أعلن البنك المركزي الماليزي مطلع الأسبوع الحالي أن حجم الاحتياطي الدولي استمر في الارتفاع حيث سجل ما قيمته 7. 878 مليار دولار أميركي حتى نهاية يوليو الماضي. وأفاد البنك في بيان له أن هذا النمو جاء نتيجة عائدات الصادرات بشكل دائم والحجم الأعلى للاستثمار الأجنبي المباشر ودخول رؤوس الأموال لمجموعة السندات في البلاد.
وأضاف أن المصروفات تعكس بصورة أساسية دفع استيرادات السلع والخدمات بشكل أكبر وتوزيع الارباح والاستثمار الخارجي وتسديد الديون الخارجية. وقال ان حجم الاحتياطي يكفي لتمويل الاستيرادات المؤجلة لمدة تسعة أشهر وتسديد «1. 7» أضعاف من المديونية الخارجية قصيرة الأجل.
وأظهرت بيانات هيئة الإحصاء الماليزية أن نمو الإنتاج الصناعي في شهر يونيو الماضي ارتفع بنسبة «4. 3» بالمئة إلى «4. 227» نقطة مقارنة بنحو «0. 220 » نقطة في نفس الشهر من العام الماضى. وأشارت البيانات إلى أن هذا الارتفاع جاء نتيجة نمو المؤشرات الايجابي في كافة القطاعات
حيث سجل قطاع الكهرباء ارتفاعا بنسبة «8. 5» بالمئة إلى «9. 281» مقارنة بـ «266. 4» نقطة وقطاع التصنيع بنسبة «3. 4» بالمئة إلى «9. 251» من أصل «6. 243» نقطة وقطاع المناجم بنسبة «1. 2» بالمئة إلى «2. 231» عن «7. 129» نقطة.وعلى الرغم من ذلك فإن مؤشر شهر يونيو الماضي سجل تراجعا بنسبة «0. 4» بالمئة بالمقارنة مع ما كان عليه في الشهر السابق له ب«9,236» نقطة ليسجل قطاعا التصنيع والكهرباء «3. 5» و«7. 1» بالمئة.
ونما الانتاج الصناعي خلال الربع الثاني من العام الحالي بنسبة «4. 2» بالمئة إلى «3. 134» نقطة مقارنة بنحو «8. 228» نقطة التي تم تسجيلها في الفترة نفسها من عام 2004 وذلك نتيجة التطورات الايجابية التي حققها قطاعا التصنيع والكهرباء حيث زاد كل منهما بنسبة «9. 5» و«9. 2» بالمئة، فيما تراجع قطاع المناجم بنسبة «8. 2» بالمئة.
واذا قورن بما تم تسجيله في الربع الاول فإن مؤشر الإنتاج الصناعي للربع الثاني حقق ارتفاعا بنسبة زيادة قدرها «3. 1» بالمئة نتيجة ارتفاع قطاع الكهرباء بنسبة «1. 6» بالمئة وقطاع التصنيع بنسبة «5,2» بالمئة.وأوضحت مؤشر الإنتاج الصناعي خلال النصف الاول من هذا العام إلى أنه على وجه عام نما بنسبة «8. 3» بالمئة ووصل إلى «8. 232» نقطة مقابل «2. 224» نقطة التى تم تسجيلها في الفترة نفسها من العام الماضي.
وفي إطار ما تعانيه معظم دول آسيا من مشكلة نقص في الإمداد النفطي قال كونغ تشو ها نائب وزير العلوم والتكنولوجيا والابداع الماليزي أن ماليزيا ليست بحاجة إلى الطاقة النووية كبديل لمصدر الطاقة لمواجهة ارتفاع أسعار النفط. وأضاف كونغ أن قدرة بلاده في تطوير معامل للطاقة النووية ما زالت محدودة من الناحية التكنولوجية والموارد البشرية.
وتعتبر ماليزيا إحدى الدول القلائل بين دول العالم الثالث التي تمكنت من تحقيق معدلات نمو عالية خلال السنوات الأخيرة، ومنذ استقلالها في عام 1957خطت خطوات كبيرة على طريق تحقيق النمو الاقتصادي وتبنت الحكومات المتعاقبة سياسات اقتصادية تهدف بالدرجة الأولى إلى توزيع الدخل على كافة طبقات الشعب، والقضاء على الفقر.
وكان اعتماد الاقتصاد الماليزي خلال السنوات الماضية يتركز على إنتاج المطاط والقصدير، إلا أن فترتي الستينات والثمانينات شهدتا تطورا ملحوظا على صعيد تنويع مصادر الدخل. حيث أصبح لكل من زيت النخيل والخشب بالإضافة إلى الكاكاو دور كبير في تنويع سلة صادرات البلاد.
كما شهد القطاع النفطي تطورا كبيرا في الفترة التي تلت العام 1980 تمثل في وضع ماليزيا على خارطة الدول المصدرة للبترول والغاز الطبيعي. وتمكنت ماليزيا من استقطاب العديد من الاستثمارات الأجنبية من كل من الولايات المتحدة واليابان على وجه الخصوص. وساعدت هذه الاستثمارات على نقل التكنولوجيا وعلى تمكين ماليزيا من إضافة منتجات جديدة إلى قائمة الصادرات لتشتمل على الأجهزة الإلكترونية والكهربائية.
أما على صعيد الخصخصة فقد كانت ماليزيا من أوائل الدول النامية التي شرعت في خصخصة شركات القطاع العام على نطاق واسع في مطلع عقد الثمانينات. فكان لهذه العملية دور رئيسي في تخفيض حجم الدين العام للدولة مع رفع للكفاءة وارتقاء بمستوى الأداء، وهو ما مهد الطريق ثانية أمام إعادة الانطلاق للنمو الاقتصادي مرة أخرى والذي سجل معدلات نمو فاقت الـ 6% خلال العشرين عاماً الماضية.
وبعد أن تأثر أداء الاقتصاد الماليزي بالأزمة الاقتصادية الأخيرة التي عصفت بمنطقة جنوب شرق آسيا في نهاية الثمانينات بشكل كبير، سجل معدلات نمو منخفضة للغاية، إلا أنه وبفضل السياسات الاقتصادية الحكيمة تمكن من التغلب على الآثار السلبية بالاعتماد على الموارد الذاتية وأقل قدر ممكن من مساعدات المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
ويرى المراقبون أن أهم أسباب نجاح الاقتصاد الماليزي استقرار السياسات الاقتصادية، وتطبيقها بأسلوب سليم، مما وفر بيئة مواتية لنمو المدخرات المحلية، وجذب الاستثمارات الخارجية. وتمت إدارة مشكلات التضخم المالي، ونقص العمالة والبطالة بعناية فائقة مع زيادة السلامة في النظام المصرفي الذي يعد الآلة الرافعة لتدوير الأموال في عجلة إنتاجية ناجحة.
وكان للتدخل الحكومي دور مهم في زيادة الدخول الحقيقية للأفراد، ومعالجة التفاوت في الدخل بانتهاج سياسات اقتصادية مراعية فيها التحول السلمي للثروة من الأقلية الصينية إلى الأغلبية الملايوية وهم أهل البلاد الأصليين. ولعبت الدولة دوراً أساسياً في توجيه الموارد المتاحة،
حيث إنها توجهت نحو الاستخدامات والاستثمارات ذات الإنتاجية العالية، وقد استخدمت مزيجًا من آليات اقتصاد السوق والتدخل الحكومي عند اتخاذ قرارات متعلقة بنوع السياسة التجارية أو المالية المستهدفة. وطبق رئيس الوزراء السابق محاضير محمد سياسة اقتصادية تضمنت امتيازات وحوافز للمستثمرين المحليين والأجانب على السواء.
وكان لتأهيل الكوادر البشرية الوطنية الدور الأكبر أيضاً في توجيه نهضة البلاد، حيث حرصت الحكومات الماليزية المتعاقبة على فتح الجامعات والمعاهد المتخصصة. وكانت الخطة الخمسية (1996 - 2000) من أبرز وأهم الخطط الاقتصادية التي تبنتها ماليزيا في تاريخها الحديث. ونجحت تلك الخطة في تقويم الأداء الاقتصادي خلالها من شمولها وتضمنها لأهم السياسات المعدلة التي قادت إلى النجاح في تحقيق انتعاش الاقتصاد في فترة وجيزة عقب أزمة 1997 المالية.
ولكي يتحقق النجاح تم وضع برنامج اقتصادي شامل تضمن تثبيت سعر صرف الرينجت وفرض قيود على أموال الاجانب، وتضمنت هذه الخطوة حزمة من الاجراءات الحمائية العاجلة التي اتخذتها الحكومة والتي كان في مقدمتها تحديد سعر العملة الوطنية أمام الدولارات ومنع تحويلها إلى الخارج،
وفرض قيود صارمة على تدفق رؤوس الأموال الاجنبية، وتقديم اعفاءات ضريبية مشجعة. إضافة إلى بيع الشركات الحكومية للمواطنين الماليزيين وليس لشركات اجنبية وتطبيق نظام مصرفي إسلامي فريد من نوعه اطلق عليه النظام المزدوج. وتم وضع سياسة محكمة لتشجيع تصدير المنتجات المحلية إلى الاسواق الخارجية، مما أدى لنمو الصادرات الماليزية بنسبة 15% في السنوات الأخيرة.
ولم يقتصر انعكاس النجاح الماليزي على الاقتصاد الوطني الذي يعتمد على موارد صناعية وزراعية وثروات طبيعية منها النفط فحسب، بل ان جميع المؤشرات الاقتصادية اكدت ان النجاح في الدول المجاورة كان له اثر كبير في وضع اقتصاد ماليزيا على الطريق الصحيح، وهو ما اعترفت به منظمة التجارة العالمية التي قالت في تقرير لها: ان احد اهم اسباب التعافي الذي شهدته التجارة في منطقة جنوب شرق آسيا عام 1999 يعود إلى ارتفاع صادرات ماليزيا أولا ثم كوريا الجنوبية ثانيا.
ولعبت السياحة دوراً مهماً في دعم الاقتصاد الماليزي إذ نجحت ماليزيا في استقطاب أكثر من 15 مليون سائح سنوياً خلال الفترة الأخيرة، قدرت عائداتهم بنحو 81 مليار دولار. وتمثل ماليزيا بمكامنها السياحية الساحرة مشهداً مميزاً لآسيا الحقيقية، حيث تجمع مزيجاً من التراث الماليزي والصيني والهندي الذي لعب دوراً كبيراً في تعزيز القطاع السياحي باستقطاب عدد كبير من السياح القادمين من مختلف دول العالم.