في بلادنا يقول المثل «باب النجّار مخلّع»، أو «الاسكافي حافي». هذا يعني محرّضا على أمر لا يؤمن به شخصيا. هكذا هي حال وكالات الإعلانات، تكاد تقنع طوب الأرض بضرورة الإعلان وجدواه، وهي تكاد تكون الشركات الوحيدة التي لا تقوم بأي نشاط إعلاني خاص بها. هذا الموضوع محور لجدل متجدد، وتحديدا في الولايات المتحدة الأميركية، السوق الإعلاني العملاق.
وتقول أرقام حديثة نشرتها مجلة «آد إيدج» المتخصصة في شؤون الإعلان والتسويق، ان كل شركة كبيرة في الولايات المتحدة الأميركية تخصص ما بين 2% إلى 16% من موازنتها من أجل النشاط الإعلاني، كما أنّ لائحة أكثر 100 شركة معلنة تشير إلى أن الإنفاق الإعلاني لهذه الشركات قد جاوز رقم ال9. 93 مليار دولار في العام 2004.
هذا يعني أن الإعلان يشكّل العمود الفقري في العملية الاتصالية الاستهلاكية لأكثر الأنظمة الاقتصادية تأثيرا في العالم، أي الاقتصاد الأميركي. ويضع الكثير من خبراء التسويق، ومن بينهم الشهير آل رايس، الكثير من علامات الاستفهام حول امتناع شركات الإعلانات عن الإعلان.
ويسخر رايس من هذا الإجراء بالقول: «إنهم لا يؤمنون بالإعلان. كيف لنا أن نصدّق ذلك؟ وتفضّل وكالات الإعلان الأميركية أن تصدر البيانات الإخبارية عن آخر حملاتها وأنشطتها وتخصص لها المجلات والصحف المتخصصة، ولا تقوم بالإعلان».
واليوم، تتسّلط الأضواء بشكل كبير على أربع وكالات إعلان كبرى في السوق الأميركية، تقول التقارير إنها تستحوذ على 57% من الإنفاق الإعلاني الكلّي هناك، وهي: اومنيكوم، دبليو بي بي، انتربابليك وبابليسيس. وقد وصلت عائدات هذه الشركات في العام الماضي على التوالي إلى 7. 9 مليارات دولار، 2. 8 مليارات دولار، 9. 5 مليارات دولار و2. 5 مليارات دولار.
وهي تتشارك في حصص إعلانية تصدّرها الشركات العاملة في القطاعات التالية: السيارات «1. 3 من الإنفاق الإعلاني الكلي»، المشروبات الكحولية «6. 8»، أجهزة الحاسوب والبرمجيات «8. 2»، منتجات التجميل والعناية الشخصية «16»، المسكنّات «9. 8»، مطاعم الوجبات السريعة «8. 5»، الأطعمة «5»، التجزئة «1. 2»، المشروبات الغازية «2. 7» والاتصالات «7. 3».
وتشير عائدات كبرى وكالات الإعلان إلى «البحبوحة» الاقتصادية التي تعيشها هذه الشركات اليوم، والتي تجعلها تتصدّر لوائح أكثر الشركات ثراء. ومثال على ذلك وكالة أومنيكوم التي احتلّت المرتبة 230 على لائحة فورتشن لأكثر 500 شركة ثراء في الولايات المتحدة الأميركية.
وعائدات هذه الشركة التي تصل إلى 7. 9 مليارات دولار تتجاوز عائدات شركات عملاقة مثل كيلوج، هاينز، آبل، ساوثت ايرلاينز، وغيرها. هذا يعني أن لدى وكالات الإعلان ما يكفي من المال للنشاط الإعلاني ولا يعود إحجامها عن الأمر إلى أسباب تجارية.
ولكن، قد يسود اعتقاد أن هذه الوكالات التي تتمتع بسمعة واسعة الانتشار لا تحتاج إلى الإعلان عن خدماتها. وهذه فكرة تردنا إلى العنوان الرئيسي الذي يناقض ما تروّج له هذه الوكالات حين تقول لعملائها إن أفضل طريقة لترسيخ العلامة التجارية هي استخدام إعلان ذكيّ.
الجدير ذكره أن عادة أن تقوم شركات إعلان بالإعلان عن نشاطها، هي عادة قديمة. وفي السوق الأميركية يتذكّر الجميع تقليد وكالة «يونغ أند روبيكوم» بالإعلان في كل عدد من مجلة «فورتسين» طوال ثلاثين عاما بين 1930 و1960. وكذلك الأمر بالنسبة إلى شركة «مارستيلير» منذ إنشائها في العام 1951 حتى شرائها من قبل «يونغ أند روبيكوم» في العام 1979.
ولا يمكن عدم ملاحظة أن الأمر يختلف في بلادنا عما هو في الولايات المتحدة. فوكالات الإعلان العالمية، الممثلة بمكاتب في منطقة الخليج، لا تتوانى عن الإعلان عن نشاطها وتحديدا في المجلات التسويقية المتخصصة وأحيانا في وسائط أخرى. هنا، يصبح المثل: باب النجار الأميركي، فقط، هو المخلّع!
إبراهيم توتونجي