هل يليق الحديث عن «لعنة» كتقديم للقصة؟ لعنة المال ربما لا، فالتشفي غير واجب، أخلاقيا، حتى لو كان في الأمر «غيظ طبقي». أبناء الأثرياء، من رجال الأعمال، يواجهون المصاعب. ذلك ما تطالعنا به صحف الغرب بين حين وآخر، والتي تهتم بالصحة النفسية والجسدية لأطفال قد يكون لديهم كل شيء، من ملعقة الذهب إلى أرقى الثياب والألعاب.
وقد يعرفون من العالم بلاد وأمكنة أكثر مما عرف ابن بطوطة نفسه، إلا انه لا يمنع أنهم مهددون بطفولة حزينة، وهم يرزحون تحت كم من ضغوطات مجتمعية وعائلية منبعها رغبة الأب الثري بأن يكون «فرخه» مثله «عوّام» في دنيا المال، حتى لو اضطر إلى حرمانه من التمتع بإجازة صيفية ممتعة.
القصة في بريطانيا، حيث بدأ عدد من البنوك الخاصة بتنظيم «مخيمات صيف» مالية لأطفال الأثرياء، يقضون فيها وقتا من إجازاتهم الصيفية ويتدربون، على أيدي اختصاصيين، على كيفية التعامل مع المسائل المالية وتقدير قيمة المال منذ الصغر.
وتقوم شركة «أميركان إكسبريس» بتنظيم مثل هذه الدورات إضافة الى مصرف «ميريل لانش» الخاص.
لكن، هذا ليس كل شيء، فقد كشفت دراسة حديثة حول أطفال الأثرياء في الصين أنهم أكثر عرضة لسوء التغذية من أقرانهم من أسر ذات دخل محدود، لأنهم يأكلون المزيد من الأطعمة السريعة. وأشارت الدراسة إلى أن الأطفال الذين ينتمون لأسر ذات دخل مرتفع يميلون لتناول المزيد من الأطعمة السريعة بسبب إيقاع الحياة السريع لوالديهم ويتجاهلون الطعام المتوازن.
كما أنّ هناك احتمالاً آخر وهو أن ذويهم يعتقدون أنه كلما كان الطعام أغلى ثمنا كان أكثر غنى بالقيمة الغذائية، ولذا يختارون أطعمة تفتقر إلى العناصر الغذائية المفيدة. ويعلّق أحد الخبراء على الدراسة بالقول: «فيما يتعلق بالطعام والعادات الغذائية، يتعين على العائلات الغنيّة أن تحذو حذو العائلات محدودة الدخل».
ومن الصين إلى ألمانيا هذه المرّة، لنكتشف أنّ الحسد هو المأزق الآخر الذي يؤرّق حياة أبناء الأثرياء، ففي الوقت الذي يقتني فيه هؤلاء معظم الأشياء تقريبا من أحدث أجهزة الألعاب الالكترونية «بلاي ستيشن» إلى خزانة ملابس تعجّ بكل أنواع الملابس ذات العلامات التجارية وسيارات خاصة منذ بلوغهم عمر 18 عاما، تلقي بهم هذه البحبوحة من العيش في جانب مظلم.
وتعتقد الاختصاصية النفسية كارين نيهاوس، التي بحثت ظاهرة أبناء الأثرياء، أن إحد أكبر المشاكل التي تواجه هؤلاء الأبناء هي الحسد من الزملاء في المدرسة والجامعة. وتقول: «في ألمانيا نعيش في مجتمع حسد. ومقاومة حسد الآخرين هو أمر يراه كثيرون صعبا»، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة تنتشر بدرجة أكبر في غربي ألمانيا حيث الوفرة الاقتصادية.
وتقول: »حينما يكون الأبناء صغارا، يلعبون على الارجوحات والمتزحلقات وفي حفر الرمال، لا يظهر الفرق بين ملابسهم وملابس الآخرين، كذلك الأمر بالنسبة إلى تشابه عرباتهم مع عربات الآخرين». كما توضح نيهاوس أنه حينما يكون الأبناء صغارا لا تكون هناك أهمية للطبقات التي نبعوا منها ولا لأموالهم، وتضيف « لكنّ المشكلة تبدأ مع المدرسة».
وتقول كونستانز كليبيرج وهي مدرّسة بمدرسة ثانوية ولديها خبرة عقود إن المشكلة تبدأ بحقيقة أن هؤلاء الأبناء الذين يأتون من بيوت ثرية يعيشون تقريبا في أماكن مختلفة عن نظرائهم. وتلاحظ أن تلاميذها عادة ما يشكلون مجموعات بعد المدرسة على أساس الاشتراك في طريق العودة للمنزل وعوامل أخرى يشتركون فيها. وتعتبر أنّ اختلاف الهوايات وظروف المعيشة يمكن أن يعني أن التلاميذ من فئات اجتماعية واقتصادية مختلفة لديهم القليل من الأشياء المشتركة التي يمكنهم التحدث بشأنها.
وترى نيهاوس مشكلة أخرى هنا قائلة :« الكثير من الأولاد والبنات الذين يأتون من بيوت أكثر فقرا يشعرون بالخجل من الحقيقة ويتجنبون الحديث عن ظروف معيشتهم وبالتأكيد ليست هذه المشكلة موجودة مع نظرائهم الأثرياء الذين يبدو أنهم لديهم كل شيء». لكن يجب على الأطفال والآباء من العائلات التي تواجه مشاكل أن يتحملوا تحامل الآخرين كما يتعين أيضا على الميسورين أن يتعاملوا مع الأفكار التي تواجههم من الزملاء الأقل ثراء.
وتقول هنريتي روبين الاختصاصية النفسية: «غالبا ما يقال إن أبناء الأغنياء يدينون بكل شيء لآبائهم وإن الكثيرين لا يعتقدون أن هؤلاء الأبناء يمكن أن يديروا شيئا خاصا بهم». كما أنها تعتقد أن الحسد يلعب دورا في هذا الصدد. وتقول روبين: «من السهل نصح الأولاد والبنات المتأثرين بكيفية التعامل مع هذه الصعوبات لكسر التحامل الذي يواجهونه».
إعداد : إبراهيم توتونجي