهور الستة الأولى من العام الجاري، بنسبة 6. 1 في المئة، ليبلغ حوالي مليون و239 ألف شخص.

وأرجعت البيانات التي نشرتها «المندوبة السامية للتخطيط» هذا الارتفاع إلى الضعف الذي تميز به الموسم الزراعي، وتراجع معدل النشاط بالنسبة للأشخاص البالغين من العمر 15 عاما فما فوق ب3. 0 نقطة وقال تحليل نشرته «رويترز» ان على المغرب أن يخفض ديونه التي بلغت نسبتها نحو 75 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي في الاقتصاد الذي يقدر حجمه بنحو 50 مليار دولار وأن يرفع معدلات النمو الاقتصادي للوصول إلى تصنيف مؤسسة ستاندارد اند بورز الذي يشجع على الاستثمار فيه.

ويقول المحللون إنه اذا استمر الايقاع الراهن للاصلاح فان الوصول إلى هذا التصنيف الذي يضمن بيئة آمنة بشكل عام للمستثمرين الاجانب ويسمح للمغرب بالاقتراض بفوائد أرخص قد يستغرق سنوات. ورفعت مؤسسة ستاندارد اند بورز للتصنيف الائتماني هذا الاسبوع تصنيفها للدين السيادي طويل الاجل في الرباط إلى «بي بي زائد» أي بأقل درجة واحدة عن «بي بي» وهو التصنيف الذي يشجع على الاستثمار مشيرة إلى تحسن الوضع المالي الخارجي والاصلاح الاقتصادي.

وأبقت على توقعاتها لتصنيف المملكة مستقرة وقال محلل من الدار البيضاء «ساعد بيع أصول الدولة على مدى الاعوام القليلة الماضية وارتفاع ايرادات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج في وصول الاحتياطيات بالعملة الاجنبية في عام 2004 إلى مستوى يغطي بدرجة كبيرة الدين الخارجي العام لاول مرة منذ عقود». وأضاف المحلل الذي طلب عدم نشر اسمه «هذا يفسر بدرجة كبيرة وان لم يكن بشكل منفرد تصنيف ستاندارد اند بورز الجديد.»

وبلغت الاحتياطيات بالعملة الاجنبية 9ر14 مليار دولار في يونيو عام 2005 بانخفاض 500 مليون دولار عن مستواها قبل عام. وبلغ الدين الخارجي العام 14 مليار دولار في نهاية عام 2004 وتمكن المغرب على مدى الاعوام السبعة الماضية من خفض الدين الخارجي بنحو النصف لكن في الوقت الراهن لجأت وزارة المالية إلى الاستدانة من السوق المحلية لوفرة السيولة فيه وانخفاض أسعار الفائدة

وأبقت هذه السياسة على نسبة الدين العام إلى اجمالي الناتج المحلي عند مستويات مرتفعة في بلد يجاهد للحفاظ على استقرار بيانات النمو. واقتصاد المغرب عرضة لتقلبات الاحوال الجوية اذ أن قطاعه الزراعي يعمل به نحو 40 بالمئة من قوة العمل ويمثل ما يصل إلى 15 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي.

ومن المقدر ان ينمو الاقتصاد بمعدل 8ر1 بالمئة في عام 2005 بالمقارنة مع 6ر3 بالمئة في عام 2004 بعد ان أصاب الجفاف الانتاج الزراعي هذا العام. وقال لوك مارشاند من ستاندارد اند بورز إن حجم الدين الحكومي العام المغربي والمتوقع أن يبلغ 5ر73 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي في عام 2005 يزيد على نسبة 7ر49 بالمئة المطلوبة للحصول على تصنيف بي بي المتوسط. ولا يمكن للمغرب الوصول إلى التصنيف الذي يشجع على الاستثمار اذا لم يحل هذا الامر».

ومن المتوقع أن ترتفع نسبة الدين إلى اجمالي الناتج المحلي إلى نحو 75 بالمئة في نهاية عام 2007 بسبب اثر ارتفاع أسعار النفط وتكاليف خطة التقاعد المبكر التي تبدأ هذا العام للعاملين في الادارات العامة على الميزانية. لكن مارشاند اضاف أن الاثر الايجابي لخطة التقاعد على أجور العاملين في الحكومة والخفض المزمع لدعم الدولة للدقيق والسكر واستمرار تحسن جباية الضرائب من شأنها تخفيف معدل الدين لاجمالي الناتج المحلي بعد عام 2007

وتابع مارشاند المقيم في لندن انه من حسن الحظ ان قطاع السياحة يزدهر فمن المتوقع أن ترتفع ايرادات القطاع بما بين سبعة وثمانية بالمئة كل عام وان تزيد التحويلات النقدية من أكثر من مليوني مغربي يعملون في الخارج بنسبة واحد بالمئة سنويا.لكن أثر ذلك على معدل الدين لاجمالي الناتج المحلي لن يظهر على الفور.

وقال المحلل من الدار البيضاء «لان معدل النمو الاقتصادي بطيء للغاية سيكون التراجع تدريجيا لا يتجاوز نقطتين مئويتين سنويا». ويقول مارشاند ان تسريع معدل النمو الاقتصادي يصبح ضرورة للاقتصاد الذي يعاني من نقص الاموال والمقدر أن يخسر 2ر13 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي في عام 2005 لدفع أجور العاملين في الحكومة وواحد بالمئة أخرى لدعم الوقود والدقيق والسكر ودعم الحصيلة الضريبية من شأنه تحسين الوضع.

وقال الاقتصادي سعد بلغازي «نظامنا الضريبي يمكن بدرجة كبيرة جعله مثاليا. فهو ربحي ويعتمد على قاعدة كبيرة من الممولين ويمكن ان يساعد الدولة على توفير الموارد الكافية وتهيئة الظروف لانعاش الاقتصاد.»وقال بلغازي الذي يقدم الاستشارات للبنك الدولي في الرباط ان السلطات يمكنها جعل تقديم اقرارات بالثروات اجبارية وان تفرض ضرائب على قطاع ضخم من الانشطة الاقتصادية غير الرسمية لزيادة الحصيلة.وأضاف «ومازال يتعين أن ننتظر لنرى ما اذا كان لدى الدولة الارادة السياسية لتنفيذ مثل هذه الاجراءات».

الرباط ـ «البيان»