تلوح في الأفق بوادر توحي بأن السياسة النقدية في الهند تمر بمرحلة تغيير في اتجاه استهداف التضخم بأن يقتصر دور الحكومة في توجيه السياسة النقدية على إعطاء البنك المركزي معدلاً معيناً للتضخم، وبناء عليه يتولى بنك الاحتياطي الهندي توجيه السياسة النقدية وفقاً لهذا الهدف.

وظهر المؤشر الأول الدال على هذا التوجه في 8 يوليو الماضي مع إعلان بنك الاحتياطي الهندي تشكيل ما يعرف باسم «اللجنة الاستشارية الفنية للسياسة النقدية». وبرز المؤشر الثاني في 19 يوليو حينما قام البنك بالإعلان عن عقد الاجتماع الأول للجنة المؤلفة من 6 أشخاص أغلبهم من الأكاديميين.

وجرت هذه التطورات قبل أسبوع من إعلان محافظ بنك الاحتياطي الهندي قرار بترك أسعار الفائدة من دون تغيير لتشجيع الاقتراض، وتعزيز معدل النمو في رابع أكبر اقتصاد على مستوى القارة الآسيوية. واختلفت هذه اللجنة الفنية بشكل طفيف عن لجنة أخرى تم تشكيلها منذ 5 سنوات مضت بواسطة المجموعة الاستشارية في الاحتياطي الهندي.

وأوصت تلك اللجنة كذلك بأن تركز السياسة النقدية الهندية على التضخم بوصفه هدفها الوحيد، وأن يتم وضع هذا الهدف من خلال تحديد متوسط للتضخم على مدى ثلاث سنوات. ومن بين ما ورد في تقرير هذه اللجنة الذي صدر في سبتمبر 2002 الإشارة إلى أنه من شأن تحديد هدف وحيد للسياسة النقدية أن يجعل مسؤولية لجنة السياسة النقدية أكثر وضوحا.

وسيتيح للاحتياطي الهندي متسعا من الحركة، وفي التوقيت ذاته سيوفر مقياسا يتم على أساسه تقييم أداء البنك. ولا يبدو تعيين تارا بور في اللجنة الاستشارية الفنية للسياسة النقدية على أنه مجرد مصادفة، فقد كان يشغل منصب نائب محافظ بنك الاحتياطي الهندي، كما أنه كان عضوا في اللجنة التي أوصت باستهداف التضخم.

* الجدل حول التضخم

ويعتبر استهداف التضخم من قضايا السياسة النقدية التي لا يزال يثور حولها الكثير من الجدل على مستوى دول العالم وليس فقط الدول النامية كالهند. وذلك على الرغم من مرور خمسة عشر عاما على تبني نيوزيلندا لهدف التضخم كهدف وحيد للسياسة النقدية.

وهي تعتبر الدولة الأولى التي تنهج هذا النهج حيث تنقسم الآراء بهذا الخصوص في الولايات المتحدة مابين فريق يدعو إلى استهداف التضخم ويضم بين رموزه بين بيرناك رئيس مجلس الاستشاريين الاقتصاديين، وفريق آخر يعارض استهداف التضخم. وما بين هذين الفريقين يفضل ألان غرينسبان اتباع سياسة نقدية أكثر مرونة.

ومنذ تفجر الأزمة الآسيوية في عام 1997، تبنى العديد من الدول الآسيوية ومن بينها كوريا الجنوبية والفلبين وتايلاند واندونيسيا أنظمة للسياسة النقدية تستهدف عامل التضخم. ويكمن المنطق وراء ذيوع وانتشار مثل هذا النمط من السياسات النقدية في توقع البنوك المركزية أن مثل هذا الهدف يكسب سياستها النقدية عنصر المصداقية.

وفي الهند، تعاني موازنات الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات من عجز مزمن تصل نسبته إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن ثم صار الدور الرئيسي لبنك الاحتياطي محصورا في تعبئة الأموال الرخيصة التكلفة لتغطية العجز في الموازنات،.

وهو الأمر الذي قاد إلى تعاظم الضغوط السياسية على بنك الاحتياطي لكي يبقى على معدلات فائدة تقل عن المعدل المطلوب لمواجهة التضخم. وأقرت الحكومة الهندية في تقييمها السنوي لآفاق الاقتصاد بأنه من الصعب أن يقوم البنك المركزي بمكافحة التضخم، وذلك بالنظر إلى الارتباط الوثيق لمسألة إدارة الديون بالسياسة النقدية.

* متطلبات استهداف التضخم

وحدد ريدي محافظ بنك الاحتياط الهندي المتطلبات الرئيسية لاستهداف التضخم بأنها تشمل: توافر درجة كبيرة من الاستقلالية للبنك المركزي، إلى جانب توافر ظروف تتيح المرونة في أسعار الفائدة، علاوة على وجود أسواق مالية بالغة التطور. وقد بدأت الهند في استيفاء هذه المتطلبات تدريجيا، حيث سنت مؤخراً قانونا يطلب من الحكومة بأن تعمل على تقليل عجز الموازنة.

كما تعمل أسواق الأسهم على نحو جيد، كذلك تحرز أسواق السندات تقدماً في طريقة عملها، علاوة على اتخاذ الهند خطوة جريئة بالسماح بإدارة سعر صرف الروبية الهندية ليصل إلى مستوى يعادل القوة الشرائية للروبية. وفي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تعتبر الدقائق التي يجري فيها التصويت على قرارات أسعار الفائدة، بمثابة إشارات تتلقاها الأسواق.

ولهذا يرى محللون بأنه يجب الارتقاء باللجنة الاستشارية الفنية للسياسة النقدية، بأن تصبح كياناً مؤثراً وفعالاً، بما يجعل السوق يتطلع إليها كمصدر للتوجيه والإرشاد فضلاً عن تمتعها بالقدرة على إصدار القرارات الجماعية. ومن المهم في رأي بعض المحللين ملاحظة أن الهند بدأت اتباع نظام الصرف «الزاحف» إي السماح بتحرك سعر الصرف في نطاق محدد، وإنها ربما تتحرك نحو استهداف التضخم، ولكن من غير المتوقع أن يتم استحداث مثل هذه السياسة بشكل فوري.

وعلى أية حال، يبدو حتميا أن ترتفع الأسعار في ظل اقتصاد يهدف إلى تحقيق معدل لنمو الناتج المحلي الإجمالي بما يتراوح بين 7% و8% من متوسط نمو لثلاث سنوات بلغ 5. 6%. وعلاوة على ما سبق، تحتاج الهند لكي تستهدف التضخم أن يتوافر لديها مؤشر جيد للأسعار

حيث يفتقر المؤشر الحالي القدرة على متابعة تحركات الأسعار في قطاع الخدمات الذي بات يستحوذ على ما يزيد على نصف الاقتصاد الهندي، فمن غير المنطقي استهداف التضخم من دون توافر مقياس يتم على أساسه قياس التضخم. وتفيد البيانات الأخيرة الصادرة عن بنك الاحتياطي الهندي أن متوسط معدل التضخم خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 يونيو ارتفع إلى 3. 6% من 3. 5% للفترة المقابلة من العام الماضي.

م.ع