شارفت المعركة المستعرة منذ 3 سنوات بين شركات الأطعمة السريعة من جهة ومنظمات حماية المستهلك من جهة أخرى وشركات الإعلان من جهة ثالثة، على الانتهاء. الضربة القاضية، لسوء الحظ، ستسقط جمعيات حماية المستهلك بموجبها وسط حلبة دولية، امتدت مساحتها لتشمل الولايات المتحدة وأوروبا، وتضافرت فيها كل الضغوطات من أجل نصرة المصالح التجارية على حساب صحة المستهلك وتعرّضه لأمراض بسبب الأطعمة السريعة، وفي طليعة هذه الأمراض هناك بدانة الأطفال.

فقد انشغل الرأي العام الغربي طوال العامين الماضيين بقضية إعلانات التلفاز التجارية التي تروّج للأطعمة السريعة أو منتجات الحلوى التي تفيض بالسكريّات، ومدى تأثير هذه الإعلانات على الأطفال وارتباطها بالبدانة التي باتت تنال من أجسادهم بمعدلات قياسية غير مسبوقة وتهدد حياتهم الصحية بالخطر.

وظهرت دعوات عديدة من منظمات حماية المستهلك في الغرب، والجمعيات الأهلية وجهات أخرى، تقول بضرورة منع تعرّض الأطفال لهذه الإعلانات، وذهب البعض للمطالبة بمنع عرضها في فترات المشاهدة التي تجذب الأطفال.وقد وجدت هذه الدعوات صداها، حتى أن شركات أطعمة سريعة عملاقة في الولايات المتحدة الأميركية أجبرت على سحب هدايا الألعاب والرسوم الكرتونية من سلسلة مطاعمها،

بعد أن اتهمت بـ «إغراء» الأطفال من خلال هذه الألعاب، وربطها في وعيهم بوجبات الطعام السريعة، مما يجعلهم يقبلون عليها بشكل متزايد.إلا أن الميزان عاد وانقلب لصالح الشركات، عن طريق سلسلة من الدراسات «المضادة» التي صدرت عن هيئات، بعضها مستقل والبعض الآخر «مرتبط» بشركات الأغذية نفسها، والتي قللت بمجملها من أهمية الضجيج المثار حول إعلانات الوجبات السريعة التي يراها الأطفال وتأثيرها المضاد، وذهب بعضها لنفي أي تأثير لهذا النمط التسويقي على صحة الأطفال.

ومؤخرا، فاجأت الهيئة الفيدرالية التجارية الأميركية الأوساط الاستهلاكية بتصريحات قللت فيها من شأن جهود جمعيات نصرة المستهلك، حين كشفت أن الأطفال الأميركيين قد شاهدوا في العام 2004 إعلانات عن الطعام أقل مما شاهد أقرانهم في العام 1977.

وأكدت تصريحات الهيئة المستندة على المقارنة بين دراستين، إحداها قامت بها في العام 1977 وأخرى قامت بها شركة الأبحاث «أي سي نيلسون» في العام الماضي، أن كل طفل أميركي يتراوح عمره بين 2 و11 سنة قد شاهد اعلانات طعام سريع أقل بنسبة 33% في العام 2004، حيث شاهد 2724 اعلانا، عما كان عليه الأمر في العام 1977 حيث شاهد 4100 إعلان.

وتتزامن هذه التصريحات مع تزايد معدلات الانفاق الاعلاني لمطاعم وجبات الغذاء السريع. إذ تشير دراسات حديثة مصدرها «أي سي نيلسون» إلى أن إنفاق هذا القطاع في الولايات المتحدة الأميركية قد زاد بمعدل 2. 12% في الربع الأول من العام الحالي، عما كان عليه خلال الفترة ذاتها من العام 2004. فقد بلغ الانفاق 931 مليون دولار بزيادة مقدارها 101 مليون مقارنة مع الربع الاول من العام الماضي.

ولا تتوقف حرب الأرقام عند هذا الحد. فقد سبق وأوضحت ارقام اصدرتها منظمة الصحة العالمية ان نسبة البدانة بين الاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين عامين وأربعة اعوام تضاعفت تقريبا بين عامي 1989 و1998 لتصل الى 9 % بعد ان كانت 5%. وكشفت دراسة أخرى عن أن النوعية السيئة للغذاء وعدم ممارسة الرياضة تسببتا في وفاة أربعمئة ألف شخص في الولايات المتحدة عام 2000 بارتفاع 33% عن عام 1990.

وقالت الدراسة إن ثلثي المراهقين في الولايات المتحدة وتسعة ملايين طفل مصابون إما بزيادة الوزن أو البدانة المفرطة. وجاءت الضربة الاولى لمثل تلك الأصوات من الولايات المتحدة الأميركية حيث وافق مجلس النواب الاميركي، في مارس العام الماضي، بأغلبية 276 صوتا مقابل 139 صوتا، على قانون يمنع إقامة الدعاوى القضائية ضد الشركات المنتجة والبائعة للأغذية والمشروبات التي تصيب الانسان بالبدانة.

واستند القانون المسمى «تشيزبرجر» على فكرة أنه يجب على المستهلكين أن يدركوا انهم لا يستطيعون لوم الآخرين على عواقب ما يقومون به. ويعود تاريخ أول قضية رفعت ضد شركات الأغذية السريعة في الولايات المتحدة إلى عام 2002، عندما رفع اميركي من نيويورك دعوى قضائية ضد سلسلة مطاعم ماكدونالدز واتهمها فيها بالمسؤولية عن إصابته بالبدانة والسكر. ومنذ ذلك الوقت، تم رفع عدد من القضايا المشابهة في أنحاء البلاد.

الضربة الثانية جاءت من بريطانيا، حيث ذكر مجلس بحوث قضايا المجتمع البريطاني، الذي تدعمه الشركات الغذائية والحكومة، مؤخرا أن متوسط وزن الأطفال لم يزد إلا بنسبة ضئيلة. وقد أشار المسح إلى أن متوسط وزن طفل في الخامسة عشرة من العمر هو 7. 60 كيلوجراماً عام 2003، مقارنة مع 8. 58 كيلوجراماً لعام 1995. وقال تقرير مجلس البحوث: «بإمكاننا أن نستخلص من تلك الإحصاءات أنه لم يحدث تغيير مهم في متوسط أوزان الأطفال خلال فترة عقد من الزمان تقريباً».

إبراهيم توتونجي