سلط رحيل العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز الضوء من جديد على الاقتصاد السعودي الذي شهد خلال العقود الماضية تحولاً كبيراً في مختلف نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية. وقد ساهم في ذلك بشكل أساسي قيام الدولة ضمن إطار خطط التنمية، باستثمارات واسعة النطاق لإرساء التجهيزات والبنى الأساسية المادية والاجتماعية والمرافق الصناعية شملت إنشاء شبكة واسعة من الطرق والجسور والسدود والمطارات والموانئ والأرصفة البحرية ومرافق الكهرباء والتحلية ونظم الاتصالات.
كما تم إنفاق مبالغ كبيرة على برامج التعليم والتدريب والصحة بما في ذلك إنشاء المدارس والكليات والجامعات وكذلك المستشفيات العامة والتخصصية للقطاعين المدني والعسكري. وفي القطاع الصناعي، استثمرت الدولة موارد كبيرة في إنشاء المدن الصناعية في المدن الرئيسية وكذلك المدينتين الصناعيتين الكبيرتين في الجبيل وينبع المزودتين بمرافق متطورة لاحتواء الصناعات الثقيلة
مثل الصناعات البتروكيماوية الأساسية وصناعة الحديد والصلب ومصافي النفط العملاقة التي أنشأتها الدولة بمشاركة عدد من الشركات العالمية، والقطاع الخاص. كما تم تمديد شبكة أنابيب ضخمة شرق المملكة ووسطها ومن الشرق إلى الغرب لنقل النفط الخام والغاز لتزويد مصافي النفط ومصانع البتروكيماويات بالجبيل وينبع باحتياجاتها من النفط والغاز وكذلك محطات التصدير بالمدينتين لتصدير النفط الخام والغاز ومشتقاتهما.
وقال محللون ان الإصلاحات الاقتصادية المبدئية التي عملت على تنشيط الاقتصاد وأسواق المال في السعودية قد تتسارع وتيرتها الآن بعد ان أصبح ولي العهد الأمير عبدالله مهندس هذه الإصلاحات ملكاً.وكان الملك عبدالله يدير شؤون المملكة فعلياً منذ المرض الذي ألم بالملك فهد منذ نحو عشر سنوات.
وخلال هذه الفترة أدت خطوات الخصخصة وإصلاحات السوق وحوافز الاستثمار إلى انتعاش نشاط القطاع الخاص في المملكة التي كانت سيطرة الدولة على الاقتصاد فيها هي العرف السائد.وخلال عامين ارتفعت سوق الأوراق المالية في المملكة بنسبة 300 في المئة مع قيام جيل جديد من المستثمرين بتوجيه أموالهم إلى الشركات المحلية التي تشهد إرباحها زيادة كبيرة بفضل صعود أسعار النفط والعقود المربحة التي كانت تحصل عليها المشروعات الحكومية من قبل.
وشهدت السنوات القليلة الماضية عدة إصلاحات تهدف لإقناع السعوديين بأن الاستثمار في بلادهم مأمون ومربح.وادى إعلان تقارير ارباح منتظمة وتبني معايير محاسبية دولية إلى زيادة الثقة بأن الدفاتر تعكس الأداء الحقيقي للشركة السعودية. ومن المتوقع أن تزداد سهولة تدفق السلع والخدمات عندما تنضم المملكة لمنظمة التجارة العالمية هذا العام كما هو متوقع.
وتتعلق بعض العقبات الباقية أمام انضمام السعودية للمنظمة بمخاوف خاصة بالملكية الفكرية والمنتجات الغذائية وفقاً لما ذكره اقتصادي كبير بأحد البنوك الكبرى في جدة. واجتذبت الحكومة أرقاماً ضخمة من رأس المال الاجنبي لتحديث قطاع الطاقة في السعودية لكنها ابقت في الوقت نفسه على شركة أرامكو السعودية المسؤولة عن إنتاج النفط في ايدي الدولة.
ويستبعد المحللون خصخصة شركة ارامكو ويتوقع أن يستمر بيع مؤسسات تابعة للدولة وذلك بعد سلسلة من الخطوات الناجحة لقيد شركات كبرى في سوق الاسهم منها الشركة السعودية للصناعات الأساسية «سابك» عملاق صناعة البتروكيماويات.
ووفقاً لتقرير اقتصادي فإن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الاقتصاد السعودي سيصل إلى 5. 4 خلال 2005م مع استمرار بقاء العوائد النفطية مرتفعة وتوسع أنشطة القطاع الخاص وزيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية في ظل ظروف اقتصادية كلية مواتية.
وتوقع التقرير الشهري الذي تصدره شركة الراجحي المصرفية أن يكون أداء كلا القطاعين النفطي وغير النفطي جيداً مما سيجعل النظرة المالية والتجارية خلال العام الحالي متفائلة. واحتوى التقرير على أهم التطورات في الاقتصاد العالمي والخليجي وعرض النقود والتضخم والودائع المصرفية. وأشار تقرير المنافسة في العالم العربي الذي تُلي في المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن المملكة تتمتع بأفضل مناخ للاقتصاد الكلي في المنطقة من ضمن 12 دولة عربية جرى مسحها.
وارتفع عرض النقود بمقاييسه الثلاثة (1، و2، و3) بمعدلات (40. 3%)، و(65. 3)، و(46. 3) ليبلغ 4. 276 مليار و8. 418 مليار، و6. 506 مليارات ريال على التوالي في شهر مارس من عام 2005م. وخلال السنة المنتهية بفبراير 2004م تزايدت كمية نقود (1، و2، و3) بمعدلات سنوية تبلغ 52. 15، 51. 19 ، 68. 17 على التوالي.
وهذا يشير بدوره إلى استمرار التوسع النقدي خلال السنتين الماضيتين بمعدلات مواتية ومتوافقة مع معدلات النمو الاقتصادي الحالية. وعلى الرغم من هذا التوسع النقدي المتواصل فقد تزايدت معدلات الفائدة في المملكة على اثر الزيادة التي شهدتها أسعار الفائدة العالمية مؤخراً.
وحققت الودائع المصرفية في البنوك السعودية في مارس 2005م مستوى بلغ 85. 447مليار ريال مسجلة زيادة شهرية بلغت نسبتها (84. 3%) وزيادة سنوية بلغت نسبتها (2. 20) وبنهاية مارس 2005م بلغ الحجم الكلي للائتمان المصرفي 4. 357 مليار ريال؛ أي بزيادة شهرية بلغت نسبتها (2. 4) وزيادة سنوية بلغت نسبتها (8. 37%) وقد شكلت نسبة الائتمان قصير الأجل نحو 3. 58 من اجمالي حجم الائتمان المصرفي، بينما بلغت نسب كل من الائتمان طويل ومتوسط الأجل 8. 28 و 9. 12 على التوالي.
وخلال المسح الذي أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي على 12 دولة عربية تم التنويه إلى أن المملكة العربية السعودية الأفضل من حيث انخفاض معدل التضخم. وقد تراجع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة في فبراير 2005م. بمعدل شهري بلغ (-1. 0) وخلال الاثني عشر شهراً المنتهية بفبراير 2005م كان معدل التضخم مساوياً لـ 51. 0، وهذا يرجع بشكل رئيسي إلى الارتفاع بنسبة 9. 2% في أسعار الأغذية حسب البيانات الصادرة عن مصلحة الاحصاءات العامة،
وتفيد التوقعات بأن معدل التضخم في العام 2004م كان (3. 0) ويتوقع أن يرتفع إلى (6. 0) في 2005. وخلال العام 2005م يتوقع أن تنبع الضغوط التضخمية الرئيسية من الزيادة في تكلفة الواردات غير النفطية وبخاصة تلك المقيمة بعملات اليورو والين وكذلك بسبب انتعاش الطلب الداخلي بمكوناته المختلفة. وتصدر القطاع الصناعي المركز الأول في قائمة الأداء مسجلاً مكاسب بنسبة 6. 246، تبعه القطاع المصرفي بنسبة 118، فالاتصالات 5. 49، والاسمنت 32، والزراعة 2. 27، والخدمات 8. 20، واخيرا الكهرباء بنسبة 1. 9.
وحققت البنوك التجارية العشرة في المملكة أرباحا صافية تقدر بنحو 3. 1 مليار في الربع الأول من عام 2005م مسجلة زيادة سنوية بنسبة 4. 25% حيث حقق البنك الأهلي اعلى نسبة من الأرباح بلغت (5. 324 مليون دولار) يتبعه الراجحي (5. 249 مليون دولار) ثم سامبا (6. 217 مليون دولار) وبنك الرياض (1. 139 مليون دولار) اما فيما يتعلق بنمو الربح السنوي.
فقد تقدم بنك الجزيرة القائمة محققا نمواً بنسبة (7. 135) يتبعه البنك السعودي للاستثمار (2. 67) فبنك الراجحي (6. 49) وسامبا (4. 40) والبنك العربي (9. 32) والبنك الأهلي التجاري (4. 30)، والبنك السعودي الفرنسي (2. 30)، والسعودي البريطاني (4. 26) والسعودي الهولندي (8. 23) وأخيراً بنك الرياض (6. 19).
وكان أداء الاقتصاد السعودي قد تأثر خلال عام 2001م بالتراجع في أسعار النفط عندما تباطأ معدل النمو الاقتصادي العالمي وخاصة في البلدان الصناعية، مما أدى إلى انخفاض الطلب على النفط وانخفاض أسعاره بنسبة 0. 14 في المئة. مما انعكس سلباً على وضع الميزانية العامة في المملكة التي سجلت عجزاً يقدر بنحو 27 مليار ريال.
وعلى الرغم من تراجع أسعار النفط والكميات المنتجة منه في عام 2001م إلا أن الاقتصاد السعودي سجل تطورات إيجابية بارزة تمثلت في محافظته على معدل تضخم منخفض واستمرار النمو المرتفع للقطاع الخاص غير النفطي، وزيادة الكفاءة في أداء القطاع المصرفي وفقاً للمعايير الدولية، وتواصل الإصلاحات الهيكلية، والتنظيمية، وتعزيز دور التخصيص.
وتسهم الشركات العائلية في 60 إلى 70 في المئة من حجم الاقتصاد الوطني وتستثمر 250 مليار ريال في منظومة الاقتصاد السعودي وتؤثر في اجمالي الناتج المحلي، والمساهمة في رفع نسبة النمو الاقتصادي كما توفر فرصا كبيرة لتشغيل الأيدي العاملة الوطنية. ولكن الشركات العائلية تواجه جملة من التحديات في ظل تيارات العولمة وفتح الحدود والتحول إلى اقتصادات السوق، مما ساهم في ايجاد مناخ تنافسي سريع التغيير.