قدم المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي فيلمه الجديد «أخي عرفات»، في عرض نظمته جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني برعاية وزارة الثقافة بالتعاون مع «نادي السينما» في الاتحاد الدولي للصحافة الفرانكفونية فرع فلسطين.واستهل مشهراوي، فيلمه بمواجهة الكاميرا، قائلاً: أواجه منذ فترة سؤالاً واحداً لا يكف الآخرون، في العالم الخارجي عن طرحه علي، هو: وماذا بعد؟.

بالإشارة إلى السبيل للخروج من الموقف الحالي، الذي لم يعد يحتمل تأجيلاً، بعد كل المعاناة والعجز والتشتت واليأس، الذي يخيم على الحالة الفلسطينية. ويلفت مشهراوي، إلى أنه فكر طويلاً في السؤال، وتوصل إلى أن الإجابة ربما توجد عند شخص واحد فقط، هو ياسر عرفات الذي ظل لمدة خمسين عاماً يتولى الزمام، حتى على أدق أمور حياة شعبنا الفلسطيني،

وخلص إلى أن أكثر من يعرف ياسر عرفات منذ الطفولة، هو شقيقه الدكتور فتحي عرفات. ولم يتوقف المخرج فقط، عند المقابلات الطويلة عن ذكريات الزعيم المريض وعلاقته بشقيقه، الذي كان لا يزال على قيد الحياة، فقد اتخذ من المادة الدرامية التي توفرها الشخصية، مدخلاً للتعرف على المأزق الفلسطيني العام، من دون وجهة نظر جاهزة مسبقة.

ويتوجه المخرج بالكاميرا إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث يقيم الدكتور فتحي عرفات، لكنه يضطر للانتظار أياماً طويلة عند المعبر بين قطاع غزة ومصر، ويصور الوضع القاسي القائم هناك: عشرات الأشخاص يتدافعون وعشرات السيارات تصطف في فوضى والبعض يحمل معه فراشاً لتمضية الليل، والبعض الآخر يرقد في العراء، والجميع يدخن في توتر، وأجهزة الهاتف المحمول لا تكف عن الرنين.

ويتمكن المخرج في النهاية من الوصول إلى القاهرة، ويبدأ أولى جلساته مع فتحي عرفات الذي يبدو متمتعاً بحالة معنوية عالية، رغم تدهور حالته الصحية، حيث يقوم الاثنان معاً بزيارة المنزل، الذي كان يقيم فيه عرفات منذ الخمسينات وظل يتردد عليه إلى ما بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993.

ويبدأ الدكتور فتحي، الحديث عن علاقته بشقيقه منذ الطفولة، ويوضح الفرق بينه وبين شقيقه خلال مرحلة الدراسة الثانوية ثم الجامعية، بعد أن سيطرت الاهتمامات السياسية على عرفات واستولت عليه تماماً، في حين أدرك فتحي مبكراً أنه لا يستطيع أن ينذر نفسه تماماً للسياسة. ويرتّب مشهراوي مقابلة مع ياسر عرفات عن طريق فتحي، بيد أنه لا يتمكن من العبور إلى الجانب الآخر من مصر بسهولة،

ويضطر مجدداً للانتظار على الحدود بين غزة ومصر أياماً، ويتمكن الدكتور فتحي بعدها الحصول من السلطات الإسرائيلية على تصريح، لرشيد بزيارة رام الله لمدة يومين فقط، حيث يلتقي بعرفات ويتناول الاثنان طعام الغداء معه. ويتمكن مشهراوي من طرح السؤال الذي يشغله باختصار: وماذا بعد؟

ويصمت الرئيس عرفات طويلاً، وكأن السؤال قد سبب له حرجاً هائلاً، بل بالأحرى ألماً كبيراً، حيث يجيبه بعد جهد كبير، وهو يغالب رغبة واضحة في البكاء: إنا لها! ويتساءل رشيد معقباً: إنا لها يعني لازم نصبر! يمد مشهراوي إحساسه بالمرارة أكثر، فيقول إنه سيصور فيلماً في مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان والأردن عن الذين ينتظرون منذ عشرات السنين هناك. وينتقل بالفعل إلى أحد المخيمات في لبنان، يطرح الأسئلة،

لكنه لا يتلقى إجابات شافية. وفي القاهرة، يرقد فتحي في حالة حرجة بعد أن انتشر السرطان في جسده، ودخل في غيبوبة، وعلى الجهة المقابلة في رام الله، تتدهور الحالة الصحية للرئيس عرفات، وينقل إلى باريس، وكأن الرجلان تبادلا المواقع. فتحي في غيبوبة لا يعلم بما حدث لشقيقه، والشقيق أصبح على أعتاب الموت.

ويستشهد عرفات وتقام له تلك الجنازة المهيبة في رام الله، وهو مشهد يضمه مشهراوي إلى فيلمه لكي يصل به إلى ذروته العاطفية، ثم يخبرنا أن فتحي توفي في القاهرة بعد ثلاثة أسابيع بالضبط من وفاة شقيقه، دون أن يعلم أحدهما بوفاة الآخر! ويعتبر فيلم «أخي عرفات»، والذي تبلغ مدته 90 دقيقة، تجربة غير مسبوقة في السينما العربية،

حيث سار المخرج مشهراوي، على نهج المخرج الألماني فيم فيندرز في السبعينات، والذي اتفق مع المخرج الأميركي نيكولاس راي، على أن يصوره وهو يروي اعترافاته، خلال مواجهته الموت في أيامه الأخيرة، وهو على فراش المرض في أحد مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس، فقد صاحب مشهراوي الدكتور فتحي عرفات، شقيق الزعيم الراحل ياسر عرفات، خلال رحلة علاجه من السرطان في باريس وحتى وفاته.

وأطلق نقاد عليه اصطلاح فيلم غير خيالي، كونه أكثر دقة من اصطلاح «فيلم تسجيلي»، إذ أن المخرج لا يسجل فقط، بل يسجل ويوثق، ويعيد ترتيب الوقائع، ويحقق في الأحداث، وينقب وراء الشخصية التي يتناولها، حيث استخدم المخرج أسلوب الممثل داخل الفيلم، من خلال تحويل نفسه إلى ممثل يؤدي دوره الحقيقي كمخرج،

ويطرح التساؤلات أمام الكاميرا، ويسعى في الوقت ذاته للعثور على إجابات. وحضر الفيلم حشد من الجمهور، أجهشوا بالبكاء تأثراً، مما حدا بالقائمين على العرض، الاكتفاء بتعليقات المشاهدين، وإلغاء النقاش الذي كان مقرراً عقده في نهاية الفيلم.

غزة ـ ماهر إبراهيم