قادت اختلافات أسعار الفائدة والتوقعات بشأنها أداء الدولار خلال النصف الأول من العام مع الأخذ في الاعتبار الصعود المتواصل لأسعار الفائدة بواسطة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي منذ منتصف عام 2004، وعدم تغيير الفائدة في منطقة اليورو، فإن الفارق بينهما جاء لصالح الدولار، وينتظر الفاعلون في السوق اتساع الفارق بينهما، حيث يدفع هذا الفارق الإيجابي لسعر الفائدة قيمة الدولار لمستويات عالية، تتوافق مع رغبات المستثمرين في الحصول على علاوة من تعاملاتهم على الدولار.

يعني هذا من وجهة نظر بعض المحللين أن السبب الرئيسي لتراجع قيمة الدولار على مدى عامي 2003 و2004 كان العجز الضخم في ميزان الحساب الجاري، والذي وضعه المستثمرون خلف ظهورهم خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري لكن ليس معنى ذلك أن المشكلة التي فرضها العجز أصبحت أقل إلحاحا.بل تثور الشكوك في مدى قدرة ما درج المحللون على تسميته بالنسخة الثانية لنظام «بريتون وودز» على الاستمرار حيث إنه في ظل هذا النظام تحافظ الدول الآسيوية على سعر صرف عملتها في مواجهة الدولار سواء بأعلى من قيمتها الحقيقية أو أقل على نحو يعزز تنفيذها لإستراتيجية النمو المدفوع بالصادرات.

ويتم ذلك من خلال شراء سندات الخزانة الأميركية، وهو الأمر الذي يقود إلى اتجاه هذه الدول إلى استخدام احتياطياتها المتراكمة في تمويل عجز الحساب الجاري الأميركي. ويرى المحللون أن العوامل المسؤولة عن تراجع قيمة الدولار ظلت قائمة كما هي.

فرغم التراجعات التي أصابت سعر الدولار على مدى السنوات القليلة الماضية إلا أن هذه التراجعات لم تترك أي تأثيرات على العجز في ميزان الحساب الجاري، على اعتبار أن التراجع في سعر الدولار لم يكن كافيا لتحويل مسار تطور العجز في ميزان الحساب التجاري الأميركي. وأكثر من ذلك حصل التراجع في قيمة الدولار في مواجهة عملة اليورو أساسا، وليس في مواجهة العملات الآسيوية التي تتعرض للوم بشكل كبير.

ووفقا للبيانات المنشورة مؤخرا، بلغ العجز في الميزان الحساب الجاري الأميركي خلال شهر يونيو 2005 ما يمثل حوالي 4. 6 % من إجمالي الناتج المحلي الأميركي، وذلك على أساس سنوي وهو ما يقابله بالضرورة فوائض في الموازين الخارجية للدول الأخرى. وساهمت الاقتصادات الآسيوية بشكل عام في تمويل العجز في الموازين الأميركية، وعلى الأخص اليابان والصين.

ويمثل العجز الفارق بين المدخرات القومية والاستثمارات القومية فإذا تجاوزت الاستثمارات المدخرات، فإن العجز في ميزان الحساب الجاري سيشهد نموا. والعكس صحيح، بمعني أن العجز سينخفض في حال تجاوز المدخرات الاستثمارات لكن إذا ما تراجعت الاستثمارات والمدخرات سويا، فهذا معناه زيادة عمق العجز في ميزان الحساب.

* تراجع معدل الادخار

وعلى مدار عقد التسعينيات، حدث تراجع طفيف في معدل الادخار في الولايات المتحدة فيما صعدت الاستثمارات بقوة، وهو ما دفع ميزان الحساب الجاري من حالة شبه التوازن في عام 1990 إلى عجز نسبته 4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2002. وعندما تفجرت فقاعة تكنولوجيا المعلومات هوت الاستثمارات بشكل جذري لكن المدخرات تراجعت بوتيرة أسرع، وذلك نتيجة لتدهور موازنات الهيئات العامة. وهو الأمر الذي أدى إلى استمرار نمو العجز في ميزان الحساب الجاري.

* استيراد مدخرات الدول الأخرى

وفي السنوات الأخيرة، ارتفع الاستهلاك الأميركي بوتيرة أسرع من العائدات، وهو ما أدى إلى هبوط معدل الادخار الأميركي، ولهذا احتاجت الولايات المتحدة في رأي المحللين إلى استيراد مدخرات الدول الأخرى، لتعويض النقص في المدخرات الأميركية، ما مكن المستهلك الأميركي من أن يستهلك أكثر مما ينتج، ومن حسن طالع الولايات المتحدة، تبنى عدد من الدول الآسيوية إستراتيجية الحفاظ على تسجيل معدلات نمو مرتفعة من خلال التصدير إلى السوق الأميركي والدول الأخرى.

وتم تبني استراتيجية النمو المدفوع بقوة الصادرات على خلفية معدلات الصرف التنافسية، وحافظت البنوك الآسيوية على معدل سعر صرف منخفض مصطنع لعملتها، اعتمادا على تدخلها في سوق صرف العملات، وتراكمت احتياطيات العملة عن طريق شراء البنوك المركزية لأوراق الخزانة الأميركية التي شكلت أحد مصادر تمويل العجز في ميزان الحساب الجاري.

* تراكم الديون

ويشير المحللون إلى أنه نتيجة لاستمرار العجز في ميزان الحساب التجاري الأميركي، تراكمت الديون الصافية عل الولايات المتحدة. ويتم قياس هذه الديون باستخدام مؤشر صافي مركز الاستثمار الدولي وهو الفارق بين صافي ديون الدول المستحقة على الولايات المتحدة وديون الولايات المتحدة المستحقة على الدول الأخرى.

أكثر من ذلك تغيرت تدفقات رأسمال خلال السنوات الأخيرة. وصارت تتألف بشكل أكبر من ديون بدلا من استثمارات أجنبية مباشرة. وتراكمت مطالبات الأجانب من الولايات المتحدة والتي تعتبر أدوات دين؟ وبهذا نمت وتيرة الدين الأجنبي المستحق على الولايات المتحدة، وتراجع مركز صافي الاستثمار الدولي.

* مستويات تاريخية للديون

ويرصد المحللون بلوغ الديون مستويات تاريخية، حيث لم يحدث من قبل أن تراكم على اقتصاد ما مثل هذا الجبل الضخم من الديون. وتعتبر البنوك الآسيوية من المقرضين. ويعد الوقت الذي يفقد فيه المقرضون الرغبة في شراء أوراق الخزانة الأميركية المنخفضة العائد مسألة حيوية.

وسيأتي هذا الوقت عندما تتزايد مخاطر خسارة رأس المال نتيجة لانخفاض سعر الدولار وارتفاع معدلات الفائدة، بحيث يصبح السؤال المطروح هو حجم مستوى العائد الذي يحفز المقرضين على مواصلة الاحتفاظ بالمطالبات الضخمة المستحقة على الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار يتم وضع سعر الفائدة بواسطة الاحتياطي الفيدرالي لجعل شهية المستثمرين مفتوحة على أوراق الخزانة الأميركية.

* النسخة الثانية لبيرتون وودز

في ظل هذا النظام، تحافظ الدول الآسيوية على سعر صرف عملتها في مواجهة الدولار سواء بأعلى من قيمتها الحقيقية أو أقل على نحو يعزز تنفيذها لإستراتيجية النمو المدفوع بالصادرات، وذلك من خلال شراء سندات الخزانة الأميركية، وهو الأمر الذي يقود إلى اتجاه هذه الدول نحو استخدام احتياطياتها المتراكمة في تمويل عجز الحساب الجاري الأميركي. وقد عرف هذا النظام باسم النسخة الثانية لنظام «بريتون وودز».

ويرى البعض أن مثل هذا النظام من الممكن أن يستمر لسنوات عدة، على اعتبار أن الدول الآسيوية ستظل بحاجة إلى الاحتياطيات المقومة بالدولار كشكل من أشكال التأمين ضد مخاطر أوجه القصور الموجودة في أسواقها المالية. كما أن زيادة التوجه نحو عولمة الأسواق المالية تجعل هناك إمكانية لتمويل العجز في الحساب الجاري الأميركي لسنوات عديدة مقبلة.

فضلا عن أن المكاسب التي تجنيها الدول الآسيوية من إستراتيجية النمو المدفوعة بالصادرات تفوق المثالب الناشئة عن تدخل البنوك المركزية لهذه الدول في الأسواق المالية، والمتمثلة في إمكانية خسارة رأسمال الأصول المقومة بالدولار وارتفاع التضخم.

* عوامل مسببة للانهيار

ومع ذلك، يرى فريق آخر من المحللين أن مثل هذا النظام غير قابل للاستمرار، وانه من الممكن أن ينهار ويخلف تهاويا سريعا في أسعار صرف الدولار، ويسوقون في هذا الصدد العديد من الحجج التي تعزز وجهة نظرهم، وهي على النحو التالي.

الأول: سيمنع العجز الضخم في ميزان الحساب الجاري الأميركي الولايات المتحدة من العمل على كبح النمو السريع في العجز، في حالة ارتفاع معدل النمو، حيث يتسم نمو إنفاق المستهلك الأميركي بالقوة، ويفوق معدل نمو الاستثمارات، ومن ثم، إذا عادت الاستثمارات لتسجل نموا مرة أخرى.

وفي ظل استمرار الاستهلاك القوي، فإن العجز سيتزايد نتيجة لمعدلات الفائدة العالية التي بإمكانها أن تقوض كلاً من الاستهلاك والاستثمار. وعليه، لن تشهد الولايات المتحدة تكرار ما حدث في عقد التسعينات، حينما نمت معدلات الاستهلاك والاستثمار معا.

ثانيا: سيكون من الصعب على الولايات المتحدة بشكل متزايد جذب المزيد من التمويل لسد العجز في ميزان الحساب الجاري، وذلك بسبب النمو الهائل في صافي الديون المستحقة على الولايات المتحدة، فمن شأن النمو المتواصل في الديون، أن يؤدي إلى زيادة مخاطر إدخال تعديلات جوهرية بسبب تزايد فرص تفجر أزمة مالية ضخمة.

حيث سيتكبد المقرضون خسائر مالية ضخمة في حالة ضعف الدولار. وتواجه البنوك المركزية الآسيوية بالفعل مخاطر نتيجة امتلاكها كميات ضخمة من أوراق الخزانة الأميركية حيث انه من المقدر أن ترتفع احتياطات العملة لدى البنوك الآسيوية من 5. 2 مليار دولار إلى 7 مليارات دولار في عام 2010، وستزيد ملكية الأصول المقومة بالدولار بنسبة 300 %. وذلك في حالة إذا ما استمرت في قيامها بتمويل عجز ميزان الحساب الجاري الأميركي، وإذا ما استمرت الاتجاهات السائدة في الوقت الحالي.

ثالثا: سيكون في غير مقدور قطاعات الاقتصاد الأميركي مواصلة التنافس مع القطاعات الاقتصادية الآسيوية،إذا ما ظلت معدلات سعر صرف العملات الآسيوية في مواجهة الدولار على مستوياتها المنخفضة، وبالفعل قويت الضغوط الحمائية في الولايات المتحدة والتي تطالب بحماية القطاع الصناعي الأميركي من المنافسة غير العادلة الآتية من آسيا.

رابعا: من شأن التفاعل بين الولايات المتحدة وآسيا أن يضع ضغوطا على منطقة اليورو حيث تعاني العملة الأوروبية الموحدة تحت وطأة الضغوط المتراكمة عليها، وهو أمر من الممكن تلمس أبعاده في قطاع التصدير، بيد أن مثل هذا الوضع غير قابل للاستمرار في منطقة تعاني من الركود، وتحفز التيارات الحمائية على تكثيف الضغوط على الدول الآسيوية لكي تقوم بتعويم عملتها.

خامسا: سيكون من الصعب بشكل متزايد أن تتخلى الصين عن تدخلها الكاسح في سوق العملات الأجنبية، لأن هذا من شأنه أن يؤدي إلى تعاظم خطر زيادة سخونة الاقتصاد الصيني من خلال نمو العرض النقدي عن طريق تيسر إمكانية الاقتراض.

ويتفق عدد من المحللين ومن بينهم جاكوب لاريسون على أن عجز ميزان الحساب الجاري الأميركي، يعد بمثابة مشكلة للاقتصاد الأميركي، يجب العمل على حلها من خلال تسريع معدل نمو الصادرات الأميركية وكبح عجز الموازنة الأميركية، والعمل على رفع معدل المدخرات المحلية بأن تكون أعلى من معدل الاستهلاك.

وتشجيع الدول الآسيوية على التخلي عن نظام التحديد المصطنع لأسعار صرف منخفضة في مواجهة الدولار، وتشجيع الصين على الانخراط في المداولات الخاصة بمشاكل الاقتصاد العالمي، والعمل على تغيير إستراتيجية النمو المتبعة في آسيا بأن تكون أقل اعتمادا على الصادرات.

كتب مجدي عبيد