تسعى كل من الإمارات وألمانيا منذ زمن إلى تيسير حياة المستثمرين من كلا الطرفين فيها، وبالرغم من ذلك فإن طريق إبرام صفقات مع شركاء ألمان جدد لا يخلو من العقبات أحيانا. فقد أشارت الدراسات إلى أن أهم العقبات التي تؤثر على نجاح الصفقات بين الطرفين هي العادات الشرقية، ومسألة تقدير أهمية الوقت والسرعة عند العرب.

وعبر يورغن فريدريش، مدير غرفة التجارة الخارجية الألمانية في دبي، عن هذه الاختلافات البسيطة ذات مرة قائلا للمستثمرين الألمان: يجب على رجل الأعمال الألماني أن يعي أنه ليس من الممكن الحضور صباحاً إلى الإمارات، وعقد صفقة ما ظهرا مع الشريك المحلي والعودة مساءً إلى ألمانيا. لكن هل تعتبر مشكلة اختلاف الشعور بقيمة الوقت بين رجال الأعمال ذوي الثقافات المختلفة إحدى الصعوبات التي تقف حائلاً أمام عقد صفقات تجارية ضخمة، أم أن هناك عقبات أخرى تحول دونها؟ وإذا كان رجل الأعمال الألماني حساسا بالنسبة لعامل الزمن على عكس نظيره العربي فهل يعاني من الحساسية نفسها أثناء اجتماعات العمل؟ وكيف يوجه دفة المفاوضات؟ وما هي العوامل التي تتدخل في تحديد نتائجها؟ وكيف يمكنك التصرف في رحلة التفاوض الشاقة مع نظرائك الألمان؟

«هناك خطأ ما. كان لدي إحساس داخلي انني كنت أتحدث في موضوع مختلف تماما عن الموضوع الذي يتحدثون عنه.لم اشعر إنني بالفعل أتفاهم معهم. لقد كانوا ظرفاء بالفعل ولكننا كنا كما لو أننا نتحدث لغتين مختلفتين. لقد بدا لي أنه كان يجب أن نحرز تقدما اكبر بكثير من الذي حققناه بالفعل.بالرغم من حسن نيتي شعرت أن كل ما كنت أقوله كان خطأ... سمكة خارج الماء. ثور هائج في محل تحف زجاجية.غريب في ارض غريبة..».

هذه هي نماذج لأقوال رجال الأعمال العرب حول تجاربهم في عقد الصفقات والأعمال في بعض الدول الأجنبية، فالاختلافات الواضحة مثل اختلاف خمس ساعات في التوقيت تصيب البعض بالإحباط. ولكن ربما كانت الاختلافات الأكثر إحباطا هي تلك الاختلافات غير المتوقعة أو غير الواضحة التي نفاجأ بها أثناء تواجدنا بالخارج فتفقدنا توازننا وثقتنا فيما يجب علينا فعله.

وغالبا ما يكون أسوأ احساس هو هذا الشعور النابع من عدم قدرتنا على تحديد السبب أو وضع يدنا على العلة، فقد يبدو كل شيء على ما يرام على مائدة المفاوضات فالأمور كلها تبدو وكأنها تسير في مجراها الطبيعي،وليس هناك أي سبب محدد لإحساسنا بأنه بالرغم من حسن النوايا والابتسامات الودودة فإن المفاوضات في سبيلها للانهيار، وهذا عندما تكون الأمور على ما يرام.

وهناك موقف آخر شائع هو عندما يبدو الطرف الآخر مصراً على العناد والتشكك والتخوف وعدم التعاون في الوقت الذي تبدي فيه أنت كل حسن النية ووضوح الرؤية والايجابية. وكما هو الحال في مواقف إنسانية أخرى كثيرة، فإن طرق التفاوض وطرق الاتصال كلها تحددها العوامل الثقافية، فالعالم من حولنا هو الذي يحدد بالضبط طريقة تفكيرنا وكيفية رؤيتنا لأنفسنا ولعلاقتنا بالآخرين وكيفية رؤيتنا للنجاح.

فالعالم من حولنا ـ ثقافتنا ومجتمعنا ـ هو البيئة التي نشأنا فيها وفيها نعيش، وهذا أمر له تأثيره على أنماط سلوكنا وردود أفعالنا لكل المؤثرات الخارجية. والتأثير ينعكس أيضاً على قيم ومعتقدات واتجاهات كل من نعرفه بدءا من أفراد عائلتنا ووصولاً إلى صانعي الأخبار الذين نراهم على شاشات التلفزيون ونقرأ عنهم في الصحف. فإذا كان المجتمع له مثل هذا التأثير العميق على سلوكنا في مجال عقد الصفقات فمن المنطقي أن نفترض أن له نفس التأثير على العديد من نواحي حياتنا.

* اكسر حاجز الثقافة والشك

إن الهدف هو فصل هذه المنطقة التأثيرية وتحديد كيف تساعد ثقافتنا وكيف يساعد مجتمعنا على تحديد اتجاهنا ومفاهيمنا وقيمنا وسلوكنا في مجال عقد الصفقات والمفاوضات. والطريف في الأمر هو أن النوع نفسه من البرمجة الثقافية التي نخضع لها هنا في الولايات المتحدة له تأثيره أيضا على زملائنا في الخارج.وهم أيضا لهم رؤيتهم الخاصة للواقع الذي ساعد على تشكيلها التفاعل بين العديد من القوى الاجتماعية في بلادهم.

ففي حالة تشابه وتماثل أسلوب حياتنا في الولايات المتحدة مع أسلوب حياة الآخرين في بلادهم، تتقارب اتجاهاتنا ومواقعنا ومعتقداتنا وتوقعاتنا حين نجلس سويا على مائدة التفاوض ويصبح هناك الكثير من العوامل المشتركة بين أساليبنا في الاتصال والتفاوض.

فكل منا سيعرف بالضبط ما الذي سيحدث له مع الطرف الآخر، وسيلعب معه وفقا للقواعد نفسها وستكون له الأولويات نفسها ولذلك سيكون من السهل على كل منا أن يفهم تصرفات الطرف الآخر وربما أيضا تفهم دوافعه واحتياجاته وأهدافه.ولكن أحيانا تكون ظروفنا المعيشية وظروف زملائنا المتفاوضين مختلفة، ما يفرض اختلاف رؤيتنا وتوقعاتنا وسلوكنا بشكل واضح.

وقد يجد كل منا صعوبة في فهم وتفسير سلوك الطرف الآخر أثناء التفاوض لان عدم فهمنا للقواعد الأساسية التي يعمل الطرف الآخر على أساسها سيجعل من الصعب علينا توقع وتخمين دوافعهم وتوقعاتهم وأهدافهم وتزداد الأمور تعقيدا عندما يحكم كل منا بأسلوبه الخاص وانطباعاته الشخصية إذ سيميل كل طرف إلى تفسير الطرف الآخر من خلال المفهوم الثقافي الخاص به مما يضاعف من هوة سوء الفهم بينهما.

تمنحنا الثقافة القدرة على رؤية العالم بما فيها من خصائص أسلوب العمل والسلوك والمعيشة اليومية،وعلى سبيل المثال سيصعب علينا استيعاب أسلوب عمل معين إذا لم تتوفر لدينا رؤية واضحة للإطار العام الذي تندرج تحته أساليب العمل تماما كما يحاول احدهم أن يفهم أو يحدد الفارق بين اللون الأحمر والأزرق بدون أن يكون قد عرف مفهوم اللون أو معناه وينطبق الأمر على الاختلافات بين الثقافات فأحيانا قد تتسع هوة الاختلاف الثقافية والتاريخية والمعيشية بين بلدين فلا نجد إطاراً أوسع يستوعبها ويتيح لنا تحديدها.

* عامل الزمن

وعلى سبيل المثال قد يتوقع الألمان عندما يجلسون حول مائدة المفاوضات أن يبدأ الاجتماع وينتهي في الوقت المحدد سلفا، وان يتم خلاله مناقشة مجموعة واضحة من النقاط ولكن قد يتفق المفاوض العربي والألماني على الإطار العام للتفاوض مثل الموعد والنقاط الرئيسية ولكنهم قد يصلون متأخرين إلى مكان الاجتماع أو قد يتم مناقشة نقاط أخرى غير مدرجة أصلاً في جدول الأعمال أو قد يمتد زمن الاجتماع إلى ساعات أطول بكثير بعد الموعد المحدد.

وهناك اختلافات جوهرية أخرى في الإطار العام لاجتماعات الأعمال فكل ثقافة لديها مفاهيم خاصة عن علاقات العمل، لا توجد بالضرورة لدى الآخرين وغالبا ما تكون هذه المفاوضات بشأن الاختلافات الثقافية هي الأكثر عمقا وتأثيراً على مجريات الأمور.ولكن كيف تدرك أن لديك مشكلة في فهم ثقافة الآخرين؟

قد تكون محظوظا إذا كانت مشكلتك واضحة مع الطرف الآخر كأن يكون كلاكما لا يتحدث لغة الآخر أو انك تتناول طعام الغداء في الساعة الثانية عشرة ظهرا بينما يتناوله الآخرون في الساعة الثانية بعد الظهر، أو انك تريد بدء المفاوضات المباشرة وهو يريد أن يصطحبك لزيارة احد المعابد أو الآثار المحلية في بلده،وهنا يمكن إيجاد حلول سهلة لهذه الاختلافات.

* اختلافات جوهرية

وهناك اختلافات أكثر تعقيداً في المفاوضات لا تدرك معها سبباً واضحاً حيث تمس جوهر قدرتكما على التفاهم،وهنا ينتابك الإحساس الدفين بالإحباط لذا عليك التوقف والتأمل لبرهة قبل اتخاذ أي قرار أو خطوة في اتجاه التهدئة أو التصعيد،لان وضع إصبعك على المشكلة هو الخطوة الأولى لحلها.

* لا تبالغ

(لا أريد أن أرتكب أي فعل أحمق)،(لا أريد أن أسيئ للآخرين)، (لا أعرف شيئا عن سلوكياتهم)، (أتمنى لو أن باستطاعتي التصرف بنفس أسلوبهم لنشعر بالراحة أثناء التعامل).. هذه هي بعض الأهداف الأكثر شيوعا التي يعبر عنها الأشخاص الذين يشتركون في دورات أو ندوات خاصة للتفاوض الدولي وعلاقات الأعمال بين الثقافات المختلفة،وقد يعبر البعض عن مشاعرهم تلك بصراحة أكثر حين يقول(لو انني اعرف كيف يفكرون، لأعرف ماذا أفعل)، وهنا نقف حائرين أمام صراحة هذا الشخص فهل هو جاد حقا في رغبته تلك أم انه شخص مناور ويحب التلاعب في الآخرين.

من المؤكد ان أي محاولة من قبل طرف ما لإظهار فهمه وحساسيته لعادات وتقاليد بلد آخر ستحظى بتقدير أهل هذا البلد فذلك سيساعد على تعزيز علاقات العمل ولكن يجب ان نفهم ان إغفال إظهار هذا الفهم أو هذه الحساسية في مثل تلك النقاط الفرعية قد لا يكون له تأثير كبير وانه من الأفضل التركيز على الاختلافات الجوهرية بدلا من الغرق في التفاصيل.

لن تكون نهاية العالم إذا ربت على رأس احد أبناء جزر الملايو أو رفعت نعل حذائك في وجه مفاوضك الألماني أو العربي فقد لا تحظى هذه التصرفات بقبوله ولكن في حال عدم وجود خلافات أخرى جوهرية فان هذه التصرفات لن تؤثر بشكل جاد أو خطير على علاقاتكما ولكن التمادي في الجهل ولأكثر من مرة سيثير ضيق المفاوض ولهذا تعتبر معرفة اتيكيت وقواعد العادات والسلوك في غاية الأهمية لأن أي خلل بسيط في تلك القواعد سيكون القشة التي تقصم ظهر البعير.

ولكن من الطريف ان العديد من مفاوضي المستقبل يعتبرون مثل هذه الاهتمامات السطحية بشأن العادات والاتيكيت وقواعد السلوك أنها أمور ذات أهمية قصوى يجب استيعابها بحرص قبل الشروع في مفاوضاتهم مع شركائهم الأجانب. ومن المؤكد ان هناك أسباباً كثيرة لهذه المجهودات الموجهة اتجاهاً خاطئاً ولعل من هذه الأسباب انه أمر سهل وبسيط للغاية أن يظن الإنسان ان كل ما يحتاجه ليشرع في رحلته التفاوضية هو التزود بمثل هذه المعلومات.

بينما نجد أن محاولة التركيز على المواضيع الثقافية العميقة عادة ما تكون أمراً صعبا للغاية إذ أنها تتطلب نوعا من الاستكشاف للمجهول. فنحن هنا بصدد اختلافات أساسية في الأطر العامة بين الطريقة التي ترى بها أنت ويرى بها شخص آخر حقائق الحياة الجوهرية.

فالاستجابات السلوكية لمثل هذه الاختلافات الأساسية تتطلب منا ان نقتحم عالم المجهول وهو أمر ليس بسهولة أمور سطحية مثل اختيار أدوات الطعام المناسبة أو أسلوب السلام والتحية المتعبة في ثقافة أخرى. اعتقد ان الموضوع هنا يتعلق بالإحساس الشخصي بالأمان.والأسلوب الذي يتبعه معظم الألمان لحل هذه المشكلة في تعاملهم مع غير الألمان هو غالبا ان يحاولوا تقمص بعض العادات الجديدة وكأنهم يرتدون بدلة جديدة.

وبالرغم من اننا سبق لنا الإشارة للنقطة التالية ولكنها جديرة بأن نشير إليها مرة أخرى. ليس بمقدور أحد أن يكون شخصاً آخر غير نفسه وليس هناك ما هو أكثر ضررا وخطرا على علاقة مزدهرة من الشعور بعدم صدق الطرف الآخر. فالشعور الحقيقي بالأمان أثناء وجودك بالخارج لا ينبع من محاولتك تقليد عادات الآخرين لتجنب الإساءة إليهم.

ولكنه ينبع من فهم حقيقي وعميق للآخرين في الوقت الذي تظل فيه صادقا مع نفسك.وهذه المهمة ليست بالمهمة السهلة فهي بالتأكيد ليست ببساطة محاولة جمع بعض الحقائق الطريفة الغريبة عن ثقافة الطرف الآخر،فهي تحتاج لوقت وطاقة والتزام.

وأحياناً يكون رد الفعل لهذا التحدي أن يسأل الشخص نفسه: لماذا يطلب منا أن نعرف كل هذه الأمور عنهم؟هل يقومون هم أيضا بمحاولة معرفة القدر نفسه من المعلومات عنا؟ أليس من المفروض ان يحاولوا هم أيضا التكيف مع عاداتنا؟ في النهاية ما الذي نسعى إليه من وراء كل هذه المحاولات؟ فالعالم يزداد صغرا كل يوم وكلنا سنصبح متشابهين يوما ما.

ان الإجابة على كل هذه التساؤلات، مثلها مثل الأمور الأخرى في عالم اليوم الشديد التعقيد،هي: نعم أو لا في الوقت نفسه. أولاً لأن الغرض من زيادة الوعي الثقافي بثقافة الآخرين ليس هو بالمرة تغيير أنفسنا أو تغيير الآخرين. كما انه ليس من المطلوب منك أن تصبح مثل زملائك الدوليين فعليك ألا تتوقع منهم أن يصبحوا مثلك.

ولذلك فإن أي نوع من التدريب على التعاون مع الثقافات الأخرى الذي من الممكن أن يقوموا به أو أي إعداد من جانبهم للتفاوض مع أميركيين ـ لو كان بالفعل تدريبا أو إعداداً ذا قيمة ـ لن يجعلهم مثلك. فلو كان تدريباً جيداً بالفعل فسوف يساعدهم على فهم لماذا تفعل ما تفعله وعلى تكييف توقعاتهم بحيث تتناسب مع طبيعة تكوينك حتى ينجحوا في دفع عجلة المفاوضات للأمام ويتجنبوا أيضا مخاطر سوء الفهم.

إعداد: محمد بيضا