وصف تقرير لـ «رويترز» دبي بأنها النجم الاقتصادي الساطع في سماء المنطقة وقال التقرير ان الإمارة أعادت رسم صورتها كمركز للتجارة والتمويل والسياحة، وفي غمار ذلك أصبحت تجسيدا لآمال الخليج في مستقبل مشرق حتى وإن جفت آبار نفطه. وتحولت الإمارات ودبي إحدى إماراتها من واحدة من اكثر الاقتصاديات اعتماداً على النفط في عام 1980 إلى احد اقل الاقتصاديات تعويلا عليه.
ويقول من يعودون لدبي بعد غياب بضع سنوات إنهم يتعرفون عليها بالكاد إذ غطت أراضيها الصحراوية مبان إدارية شاهقة ومشروعات سكنية عملاقة ومراكز تسوق ومناطق صناعية. ويلوح في الأفق عند شاطئ الجميرا أربعون برجا سكنيا لم ينته تشييدها بعد وهو اكبر مشروع سكني في العالم يقام على مرحلة واحدة.
وتكشف الحملات الإعلانية عن أوجه التفوق التي تجذب أنظار العالم إلى دبي حيث يوجد أعلى برج وأكبر جزيرة صناعية وأغنى سباق خيول والفندق الوحيد تحت سطح الماء والفندق الوحيد المصنف بسبعة نجوم في العالم إلى جانب منحدر تزحلق على الجليد في الصحراء.
وحتى مع أسعار النفط القياسية فان ثقل قطاع النفط في الإمارات يتراجع إذ حقق اقتصاد الإمارات، وهي عضو أوبك، نموا حقيقيا بنسبة 4. 7 بالمئة في العام الماضي بينما نما قطاع النفط بنسبة 9. 2 بالمئة حسبما جاء في الإحصاءات الحكومية. وتنمو سوق رأس المال في دبي فيما ينفق مستثمرون أموالا على صناعات يأملون أن تنافس عالميا بفضل رخص تكلفة العمالة والطاقة ومناطق التجارة الحرة منخفضة الضرائب والموقع المثالي عند مفترق الطرق بين آسيا وأوروبا.
وقال زاهد تشودري رئيس الأبحاث في أتش.اس. بي.سي في دبي: يتوسعون في قطاعات يتمتعون فيها بميزة تنافسية، وتجرى تجارب مماثلة بطول الخليج وعرضه. وتحاول أبوظبي التي لا تزال تتمتع باحتياطي نفطي وفير استخلاص قيمة اكبر من احتياطياتها بالاستثمار في البتروكيماويات والسماد.
أما إمارة رأس الخيمة الأقل ثراء فوجدت ضالتها في الأسمنت والأدوية. وقال دانييل هانا الاقتصادي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في بنك ستاندرد تشارترد إنه خلال الطفرة النفطية السابقة كانت الحكومات تميل لبدء مشروعات بنية تحتية ضخمة اتضح أنها غير منتجة. واعتقد أن من الجلي ان هذا لم يحدث هذه المرة.
وتوقع هانا ان تنمو إيرادات الخليج النفطية إلى 230 مليار دولار هذا العام من 180 مليارا في عام 2004 مع بقاء حجم الأموال المستثمرة في الأسواق خارج المنطقة عند نفس المستوى تقريباً.وارتفعت القيمة المجمعة للتعاملات في بورصات الأسهم في منطقة الخليج 400 بالمئة منذ عام 2001،
بينما ارتفعت قيمة التداولات في سوق دبي المالية إلى 204 مليارات درهم (5. 55 مليار دولار) منذ بداية العام الجاري وحتى الأسبوع الماضي، مقابل 51 مليار درهم في عام 2004 كاملا. ونمت القيمة السوقية للأسهم 87 بالمئة في ثمانية أشهر، غير ان الشكوك مستمرة بشان ما إذا كانت الاستثمارات النشطة ستخلف اقتصادا قادرا على النمو اذا ما بدأت صادرات النفط تتراجع.
ويقول بعض المحللين انه ينبغي على الحكومات ان تتحرك بسرعة أكبر لتعزيز شفافية الشركات والأسواق لمنح أسواق المال النامية أساساً أكثر صلابة. وقال تشودري إنه إذا فشلتم في ذلك فان السيولة في القطاع الخاص التي وقفت إلى جانبكم في بداية الطريق ستخرج من الباب على الفور.
ويبدو دور دبي كمركز تجاري مهيمن في المنطقة مضمونا غير ان وضعها الجديد كملاذ لزائرين أجانب يعتمد على ما تتيحه من بيئة متحررة وسط منطقة تعتنق قيما اجتماعية محافظة.وتهدف دبي لزيادة عدد السائحين إلى ثلاثة أمثاله ليصل إلى 15 مليون سائح سنويا بحلول عام 2010.
* بابل تولد من جديد
من ناحية أخرى يبدو أن التاريخ ينهض من جديد في قلب مدينة دبي الذي يشهد ولادة مارد معماري تلامس هامته الشامخة عمق الفضاء، فقد أصبح بالإمكان بعد عام من الإعلان عن ولادة أطول برج في العالم رؤية أساسات ضاربة الجذور في أرض المدينة يصل عمقها 50 مترا، بينما ستتجاوز قامة برج دبي سبعمئة متر حسب التقديرات الأولية، فيما يتوقع الخبراء أن يصل طوله إلى أكثر من ثمانمئة متر مع الصاري الذي يشكل لغزا محيرا تماما كما هو حال البرج.
وقد وصفت البي بي سي برج دبي بأنه رمز مشرق لمدينة دبي الفتية والواثقة بشبابها وجمالها، مشبهة إياها بمدينة بابل الأسطورية التي سحرت عواصم العالم قبل الميلاد بعبقرية أبراجها الحلزونية وحدائقها المعلقة. ونقلت عن المهندس المعماري إ. سميث الذي صمم البرج قوله بأنه حاول جاهدا التوفيق أثناء التصميم بين فنون العمارة الإسلامية والهندسة الغربية الحديثة جدا،
مشيرا إلى أن الهندسة الإسلامية برعت قديما في توظيف الأشكال الحلزونية واللولبية، وأن برج دبي يصعد نحو الفضاء على شكل حلقات لولبية تضيق تدريجيا وكأنه سهم عملاق يعانق الفضاء. ويضيف إن ارتفاع البرج النهائي لايزال أمرا غير معلن، لكنه سيكون أطول من 600 متر بكل تأكيد، وهو الرقم المطلوب ليصبح أعلى برج في العالم.
* زهرة الصحراء البيضاء
ولطالما تنافست الأمم والحضارات من أجل تشييد الصروح الشاهقة، وقبل الإعلان عن برج دبي امتلك برج تايبي 101 لقب أطول برج في العام بطول 509 أمتار، إلا أن أيام مجده توشك على الأفول مع كل حجر يوضع في برج بابل الجديدة الذي أراده الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع أن يكون أيقونة طموح وإنجاز وعلامة فارقة على جبين دبي والعالم.
«لعل برج دبي يعكس بوضوح توقع قائد عربي معروف بحبه للتحدي وخوض المنافسة على أكثر من صعيد، فهو يملك أسرع الخيول العربية الأصيلة في العالم، وأكبر الطائرات الخاصة في العالم، وأسرع المدن نموا في العالم، بل وأجملها على الإطلاق. ومن الطبيعي أن يأتي البرج مكملا لمشروع الازدهار الكبير الذي يقود دفته رجل ألغى كلمة المستحيل من قاموسه الشخصي.
يمتلك أطول برج في العالم مصاعد متطورة تعمل دون توقف ل154 طابقاً تقريباً، على مدار الساعة، كما سيوفر لسكانه المقبلين حياة مرفهة في قلب الفضاء. ويتخذ تصميمه من زهرة الصحراء البيضاء شكلا له في إشارة إلى انتماء هذا المارد الجميل إلى أرضه وترابه وثقافته العربية الأصيلة.
ويكبر الحلم في موقع إنشاء برج دبي يوما بعد يوم، حيث يعمل آلاف العمال والمراقبين والمهندسين والمستشارين ليل نهار على إنجاز رؤية سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الرامية إلى جعل مدينة دبي عاصمة عالمية بحلول العام 2010.وفي الوقت الذي يتوقع فيه بعض المراقبين تراجع مستوى الطموح والازدهار الذي تعيشه دبي ومنطقة الخليج العربي عموما بتدني أسعار النفط وعودتها إلى معدلاتها الطبيعية،
تمضي مدينة دبي قدما في تنويع مصادر دخلها المحلي من خلال تعزيز قطاعات استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط كالسياحة والصناعة والتجارة والمصارف والإعلام والتقنية، لتكون مصادر ثروتها ورخائها الاقتصادي على المديين المتوسط والبعيد. أعلن بعض المراقبين الاقتصاديين في الغرب قلقهم من النمو السريع لمدينة دبي التي كانت قبل جيلين مجرد بلدة صحراوية صغيرة تعيش على الصيد والتجارة على ضفاف الخليج العربي،
ويشبهونها بمدينة بابل الأشورية التي تفوقت في زمن قياسي على مدن وعواصم كثيرة في عصرها، وصارت حضنة المدن وسيدتها. ولكن بابل القرن الحادي والعشرين استطاعت احتضان 80% من سكان الإمارات وكل جنسيات العالم من القارات الخمس. وسيحتضن برج دبي الذي تتجاوز تكلفته 900 مليون دولار أكثر من 3000 ساكن.
ويرى المراقبون أنه إذا كانت مدينة شيكاغو قد أعلنت قبل أسبوعين عن بناء أطول ناطحة سحاب في الولايات المتحدة بطول لا يتجاوز602 متر، وأنها لم تتجاوز ذلك الارتفاع لأسباب أمنية ترتبط بتجربة الهجمات الانتحارية في سبتمبر، فإن مدينة دبي لا تعاني من أي عقد مشابهة لأن برجها حمل منذ لحظة الإعلان عن وجوده معاني الأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل للبشرية جمعاء.
دبي ـ «البيان»