أثبتت سنغافورة خلال السنوات الماضية قدرة هائلة على الإمساك بالاتجاهات الاقتصادية العالمية وتصحيح مسارات قوتها التجارية، فمن جزيرة صغيرة ومنسية، تحولت إلى دولة مستقلة استوعبت مجريات العصر وأصبحت في زمن قياسي واحدة من أغنى أغنياء بلدان آسيا والعالم أيضا.

وفي هذا الإطار أكد دانيال لاين المحلل الاقتصادي في بنك مورجان ستانلي الأميركي بجنوب شرق آسيا أن سنغافورة وليس هونغ كونغ هي التي ستصبح مدينة عالمية. وقال إن معدل الادخار المرتفع في سنغافورة أمر يدعو إلى التفاؤل في الوقت الذي تكافح فيه الاقتصادات الآسيوية ذات معدل الادخار المنخفض مثل إندونيسيا والفلبين من أجل الحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي لديها خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف أن سنغافورة يمكن أن تلعب دورا حيويا في تأكيد أهمية منطقة جنوب شرق آسيا للاقتصاد العالمي لما تحويه المنطقة من موارد طبيعية هائلة والسيطرة على مجموعة من السلاسل الاقتصادية عالية القيمة. وفي الوقت نفسه أشار إلى وجود عقبات مثل الاعتماد على الشركات الأجنبية وغياب الشركات الاستثمارية المحلية الكبرى.

وأوضحت الحكومة السنغافورية مطلع الأسبوع الحالي أن إجمالي الناتج المحلي حقق خلال الربع الثاني من العام نموا بمعدل 9. 3 في المئة مقارنة بالربع الأول من العام نفسه وهو ما يفوق توقعات المحللين. ووفقا للتقديرات الأولية لوزارة التجارة والصناعة السنغافورية فإن الاقتصاد السنغافوري حقق خلال الربع الثاني من العام الحالي نموا بمعدل 3. 12 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وكان الاقتصاد السنغافوري قد سجل خلال الربع الثاني من العام الماضي انكماشا. وقال المحلل الاقتصادي في مؤسسة آيديا جلوبال نظام إدريس إن الأداء خلال الربع الثاني من العام الحالي كان أقوى كثيرا من التوقعات.وفي الوقت نفسه ذكرت الوزارة أن معدل النمو خلال الربع الأول من العام الحالي كان 8. 2 في المئة وليس 5. 2 في المئة كما كانت قد أعلنت في وقت سابق. ويسود تفاؤل كبير في أوساط الشركات الصناعية السنغافورية بشأن آفاق تحسن الاقتصاد خلال العام الحالي،

وأشار مسح حكومي أعده مجلس التنمية الاقتصادية السنغافوري إلى أن 35 في المئة من الشركات الصناعية تتوقع تحسن الأوضاع الاقتصادية خلال الفترة المقبلة، مقابل 11 في المئة فقط من هذه الشركات أبدت تشاؤماً حيال الأوضاع الاقتصادية. ويتوقع أغلب المصنعين في قطاع الألكترونيات تحسن الأوضاع الاقتصادية خلال الربع الثالث من العام المالي السنغافوري حتى ديسمبر المقبل بفضل مبيعات موسم الميلاد.

وكان الاقتصاد السنغافوري قد نما خلال الربع الأخير من العام الماضي بمعدل مرتفع ليصل معدل نمو إجمالي الناتج المحلي العام الماضي ككل إلى 8. 4 في المئة . وبلغ معدل النمو السنوي لاقتصاد سنغافورة خلال الربع الأخير من العام الماضي 6. 4 في المئة مدعوما بالأداء القوي لقطاعات التصنيع، وعلى رأسها قطاع الأدوية. ويحتل الاقتصاد السنغافوري المرتبة الخامسة عشر في العالم ويصل حجم تجارتها الخارجية إلى 242 مليار دولار.

وتعتبر سنغافورة أكبر شريك تجاري لكوريا الجنوبية بين دول منظمة أمم جنوب شرق آسيا، وشهد حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفاعا مستمرا ليصل إلى نحو 10 مليارات دولار في العام الماضي . وبلغت استثماراتها في كوريا حوالي 376 مليون دولار في العام الماضي بينما كانت الاستثمارات الكورية في سنغافورة 144 مليون دولار.

وتمكن اقتصاد البلاد من التعافي من الآثار السلبية لتفشي وباء الالتهاب الرئوي اللانمطي «سارس» الذي أحدث آثاراً بالغة بالكثير من اقتصاديات الدول الآسيوية في عام 2003. وسجلت الصادرات غير النفطية لسنغافورة نموا بمعدل 9 في المئة لتصل إلى 10. 6 مليارات دولار سنغافوري خلال يناير الماضي بفضل الزيادة الكبيرة في إنتاج الكيمياويات والأدوية.

كما زادت صادرات الالكترونيات خلال يناير الماضي بنسبة 5. 9 في المئة مقابل 3. 8 في المئة في ديسمبر من العام الماضي.وتشكل صناعة الكيميائيات ثاني أكبر مكون لقطاع التصنيع الرئيسي في الاقتصاد السنغافوري بعد الإلكترونيات، لكنها تواجه عقبات تجارية كبيرة في ظل المنافسة الخارجية.

وتضررت شركات الإنتاج الكيميائي في سنغافورة بشدة من الإجراءات الأوروبية الأخيرة الهادفة للحد من صادراتها والتي أقرها الاتحاد الأوروبي في أكتوبر الماضي لأسباب صحية وبيئية، ويتوقع تطبيقها بحلول 2006، مما دفع مجلس الصناعات الكيميائية شركات الكيميائيات في رابطة دول جنوب شرق آسيا على الاحتجاج على تبني الاتحاد الأوروبي قواعد أكثر صرامة على واردات الكيميائيات.

واعتبر رئيس المجلس أوي شوي كيم في ختام مؤتمر عن الكيميائيات في سنغافورة أن نظام التسجيل والتقييم والترخيص بالنسبة لواردات الكيميائيات الأوروبية يمثل تهديدا للتجارة ويرفع تكلفة التصدير إلى الاتحاد الأوروبي لأنها تستدعي إجراء المزيد من الاختبارات والوثائق الورقية.

وتستحوذ الخدمات المالية التي تقدمها الجزيرة الصغيرة لمعظم بلدان المنطقة 27 في المئة من الدخل القومي. وتمتلك سنغافورة شبكة مصرفية ضخمة تضم أكثر من 60 مصرفاً تجارياً، بالإضافة إلى بورصة مزدهرة لتبادل العملات الآسيوية وبفوائد تشجيعية. ولديها احتياطي عملات صعبة بحدود ستين مليار دولار، ومن أبرز شركائها التجاريين الولايات المتحدة واليابان وماليزيا والصين وألمانيا وتايوان وهونغ كونغ.

واستفادت سنغافورة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي في جعل المبادلات التجارية الدولية شريان الحياة الأساسي لاقتصادها مما جعلها تتمتع منذ عام 1966م بمعدل نمو اقتصادي مرتفع يتجاوز 5. 8 في المئة سنوياً، منعكساً على سكانها بأعلى مستوى حياة في المنطقة. ويتغذى الاقتصاد السنغافوري من تعددية في الصناعات اليدوية المحلية.

وانطلقت البلاد قبل نحو 4 عقود في نهضة صناعية شملت المنتجات الكيميائية والصيدلانية والتجهيزات الإلكترونية والمنتجات البلاستيكية والمطاطية والفولاذية والنفطية، إضافة إلى الصناعات الغذائية. واحتلت سنغافورة خلال السنوات الأخيرة مركز المقدمة في قائمة أكبر مصدّري اسطوانات الكمبيوتر في العالم، إضافة إلى أنها واحدة من أهم مراكز صيانة السفن في العالم.

* كمبيوتر في كل بيت والسيارة حلم كبير

تشهد سنغافورة تقدماً هائلاً في الجوانب التكنولوجية، ووفقاً لدراسة حديثة فإن نحو ثلاثة من كل أربعة منازل يمتلكون واحدا أو أكثر من أجهزة الكمبيوتر الشخصية في سنغافورة. وترتفع الأرقام الواردة من هيئة تنمية اتصالات المعلومات بنسبة 68 في المئة عن عام 2002.

وقالت الهيئة ان هناك وعيا كبيرا بين العائلات عن أهمية استخدام تكنولوجيا المعلومات وبرامج التعليم الوطني، كما ساعدت الصفقات المالية الجذابة على تزايد دخول الانترنت إلى المنازل. وأسفرت خطط نظام الاشتراك الشهري لخدمة الانترنت الممكن تحملها إلى اشتراك أكثر من 40 في المئة من المنازل التي جرى استطلاع آرائها في النظام العام الماضي 2003 مقارنة بنسبة 24 في المئة في 2002.

لكن في الجانب الآخر وعلى الرغم من رفاهية الفرد السنغافوري فهو يجد صعوبة خاصة في الحصول على سيارة عائلية، وذلك بفعل الحرص على السلامة البيئية وبرغم تمتع الجزيرة بشبكة طرقات إسفلتية راقية بطول 3000 كيلومتر، إضافة إلى خطوط حديدية بطول 26 كيلومترا تصلها بالخطوط الماليزية عبر مضيق جوهر، إضافة إلى مطارها الذي هو من أكبر المطارات الدولية في آسيا والمؤهل للرحلات الداخلية والقارية.