عدلت تقارير وتحليلات عدة توقعاتها بخصوص مستقبل أسعار النحاس في العام المقبل حيث توقعت أن تتراجع الأسعار بوتيرة أقل مما كان متوقعاً لها. وأرجعت أسباب ذلك إلى عدم قيام مصاهر النحاس بزيادة مستويات الإنتاج، إلى جانب استمرار تميز الطلب الصيني بالقوة. وهو ما شكل في نظر البعض مفاجأة بالنسبة للمحللين. الأمر الذي قاد إلى انحسار الفجوة بين الطلب والعرض، وعزز التوقعات بأن تحافظ الأسعار على مستوى أعلى من دولار للرطل خلال عام 2007.

وسجل النحاس سعراً قياسياً في 2 اغسطس الجاري ببلوغه مستوى 6675. 1 دولار للرطل نتيجة حالة القلق التي تنتاب السوق بشأن إمدادات المناجم، واحتمال تعرض تلك الإمدادات لحوادث توقف. وواكب ذلك تدني مستوى المخزون إلى أقل مستوى على مدى ثلاثة عقود، فضلاً عن تزايد مشتريات المضاربين.

وتوقع جوان فيلارزو أن شركة كوديلكو التي توقعت في السابق أن يهوي سعر النحاس إلى 30. 1 دولار للرطل، لم تعد تتوقع أن يتراجع السعر لهذا المستوى.فمن جانب، توقع جريج بارنيز المحلل في مؤسسة «كاناكورد كابيتال» أن تتراجع أسعار النحاس خلال العام بأقل مما كان متوقعاً لها نتيجة لعدم قيام المصاهر بزيادة الإنتاج بعد واستمرار قوة الطلب الصيني على المعادن.

وقدر بأن يهبط المتوسط السنوي لسعر النحاس خلال العام المقبل بنسبة 17% ليصل إلى 20. 1 دولار للرطل، مقابل توقعات سابقة بأن يبلغ السعر 5. 1 دولار للرطل، على حد قول بارنيز. وتعتبر مؤسسة «كاناكورد كابيتال» أكبر شركة للسمسرة في كندا، وتوقع كذلك أن يبلغ متوسط السعر خلال العام الحالي 44. 1 دولار للرطل، مقابل توقعات سابقة بأن يبلغ السعر 33. 1 دولار للرطل.

وقال بارنيز إن غياب بناء مخزون نحاس مؤثر، واستمرار القوة النسبية للطلب الذي يقوده الاستهلاك في الصين قادا إلى عمليات تصحيح طفيفة وليست حادة في السعر. وسجلت أسعار النحاس في 17 يونيو الماضي أعلى سعر خلال 16 عاماً، ببلوغها 61. 1 دولار للرطل، وفي رأي بارنيز أنه من المتوقع أن تحافظ الأسعار على مستوى أعلى من دولار واحد للرطل خلال عام 2007.

وقال كذلك إن شركة «سامسونج» خسرت 80 مليون دولار في متاجرتها على المعادن وربما خسر تاجر معادن 30 مليون دولار في المضاربة على النحاس.ويمر الطلب على المعادن من وجهة نظر بارنيز ـ بحالة ركود موسمية، الأمر الذي يدفع بالأسعار نحو التراجع عن المستويات القياسية التي سجلها في مطلع هذا العام، ولكن ما أوقف تدهور سعر النحاس هو تدني مستوى المخزون والذي واكبه انقطاع في الإنتاج.

* انحسار الفجوة بين الطلب والعرض

وفي تقدير فرانك جونج الاقتصادي في «جيه بي مورجان تشيس» من المحتمل أن ينمو الاقتصاد الصيني بنسبة 9% خلال هذا العام. وقد أعلن مكتب الإحصائيات القومية الصينية أن الإنتاج الصناعي الصيني نما بنسبة 17% في شهر مايو ليسجل رقماً قياسياً مقداره 69 مليار دولار.

ومن ناحية أخرى، ووفقاً لمجموعة دراسة النحاس الدولية، تجاوزت كميات الطلب على النحاس الكميات المعروضة بحوالي 59 ألف طن خلال الربع الأول من العام الحالي، مقابل عجز مقداره 420 ألف طن في العام الماضي. وأرجعت المجموعة أسباب انحسار الفجوة بين الطلب والعرض إلى قيام شركات التعدين عن النحاس بزيادة إنتاجها.

* قوة الطلب الصيني

من ناحية ثالثة، رفعت شركة كوديلكو أكبر منتج للنحاس في العالم توقعاتها لسعر النحاس، بسبب عدم قدرة الإنتاج على مجاراة تصاعد الطلب في الصين والتي زاد معدل استهلاكها للنحاس بقوة ليصل إلى 10% في عام 2004 بالمقارنة مع العام السابق عليه، ولتصل حصتها إلى 20% من إجمالي الاستهلاك العالمي للنحاس. وبهذا تعد الصين أكبر مستهلك للنحاس في العالم.

وقال جوان فيلارزو المدير التنفيذي لشركة كوديلكو ومقرها سانتياجو إن متوسط سعر النحاس خلال العام الجاري قد يتراوح بين 45. 1 و5. 1 دولار للرطل. وأضاف موضحاً: إننا بصدد طلب آخذ في الصعود. وقدر أن شركة كوديلكو التي توقعت في السابق أن يهوي سعر النحاس إلى 30. 1 دولار للرطل لم تعد تتوقع أن يتراجع السعر لهذا المستوى.

وأضاف أن السوق يعكس وجود طلب قوي، كما يعكس توقعات بأن أي توقف لمنجم ضخم يمكن أن يؤدي إلى خلق مشاكل في الإمداد. وفي الإطار ذاته، قال ماريانو إينجارمو المحلل في «إستاندارد أند بورز» إن قوة الطلب شكل مفاجأة للمحللين، وذلك بسبب الطلب القوى في الصين والتي تعتبر أكبر مستخدم للنحاس في العالم.

وأدت الأسعار المرتفعة إلى قيام شركات التعدين بإعادة فتح المناجم التي أغلقتها أثناء تدهور الأسعار وهو الأمر الذي سيترتب عليه من وجهة نظر ماريانو إينجرامو إلى زيادات إمدادات المعدن، ومن ثم إلى تراجع الأسعار إلى 50. 1 دولار للرطل في وقت لاحق من هذا العام.

وقال فيلارزو إن لديه انطباعاً بأن النصف الثاني من العام الجاري سيفاجئنا بتعافي المخزون وهو الأمر الذي من شأنه أن يجعل الأسعار تسلك مسارها العادي، موضحا أن الأسعار ربما تتحرك لتكون قريبة من مستوى 40. 1 دولار للرطل.وفي هذا السياق، توقع تقرير مفوضية النحاس التشيلية أن يتسم سوق النحاس بالقوة والحيوية خلال النصف الثاني من العام الجاري،

وهو ما يعود أساساً إلى الزيادة في عجز المعروض في السوق، الأمر الذي سينطوي على تأثير ضاغط على الأسعار ناتج عن ارتفاع الطلب الموسمي، وبناء المخزون في كل من الصين وكوريا الجنوبية، فضلاً عن تحسن التوقعات فيما يتعلق بآفاق النمو الاقتصادي في الدول الرئيسية المستهلكة للنحاس كالصين والولايات المتحدة.

وقدر التقرير في رصده لاتجاهات سوق النحاس خلال الربع الأول من العام أن تهدأ وتيرة ارتفاع سعر النحاس خلال النصف الثاني من العام، نتيجة لعمليات التصحيح الموسمية، ومستوى الإمداد العالي والذي سيوفر المزيد من الإغاثة للسوق، وهو ما سيشكل عاملاً محفزاً على دفع سعر النحاس إلى مستويات أقل مما كانت عليها خلال الأشهر الأولى من العام.

كما توقع أن يسجل النحاس المكرر توازناً بين الكميات المعروضة والمطلوبة خلال العام الجاري، بصعود الكميات المعروضة إلى 174 مليون طن متري، ولكن سيظل العجز في الكميات المعروضة من النحاس بشكل عام قائماً في السوق للعام الثالث على التوالي، الأمر الذي سيتيح بقاء السعر عند مستويات عالية، وأن يبلغ نطاق متوسط السعر المتوقع لعام 2005 ما يتراوح بين 33. 1 و37. 1 دولار للرطل.

* الركود خارج القارة الآسيوية

وخارج القارة الآسيوية، لا ترى شركة كوديلكو أي علامات تدل على وجود طلب قوي، حيث يخيم الركود على السوق الأوروبي، كما أن الطلب الأميركي في حالته العادية. وعلى الرغم من عدم إظهار الإنتاج الصناعي في أوروبا أي علامات انتعاش، إلا إن مستوى الطلب اتسم بالإيجابية في كل من ألمانيا وايطاليا،

حيث ارتفع في الدولتين معدل الاستهلاك بنسبة 5. 9% و4. 5% لكل منهما على التوالي. كما صعد الاستهلاك في كوريا الجنوبية وتايوان بنسب تبلغ 3% و3. 11% لكل منهما على التوالي. وقال فيلارزو إن هناك سبباً يجعلنا نفكر في مرحلة معينة وهي المرحلة التي تكون فيها الإمدادات مؤمنة، ويبدأ مستوى المخزون في الارتفاع، وعندها ستهوي الأسعار بمعدل سريع.

وقال إنه من المحتمل أن تجاري الإمدادات من المعدن الأصفر الطلب خلال هذا العام، ويتلو ذلك اتجاه تصاعدي لخلق فائض محدود خلال العام المقبل، وإن كان الطلب سيبقى على قوته. وتجاوز الطلب الكميات المعروضة في العام الماضي بكمية مقدارها 575 ألف طن متري ليسجل عجزاً للعام الثالث على التوالي. ولأجل تلبية هذا الطلب ستقوم شركة كوديلكو بتوسيع مناجمها. وتدرس الشركة وسائل تمويل هذا التوسع كإصدار السندات.

كتب مجدي عبيد