شهد الأسبوع الماضي ارتفاعاً حاداً في أسواق النفط وبلغت الأسعار ذروتها الجمعة، حيث أغلق الأميركي الخفيف في نايمكس عند 80. 66 دولاراً للبرميل بالنسبة لعقود سبتمبر، كما أغلق خام برنت في لندن عند 50. 66 دولاراً. وسجلت الأسعار أرقاماً قياسية غير مسبوقة خلال الأسبوع، مما أثار مخاوف كبيرة في أوساط المستهلكين. ولم يعد هناك من بين المحللين من يستبعد توجه الأسعار نحو 70 دولاراً في المستقبل المنظور.
وصعد البنزين في عقد سبتمبر إلى 0145. 2 دولار للغالون وهو أعلى سعر للعقد منذ بدء تداوله في سوق نايمكس عام 1984. وزادت أسعار البنزين 4. 9 في المئة مقارنة مع مستوياتها قبل أسبوع وزادت 54 في المئة عن مستوياتها منذ العام الماضي. كما ارتفع سعر زيت التدفئة في عقود سبتمبر في نايمكس 70. 0 سنت إلى 9055. 1 دولار للغالون.
وجاء الارتفاع القياسي في أسعار النفط خلال الأسبوع بسبب استمرار المخاوف المتعلقة بالضغوط على إمدادات البنزين في الولايات المتحدة في ذروة موسم استهلاكه في العطلات بسبب مشكلات في مصاف أميركية. وارتفع الطلب على البنزين في الأسابيع الأربعة الماضية في حين استمرت عمليات توقف غير متوقعة في المصافي في تعطيل الإنتاج.
فأغلقت بي.بي وحدات في مصفاتها بتكساس منتصف الأسبوع في حين عانت مصفاة كونوكو فيليبس في وود ريفر من مشكلات تتعلق بالكهرباء. كما فاقم من المشكلة أيضاً زيادة المخاوف بشأن إمدادات الخام من التأثيرات التي ترفع الأسعار. حيث أثار قرار إيران استئناف برنامجها النووي متجاهلة دعوات الوكالة الدولية للطاقة الذرية لها بوقف هذه الأنشطة من المخاوف من أن تحال إيران ثاني أكبر منتج بين أعضاء أوبك إلى مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات عليها.
وخفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لنمو إمدادات الخام من خارج أوبك في عام 2005 بمقدار 205 آلاف برميل يومياً لتصل الزيادة إلى 675 ألف برميل يومياً، مشيرة إلى أعطال غير متوقعة من قبل وإنتاج أقل من المتوقع. وقالت الوكالة في تقريرها الشهري عن سوق النفط إنها خفضت توقعاتها لاستهلاك النفط في الصين بمقدار 40 ألف برميل يومياً ليصل النمو إلى 320 ألف برميل يومياً.
ومن المتوقع الآن أن يبلغ النمو في الطلب 9. 4 في المئة هذا العام مقارنة مع 15 في المئة العام الماضي. وأضافت الوكالة أن ذلك سيؤدي إلى خفض النمو المتوقع في الطلب على النفط في الصين العام المقبل بمقدار 20 ألف برميل يومياً. وقال التقرير ان هناك مؤشرات أولية على أن شركات التكرير ربما تعمد في أغسطس وسبتمبر لخفض صادرات المنتجات المكررة.
وعدلت الوكالة الطلب المتوقع في الربع الثالث بالخفض بمقدار 120 ألف برميل يومياً، كما عدلته في الربع الأخير من العام بالخفض بمقدار عشرة آلاف برميل يومياً.وكانت بيانات حكومية صينية قد أظهرت ان واردات الصين من النفط الخام في اول سبعة شهور من عام 2005 زادت بنسبة 5. 5 بالمئة مقارنة مع الفترة نفسها من عام 2004 لتصل إلى 49. 74 مليون طن.
وفي يوليو وحده بلغت واردات الخام 07. 11 مليون طن بارتفاع 02. 15 بالمئة عن واردات الشهر نفسه من العام الماضي التي بلغت 61. 9 ملايين طن. وبلغ إجمالي واردات المنتجات النفطية في أول سبعة شهور من العام 12. 18 مليون طن بانخفاض 20 بالمئة عن العام السابق.
وتوالت ردود الفعل الدولية حول الوضع الحالي للأسواق، فمن جانبها قالت نشرة «أخبار الساعة» الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية في افتتاحيتها أمس أنه في ظل غياب طاقة إنتاج احتياطية عالمية عدا تلك الموجودة في السعودية والمقدرة بنحو لا يزيد على 5. 1 مليون برميل يومياً من الخامات الثقيلة وغير المرغوبة فإن ردة فعل السوق أصبحت قوية لأي نبأ أو تطور يصعد المخاوف من بعيد أو قريب بشأن اضطراب الإمدادات.
وأضافت أنه على الرغم من عدم وجود صلة مباشرة للتحذيرات من وقوع هجمات إرهابية في السعودية ولاستئناف إيران لأنشطة برنامجها النووي بواقع الإمدادات الحالية من الخام سواء من السعودية أو من إيران فإن كلا العاملين وقف بقوة وراء فورة الصعود الأخيرة في الأسعار.
وقالت إن الأسواق لم تشهد من قبل تلك الحساسية المفرطة حيال أي تطور أو توقعات بحدوث تطور ما لدى الدول المنتجة من شأنه أن يدخل اضطراباً في الإمدادات في دائرة الحسبان حتى وإن بدا هذا الاضطراب ضعيف الاحتمال بيد أن أهم ما كشف عنه الصعود الأخير في الأسعار هو حساسية أخرى
وغير مسبوقة للسوق حيال أوضاع الصناعة التكريرية لدى الدول المستهلكة وقدرتها على تلبية الطلب الحالي فقد أرجع المحللون جزءاً كبيراً من ارتفاع الأسعار إلى المشاكل الفنية التي واجهتها على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية مصاف نفطية أميركية تسهم في إنتاج 16 بالمئة من إجمالي المنتجات النفطية في الولايات المتحدة وهو ما أدى إلى توقف بعض عملياتها.
وأشارت إلى أنه مثلما تضخ الدول المنتجة بكامل طاقتها من أجل تلبية الطلب العالمي وهو ما قاد بإنتاج منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من 26 عاماً فإن المصافي النفطية في الدول المستهلكة تنتج بمستوى يقترب من إجمالي طاقتها
ما يعني أن أي اضطراب في عملياتها سينعكس مباشرة ليس فقط على أسواق المنتجات بل وأسواق الخام أيضا فعلى سبيل المثال يصل إنتاج المصافي الأميركية الآن إلى 8. 95 بالمئة من طاقتها الإنتاجية وهو أعلى مستوى له على الإطلاق.
ورأت أن هذه الحالة تعود إلى حقيقة ان الدول المنتجة كانت قد نبهت عليها مرارا وهي أن طاقة الصناعة التكريرية لدى الدول المستهلكة لم تعد تكفي لتلبية الطلب الفعلي وأنها أصبحت بحاجة ماسة إلى التوسع وذلك بعد سنوات عديدة من عزوف الدول المستهلكة خصوصا الولايات المتحدة عن بناء مصاف جديدة.
وأكدت النشرة أن أزمة أسعار النفط الحالية بقدر ما تظهر أهمية التنسيق والتعاون بين المنتجين والمستهلكين فإنها تسلط مجددا الأضواء على الحاجة الماسة لقطاع النفط العالمي إلى التوسع سواء في مجال تطوير الحقول الجديدة أو في مجال التكرير موضحة أن الاقتصاد العالمي أثبت في السنوات الأخيرة أن النفط ما زال وسيظل مصدر الطاقة الأول الذي لا يمكن من دونه تغذية النمو وتلبية ما يترتب عليه من حاجات.
وفي السياق ذاته قالت وقال محلل كبير في مجال عمليات الشحن إن نفط اوبك الذي سيتم شحنه خلال أربعة أسابيع حتى 27 أغسطس زاد بكمية 150 ألف برميل يومياً. وقال روي ميسون من مؤسسة أويل موفمنتس الاستشارية ان إجمالي الشحنات الفورية والآجلة بما فيها شحنات نفط العراق زادت إلى 38. 24 مليون برميل يوميا مقارنة مع 23. 24 مليون برميل يوميا في الأسابيع الأربعة المنتهية في 30 يوليو.
ورغم الزيادة قال ميسون ان الشحنات أو الصادرات المحمولة بحرا تراجعت من مستوى مرتفع في أوائل أغسطس بلغ 6. 24 مليون برميل يومياً. من جانبها أعلنت هيئة الإحصاء الحكومية في كازاخستان ان صادرات البلاد من النفط الخام ارتفعت بنسبة 1. 12 في المئة في النصف الأول من العام الحالي لتصل إلى 12. 28 مليون طن يوميا مقارنة بالفترة المقابلة من العام الماضي.
وزادت قيمة الصادرات في الفترة نفسها إلى 8. 8054 مليون دولار بارتفاع نسبته 78 في المئة. وارتفعت صادرات المنتجات النفطية بنسبة 2. 48 في المئة إلى 1584600 طن وزادت قيمتها بنسبة 8. 123 في المئة إلى 414 مليون دولار.ويرى العديد من الاقتصاديين أن الدول التي من المرجح أن تكون الأكثر تأثرا من جراء هذا الارتفاع في الأسعار، تلك التي تنتمي إلى قائمة الاقتصاديات الاستهلاكية النامية والتي تعد أكثر اعتمادا نسبيا على النفط بالمقارنة مع الدول المتقدمة.
وفي عدد من هذه الدول مثل اليمن وبعض دول أميركا الوسطى كان الارتفاع في أسعار النفط قد تسبب بالفعل في تفجر اضطرابات اجتماعية.وفي اندونيسيا أعلن نائب الرئيس الاندونيسي يوسف كالا أن حكومة بلاده قد تضطر إلى مضاعفة الدعم الذي تقدمه للوقود هذا العام نظرا للزيادة المستمرة في أسعار النفط.
وقال كالا إنه مع بلوغ أسعار النفط الخام العالمية إلى 66 دولارا للبرميل فإن الدعم الحكومي يمكن أن يصل إلى 150 تريليون روبية « 3. 15 مليار دولار أميركي» أي أكثر من ضعف ميزانية الحكومة. وقالت صحيفة «جاكرتا بوست» إن الزيادة في الدعم يمكن أن ترفع العجز إلى 70 تريليون روبية « نحو 5. 7 مليارات دولار» بعد أن كان يقدر بـ 2. 26 تريليون روبية أو واحد في المئة من إجمالي الناتج القومي.
ونقلت الصحيفة عن كالا قوله «إننا لا نستطيع العيش بحرق الأموال بهذه الأسعار المنخفضة للوقود على المستوى المحلي»، مضيفا «إننا لا نستطيع ببساطة توفير ذلك».وكان كالا قد أعلن في وقت سابق أن الحكومة الاندونيسية قد تجد نفسها مضطرة إلى زيادة أسعار الوقود المحلية لمرة أخرى هذا العام أو «مواجهة مشاكل خطيرة».
لكن التأثيرات طالت الدول الصناعية الكبرى أيضاً، ففي اليابان أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تراجع فائض ميزان المدفوعات الياباني بنسبة 9 بالمئة تقريبا في النصف الأول من العام الحالي ليصل إلى 751. 8 ترليونات ين استنادا لأرقام وزارة المالية اليابانية.
وقالت الوزارة في تقرير لها إن قيمة الواردات النفطية ازدادت بنسبة 34 بالمئة تقريباً وارتفعت واردات النفط الخام ومنتجات البترول بنسبتي 34 بالمئة و31 بالمئة تقريباً على التوالي في حين بلغ متوسط سعر البرميل للفترة المذكورة أي من يناير إلى يونيو 2. 45 دولاراً فيما يعتبر أعلى رقم قياسي.
وألقى الارتفاع المستمر لأسعار النفط العالمية بظلال كثيفة على اقتصادات منطقة اليورو، وكشفت بيانات اقتصادية تراجع معدل نمو اقتصادات دول المنطقة. وقالت وكالة الإحصاء الأوروبي يوروستات ومقرها لوكسمبورج إن معدل نمو اقتصاد منطقة اليورو خلال الربع الثاني من العام الحالي بلغ 3. 0 في المئة مقابل 5. 0 في المئة خلال الربع الأول من العام الحالي. وحذر البنك المركزي الأوروبي من تداعيات ارتفاع أسعار النفط على اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي.
وكانت وكالة الطاقة الدولية قد حذرت من عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي قد تنتج عن ارتفاع أسعار النفط. وعلى الرغم من أنها رأت أن أسعار النفط المرتفعة لم تحدث تحولاً بعد في التوسع الاقتصادي العالمي، لكنها حذرت من أن الأسوأ سوف يتحقق بالنسبة للاقتصاد العالمي الذي يمر بمرحلة الاستجابة لأسعار النفط المرتفعة في عام 2004 وما زال ينتظر ردة فعله حيال الاتجاه التصاعدي المثير لأسعار النفط هذا العام.