عادت أسعار برنت والخام الأميركي الخفيف للارتفاع مجدداً أمس لتحوم حول معدل الأرقام القياسية المخيفة بعد هدوء محدود في الأسواق العالمية. وارتفع برنت في عقود سبتمبر في بورصة البترول الدولية بلندن 21 سنتاً إلى 19. 62 دولاراً للبرميل. كما ارتفع الخام الأميركي الخفيف في عقود سبتمبر 24 سنتا إلى 26. 63 دولاراً للبرميل بانخفاض دولار تقريباً عن مستواه القياسي عند 27. 64 دولاراً للبرميل.

وارتفع برنت خمسة بالمئة منذ بداية هذا الشهر وسط مخاوف أمنية في السعودية اكبر مصدر للنفط في العالم ونتيجة توقف مصافي نفط أميركية عن العمل في منتصف موسم الصيف الذي يشتد فيه الطلب على البنزين. وارتفعت أسعار البنزين في المعاملات الآجلة في الولايات المتحدة 91. 0 سنت إلى 8315. 1 دولار للجالون بينما صعد وقود التدفئة 33. 0 سنت إلى 7799. 1 دولار للجالون. وانخفض سعر السولار في بورصة البترول الدولية بلندن 25. 2 دولار إلى 25. 556 دولاراً للطن.

وسجلت أسعار سلة خامات المصدرة للنفط «أوبك» المكونة من خام صحارى الجزائري وميناس الاندونيسي والايراني الثقيل والبصرة الخفيف العراقي وخام التصدير الكويتي وخام السدر الليبي وخام بوني الخفيف النيجيري والخام البحري القطري والخام العربي الخفيف السعودي وخام مربان الاماراتي وخام بي.سي.اف 17 من فنزويلا، إلى 45. 56 دولاراً للبرميل من 57. 56 دولاراً.

وكانت أسعار العقود الآجلة للخام الأميركي سجلت في بورصة نيويورك التجارية «نايمكس» في ختام تعاملات الثلاثاء أول من أمس 60. 63 دولاراً للبرميل بعد أن ارتفعت إلى مستوى قياسي بلغ 27. 64 دولاراً للبرميل. واعتبر محللون أن تهديد المنشآت الأميركية في السعودية هو أكثر ما يهز معنويات السوق ويدعم اسعار النفط الخام في حين تدعم مشكلات التكرير الأميركية أسعار المنتجات النفطية.

ومما يزيد من قلق المتعاملين احتدام المواجهة بين إيران والاتحاد الأوروبي بسبب البرنامج النووي الإيراني. وكثرت التوقعات المتشائمة خلال الساعات الماضية، وقال محللون اقتصاديون إن مستهلكي النفط ربما يضطرون للتعود على التعايش مع سعر 60 دولارا لبرميل النفط إذ لا تلوح في الأفق أي بادرة على توقف الاتجاه الصعودي الذي رفع الأسعار إلى ثلاثة أمثالها منذ نهاية 2001.

وقال كيفن نوريش من باركليز كابيتال «السوق أصدر حكمه، وسيكون السعر أعلى من 60 دولارا لفترة طويلة، ولن يهبط بشدة خلال الفترة القريبة». ودعم تشارلز دوتريزم الخبير لدى يوروبيان ماركت سكوب التابعة لمؤسسة ستاندرد اند بورز ما ذهب إليه نوريش وقال إن الارتفاعات الشديدة واردة نتيجة للتهديدات الإرهابية وأي اضطرابات أخرى.

ومن المحتمل أن يشهد السوق مزيداً من الارتفاع في ضوء احتمالات اضطراب الإمدادات من دول رئيسية من أعضاء أوبك مثل السعودية وإيران. وتتباين الآراء كثيرا فيما يتعلق بالمدى الذي قد يصل إليه ارتفاع الأسعار وطول فترة بقائها مرتفعة. ويقول محللو التعاملات الآجلة في النفط لدى شركة ريفكو إن المؤشرات تشير إلى أن سعر الخام الأميركي الخفيف في سوق نايمكس يتجه لاستهداف نطاق 65-70 دولارا للبرميل في الخطوة المقبلة.

وتوقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن يبقى المتوسط الفصلي لسعر الخام الأميركي فوق مستوى 56 دولارا خلال عام 2006 وربما يتجاوز مستوى 60 دولاراً في بعض الأوقات. وفي تقرير توقعاتها الشهري قالت الإدارة التابعة إن أسعار النفط حساسة لأي زيادة في الندرة في الأسواق مما قد يؤدي لتجاوز متوسط سعر الخام الخفيف مستوى 60 دولارا للبرميل.

لكن البعض يتساءل عما إذا كان لدى المستهلكين استعداد لمواجهة الزيادة المتوقعة في سعر البنزين، الذي ارتفع بالفعل في الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط في العالم إلى مستوى قياسي بلغ 37. 2 دولار للجالون. ومنذ بداية العام الحالي بلغ متوسط أسعار الخام الأميركي الخفيف أكثر من 53 دولارا للبرميل لكنه مازال أقل بكثير من سعر 80 دولارا للبرميل الذي سجل باحتساب التضخم في عام 1979 عقب قيام الثورة الإسلامية في إيران.

ويعول البعض كثيراً على دور ملموس لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» في تهدئة الأسعار، ويتوقعون أن تتمكن في العام المقبل من تحديد الحد الأدنى الجديد للسعر الذي ستكون على استعداد للدفاع عنه. ويمضي المتفائلون إلى حد القول بأن توازنات العرض والطلب ستسمح بهبوط الأسعار نسبيا وببطء. لكن «أوبك» ترى أن أزمة عمليات التكرير هي المسؤولة عن ارتفاع أسعار النفط وتقول إنها تضخ ما يكفي من النفط لضمان تجاوز العرض للطلب.

ووفقاً لرئيس المنظمة الشيخ احمد الفهد فإن مخزونات النفط تزيد على مستويات متوسط خمس سنوات وفي ارتفاع. وأكدت المنظمة في بيان لها مجددا على التزامها المستمر بالحفاظ على استقرار السوق بأسعار معقولة تتوافق مع النمو الاقتصادي المزدهر خاصة في الاقتصادات الناشئة في العالم النامي.

وقال البيان إن دول اوبك تضخ حالياً 4. 30 مليون برميل يوميا وهو وفقاً لها رقم كبير بالمقارنة مع الاستهلاك العالمي البالغ نحو 84 مليون برميل يوميا. وأضاف البيان أن هذه الكميات الزائدة أدت إلى تجاوز المعروض العالمي للطلب خلال العامين الماضيين بما سمح باستمرار تكوين المخزون ليزيد عن متوسط خمس سنوات.

وفي إشارة ربما هدفت إلى طمأنة الأسواق قال البيان إن دول أوبك الأعضاء التي لديها فائض في الطاقة الإنتاجية يقدر بنحو مليوني برميل يومياً ستوفر معروضاً إضافياً حال حاجة السوق. ودعا البيان إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لتشجيع استثمارات سريعة وضخمة في قطاع التكرير.

وفي سياق متصل قال تجار إن السعودية أبلغت شركات النفط العالمية الكبرى أنها ستبقي إمداداتها من النفط الخام في سبتمبر عند نفس مستويات أغسطس. وكانت شركات النفط الكبرى تتسلم منذ مايو نحو 80 في المئة من الكميات المتعاقد عليها. وتعهدت السعودية في وقت سابق بتلبية طلب المستهلكين من النفط الخام لدفع أسعار النفط العالمية المرتفعة نزولا لكنها لم تشهد طلبا كبيرا من العملاء.

وأبلغت الرياض مصافي النفط الأوروبية وشركات تكرير في اليابان وكوريا الجنوبية إنها ستبقي إمداداتها في سبتمبر عند نفس مستويات أغسطس. وتتسلم مصافي النفط الأوروبية منذ فترة ما بين 70 في المئة و75 في المئة من الكميات المتعاقد عليها.

وتتفاقم أزمة الإمدادات حتى في الدول المنتجة حيث قال يوسف كالا نائب الرئيس الاندونيسي إن حكومته قد ترفع اسعار المنتجات النفطية المحلية في يناير المقبل أو قبله وذلك لمواجهة النقص الحاد في الإمدادات وخفض تكلفة الدعم الحكومي وذلك في محاولة لتخفيف عجز الميزانية.

وعلى ذات المنوال قالت وسائل إعلام رسمية إن المغرب الذي يستورد كل احتياجاته من النفط رفع أسعار الوقود مرة أخرى لخفض العبء الذي تتحمله الدولة نتيجة لارتفاع أسعار النفط. وتعتبر الزيادة التي بدأ سريانها مطلع الأسبوع الجاري هي الثانية في أقل من ثلاثة أشهر وتبلغ 6. 11 في المئة للوقود الصناعي وتتراوح بين 1. 5 في المئة و4. 7 في المئة لوقود السيارات.

وفي مايو الماضي رفعت السلطات أسعار الوقود الصناعي بنسبة 25 في المئة وأسعار وقود السيارات بما بين 6. 5 و4. 8 في المئة. لكن الحكومة لم تغير أسعار غاز البوتان المستخدم في الطهي في البيوت. واعتبر وزير الطاقة المغربي محمد بوطالب أن الزيادة الاخيرة في الاسعار رمزية.

وقال إن الخزانة العامة أنفقت 4. 3 مليارات درهم (7. 386 مليون دولار) في الفترة من يناير إلى يوليو لتغطية الزيادة في أسعار النفط الخام العالمية والمنتجات المكررة. وتابع أن المبلغ سيتراوح بين خمسة مليارات وستة مليارات درهم بنهاية العام الحالي. ويشكو رجال الأعمال المحليون من ارتفاع كلفة الطاقة التي يقولون إنها الأعلى في منطقة حوض البحر المتوسط ويصفونها بأنها عقبة أمام زيادة الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية.