تبدو الفيديو كليبات في لبنان كأنها بديلنا عن الأفلام السينمائية التي لا تزال نادرة، مترددة، كأنها، أي الفيديو كليبات، فن يقع بين التلفزيون الذي بتنا نبرع في مجالاته، والسينما التي لا نزال نأمل ان تتطور ويصبح لها وجود لبناني مستقل. خريجو الجامعات اللبنانية في المجال السمعي البصري، غالبا ما يبدأون حياتهم المهنية في التلفزيون.

أو في الإعلانات، أو الفيديو كليب، وهم يأملون أن تأخذهم هذه المهن إلى مهنة أخرى، هي السينما، الفن الذي خالوا في بداية دراساتهم الجامعية، أنهم سوف يعملون في مجالاته الواسعة، ولكنهم سرعان ما اكتشفوا ان لا سينما في لبنان. عرفوا ذلك من أساتذتهم، الذين درسوا السينما في أوروبا وأميركا قبلهم بسنوات، ولم يوصلهم ذلك إلا إلى التعليم. تعلموا من أساتذتهم مواد السينما وكيفية صناعة الأفلام، وتعلموا منهم ان لا مستقبل للسينما في لبنان، في الوقت نفسه.السنوات الطويلة التي قضاها الأساتذة في مجال السينما، علمتهم ان يكونوا واقعيين، وان يطمروا آمالهم السينمائية الواسعة، في واقع المهنة الضيق. لا سينما في لبنان، ولكن هناك فيديو كليب، وهو فن أقرب إلى السينما من التلفزيون، يغري المتخرجين الجدد، فيعملون في مجالاته. كثيرون من زملاء الجامعة باتوا مخرجين في مجال الأغنيات المصورة.

هؤلاء كان يجمعهم حبهم للسينما، وإصرارهم على ان مستقبلهم سوف يكون في صناعة الأفلام. أرى أسماءهم تمر على الشاشة في نهاية الفيديو كليبات، واعرف أنهم لم يجدوا طريقا إلى السينما غير الفيديو كليب. مخرجو هذه الأغاني الشباب في لبنان يأملون أن يصنعوا أفلاما سينمائية في المستقبل، ويضعون في فيديو كليباتهم طموحاتهم السينمائية وأفكارهم التي يريدونها أفكارا لأفلامهم المقبلة.

يعتبرون أن الأغنيات المصورة محطة يأملون أن تكون عابرة، وان ينتقلوا بعدها إلى الفن السابع الذي يتناسوه في الوقت الحاضر، ولكن لا ينسونه. المخرجة التي باتت معروفة في مجال الفيديو كليب نادين لبكي، التي أخرجت معظم أعمال المطربة نانسي عجرم، تتحضر اليوم لتصوير أول أعمالها السينمائية، فيلم عن النساء اللبنانيات. ربما كانت لبكي أفضل الأمثلة، بحيث انها استغلت الفيديو كليب لتبرهن عن قدراتها في الإخراج، والانتقال إلى السينما عبره.

شقيقتها كارولين مشت على خطاها، وبدأت بإخراج الأغاني المصورة، وهي تتحدث ايضا عن رغبتها في تصوير فيلم سينمائي في المستقبل. كذلك ليلى كنعان، المخرجة الشابة التي لا تزال تتابع دراستها في الجامعة اليسوعية، والتي سبق وصورت «كليب» لعيسى غندور، وللسوبر ستار 2004، الليبي ايمن الأعتر، وهي تتحضر اليوم لتصوير أغنية جديدة للمطربة كارول سماحة. وسليم الترك، الذي يعمل منذ بضع سنوات في مجال الأغاني المصورة، والذي يتحدث عن محطة عابرة للوصول إلى الإخراج السينمائي.

نجد في الفيديو كليبات اللبنانية عناصر القصة نفسها التي تتمحور حولها كل الافلام الهوليودية. الحب مثلا، الذي يكاد الفيديو كليب لا يكون فيديو كليب بدونه، كما تكاد الاغنية العربية الحديثة إلا تكون أغنية اذا لم تتكلم عنه. التشويق أيضا، من خلال الحركة مثلا، التي يستعملون فيها احدث السيارات لإبرازها، واحدث التقنيات في مرحلتي التصوير، والتوليف، الذي يجعلونه سريعا، مقطعا، ذا نمط يتخطى احيانا نمط الموسيقى نفسه.

بعض المخرجين الشباب يروون قصصا في الفيديو كليبات ، ولا يكتفون بصور ترافق الموسيقى. قصصاً قصيرة لها بداية ولها نهاية، وفيها بعض عناصر القصص الدرامية، وفيها حب وخيانة وفراق وعودة. ويتقن المخرجون فيديو كليباتهم من الناحية التقنية، ويساعدهم على ذلك قصرها، وسرعة تصويرها، وقلة تكلفتها بالنسبة إلى الأفلام السينمائية الباهظة التي لا يجدون لها ممولين.

ولكن الفيديو كليبات العربية كثيرا ما تشبه بعضها، فهي تقوم على مفاهيم وقوانين لا ينجح الكليب بدونها، معظم الفيديو كليبات تصور في بلاد الغربة مثلا، كأن لا مشاهد تستحق ان تصور في لبنان، أو كأن الجمال الذي يريدونه في كل مشهد من الكليب، هو حتماً جمال غربي.

السيارات التي نراها في الفيديو كليبات اللبنانية، والبيوت الفخمة، التي نكاد لا نراها في الواقع، والفتيات الجميلات اللواتي يشبهن بعضهن بجمالهن الواحد، كلها عناصر من الفيديو كليب باتت ضرورية فيه، كأنها شروط لا تنجح بدونها الأغنية ولا ينجح الفنان.

الأغاني المصورة تبدو كأنها إعلان يعرض المطرب من خلاله نفسه أكثر مما يبيع الأغنية.

يعرض فيها ظهوره الشخصي بأجمل وجه، وبأجمل مكان، وبأجمل ثياب وبأجمل سيارة... وتبدو الموسيقى ثانوية في الفيديو كليبات المحلية، فهي كأنها ترافق صور الكليب، كما ترافق الموسيقى مشاهد الأفلام الأميركية لتزيدها دراما، في حين من المفترض على الصور ان ترافق الموسيقى، وليس العكس.

نجاح الأغاني المصورة في البلاد العربية، ورواجها المتزايد منذ بضعة سنوات، يجعلاها تتكاثر وتتطور بسرعة هائلة. كما الفنانون والفنانات الذين يتوالدون، ويختفون بسرعة أيضا، باتت الفيديو كليبات ترافق كل من أراد ان يصل إلى الشهرة من خلال الغناء، وكل من يريد بيع أغنية، حتى ولو كان وصل إلى النجاح والشهرة.

لا مفر من الفيديو كليب لمن يعمل في الموسيقى، حتى ان الفيديو كليب اصبح فنا بحد ذاته، له نجومه الذين ليسوا بالضرورة نجوما في الغناء. لو لم نكن في عصر الأغنيات المصورة «فيديو كليب«، ولو كنا لا نزال نسمع الأغاني فقط، ولا نراها كما اليوم، ماذا كانت فعلت هيفا وهبي، ومغنيات كثيرات مثلها؟

لا شيء نسمعه في غناء الكثيرات من مطربات اليوم، الفيديو كليب عندهن، ليس مرتبط بالغناء بقدر ما هو مرتبط بشكلهن، وبجمالهن، وبسياراتهن وثيابهن الخفيفة. الفيديو كليب عندهن ليس إطاراً يبرزن من خلاله أغانيهن، بل هو اطار لابراز مفاتنهن، ولعرض أنفسهن، بينما تتحول الموسيقى إلى حجة، او إلى واجهة.

نبتعد كثيرا عن معنى الفيديو كليب، حين نتكلم عن هذا النوع من المغنيات. فالأغنيات المصورة عندهن أساسها الصور. بينما الفيديو كليب من المفترض ان تكون الأغنية فيه أساساً لكل شيء. خطأ ان يكون الفيديو كليب مشهداً يكتفي بكونه مشهداً. فالفيديو كليب هو قبل أي شيء، دعم لفن آخر هو الموسيقى. المخرجون الشباب الذين يضعون في فيديو كليباتهم عناصر يأخذونها من الأفلام، ويخلقون للصور إطاراً قصصياً كالذي نجده في الافلام الهوليودية، يحدّون معاني الأغاني والكلمات،

ويسدون مخيلاتنا، بصور من مخيلاتهم هم. فالقصص التي يروونها في الفيديو كليبات، والتي تتكرر من فيديو كليب إلى آخر، تجعل الأغاني تبدو كأنها مجرد كلام يفسّرها. قصص تضيّق معاني الكلمات، التي تبدو كأنها لا تتكلم إلا عن صور الفيديو كليب، وعن لا شيء آخر. فإذا اعتبرنا ان أغاني عبد الحليم أو أم كلثوم أو حتى فيروز تتكلم عن كل قصص الحب، وعن قصصنا، فأغاني مطربات اليوم لا تتحدث إلا عنهن، وعن الشباب الذين يختارهن بدقة.

يفشل الفيديو كليب حين يحد من شأن الأغنية، ومن قدرتنا على جعلها أغنيتنا، تتكلم عنا، وعن بيوتنا الضيقة، أو سياراتنا المعتدلة الفخامة والثمن. هذا امر يجهله مطربو اليوم، ومخرجو فيديو كليباتهم، او انهم يتجاهلونه. هم، أي المطربون والمخرجون، لا يبيعون الأغنية في الفيديو كليب. هم يبيعون أنفسهم أولا، كما مانيكانات في واجهة محل ثياب، ثم يبيعون الفيديو كليب بحد ذاته. الأميركيون والأوروبيون الذين أخذنا منهم موضة الفيديو كليب وفكرته، لا يكتبون أسماءهم في نهاية الأغنية كما نفعل نحن في لبنان.

تمر أسماء المخرج والمصور ومهندس الديكور والمؤلف على الشاشة، كما في الأفلام السينمائية، فنعرف ان العمل الذي رأيناه ليس عملا موسيقيا، بقدر ما هو سينمائي. ونعرف أيضاً، حين تمر الأسماء على الشاشة، لمن ننسب نجاح الفيديو كليب أو فشله. ويعرف هكذا المطرب الذي يريد تصوير فيديو كليب، أي رجل أو أي امرأة يطلب لإخراجه.

يتقن اللبنانيون الشباب تقنيات الفيديو كليب، يأملون ان توصلهم الأغنيات المصورة إلى مجال آخر هو السينما، ولكنهم غالبا ما ينسون ان يفرقوا بين الفنين، فيصنعون كليباتهم على شكل الأفلام، حين لا تكون مشاهدها أشبه بصور فوتوغرافية من إحدى المجلات الرخيصة، لا يضيفون عليها إلا حركة وعجقة، ولا شيء آخر.

البيان ـ فراس زبيب