سلطت شواهد عديدة برزت خلال الفترة الأخيرة الضوء على موضوع الطاقة البديلة، وولدت صراعاً في الآراء حول ما إذا كان من الأمثل استخدام الطاقة النووية أم المصادر الطبيعية مثل الغاز والفحم الحجري أو الخلايا الهيدروجينية. ومن أهم تلك الشواهد الإستراتيجية الجديدة التي وضعتها الإدارة الأميركية خلال الفترة الأخيرة وحصلت على تصديق الكونغرس عليها والمتضمنة لأسس جديدة تهدف إلى تطوير آليات وتقنيات تسمح بتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة.
وقالت الإدارة الأميركية في هذا الشأن إنها أنفقت نحو 20 مليار دولار من أجل ذلك الغرض. ومن بين الشواهد أيضاً الجدل الذي يدور حول البرامج النووية الإيرانية التي تقول طهران إنها تهدف من خلالها إلى توفير مصدر للطاقة البديلة لاستخدامها في الأغراض السلمية،
وهو أمر له ما يسنده إذ تقول تقارير اقتصادية إن الطاقة النووية تزود دول العالم بأكثر من 16% من الطاقة الكهربائية؛ فهي تلبي ما يقرب من 35% من احتياجات دول الاتحاد الأوروبي. وتحصل فرنسا وحدها على 77% من طاقتها الكهربائية من المفاعلات النووية، ومثلها ليتوانيا.
أما اليابان فتحصل على 30% من احتياجاتها من الكهرباء من الطاقة النووية، بينما بلجيكا وبلغاريا والمجر واليابان وسلوفاكيا وكوريا الجنوبية والسويد وسويسرا وسلوفينيا وأوكرانيا فتعتمد على الطاقة النووية لتزويد ثلث احتياجاتها من الطاقة على الأقل.
ووفقاً لتقرير صادر عن وحدة الطاقة المتجددة وهي منظمة تعنى بدراسات الطاقة فإن مصادر الطاقة التقليدية كانت تغطي في بداية الستينات من القرن الماضي أكثر من 90 % من الطلب العالمي على الكهرباء، وتراجعت النسبة حالياً إلى أقل من 18 % فقط. وأدت سرعة تطور الاستعمال الحديث للطاقات المتجددة،
بما فيها طاقة الرياح والطاقة الشمسية في إنتاج الكهرباء، خلال السنوات العشر الماضية إلى زيادة الاهتمام بالأبعاد البيئية لإنتاج الكهرباء وبدور انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون من محطات الإنتاج الكهربائي. ورافق هذا التطور، تراجع مهم في كلفة إنتاج الكهرباء بمقدار 50% عما كان عليه الوضع في السابق، وينتظر أن تقل التكلفة الحالية بنسبة تصل إلى 30% خلال السنوات القليلة المقبلة.
وأعلنت مؤخراً «كوربريشن صن» اليابانية عن إنتاج خلايا كهروضوئية يتوقع لها أن تحدث ثورة كبيرة في مجال اقتصاديات الطاقة الكهربائية.وزاد الجدل الدائر حول الطاقة البديلة في أعقاب الهجمات التي استهدفت مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع الأميركية في سبتمبر 2001. وتصدر النفط المخاوف العالمية من نتائج وتأثيرات تلك الهجمات على المدى الطويل.
وجاء ذلك الخوف لسبب بسيط جداً وهو أن الإنسان يعتمد في استخدامه للطاقة بشكل أساسي على الوقود الحفري كالفحم أو البترول أو الغاز الطبيعي لتوفير الطاقة اللازمة لتدفئة المنازل والمكاتب وإنارة المدن وطهي الطعام وتشغيل المصانع وإنتاج المواد البتروكيميائية لصناعة الملابس والأجهزة المنزلية وغيرها من أوجه الحياة المختلفة.
وكان النفط ولا يزال أهم مصدر من مصادر الطاقة حيث قامت عليه الكيانات الاقتصادية العملاقة وكان سبباً رئيسياً في وجود المجتمعات العمرانية الحديثة على مدار القرن العشرين وما تلاه. وبدأ الناس يطرحون سؤالاً في غاية الخطورة والتعقيد حول ما إذا كان النفط سيتنازل خلال الفترة المقبلة عن عرشه لصالح مصادر أخرى.
ويؤكد علماء الجيولوجيا والبترول أن حجم إنتاج البترول بالعالم سوف يصل إلى أقصى حد له خلال العقدين المقبلين ليبدأ بعدها في الانهيار السريع، الأمر الذي يصاحبه ارتفاع جنوني في الأسعار وهو الأمر الذي بدأت ملامحه تظهر بقوة خلال الأشهر القليلة الماضية إذ وصلت الأسعار إلى مستويات قياسية لم تكن معروفة من قبل، وحطمت حاجز الستين أكثر من مرة في الأيام القليلة الماضية وفتحت الباب واسعاً أمام تكهنات تقول إنها ستصل إلى مئة دولار في وقت ما.
وتشير الدلائل إلى أن الدول غير الأعضاء بمنظمة »أوبك« قد اقتربت بالفعل من الحد الأقصى لإنتاج البترول الخام مما يهدد المخزون الإستراتيجي للبترول تهديداً وبالتالي يؤدي إلى تحولات اقتصادية وسياسية كبيرة. وإزاء هذا الوضع زاد شغف الولايات المتحدة الأميركية والصين اللتين تتصدران قائمة الاستهلاك العالمي ومعهما الدول الغربية الأخرى إلى البحث عن الوسائل التي تمكنهم من استخدام مصادر أخرى للطاقة
مثل الفحم والقطران والمازوت الأمر الذي يثير حفيظة مناصري البيئة الذين يرون في ذلك تهديداً صريحاً للعالم بكوارث بيئية لن تحمد عقباها، أقلها ارتفاع درجة حرارة الأرض نتيجة لزيادة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، وانتشار الأمراض المستعصية التي تنجم عن تلوث البيئة.وبرز الهيدروجين كأحد البدائل المرشحة، وفي كتابه «طاقة الغد: الهيدروجين وخلايا الوقود.. من أجل كوكب نظيف خالٍ من التلوث».
ويقول الكاتب بيتر هوفمان «بواسطة الهيدروجين، نستطيع تشغيل الطائرات والسيارات والقطارات والسفن والمصانع وتدفئة المنازل والمكاتب والمستشفيات والمدارس وغيرها، ويستطيع الهيدروجين، في حالته الغازية، نقل الطاقة كالكهرباء لمسافات بعيدة وعبر أنابيب النقل وبكفاءة عالية وبأقل تكلفة ممكنة،
وباستطاعة الهيدروجين اعتماداً على تقنية وقود الطاقة أو الآلات الأخرى المولدة للطاقة أن يوفر لجمهور المستهلكين الكهرباء والماء النقي الصالح للشرب، والهيدروجين، بوصفه عنصراً كيميائياً، له استخدامات وتطبيقات متنوعة خلاف الطاقة الكهربائية».ويتم الحصول على الهيدروجين من خلال طريقتين رئيسيتين، تعتمد الطريقة الأولى على تحويل الفحم الحجري إلى غاز، وفي حين تقوم الثانية باستخراج الهيدروجين من البنزين أو الميثانول.
وخلايا الوقود الهيدروجينية ليست أمراً جديداً إذ يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر الميلادي عندما تم اختراعها في إنجلترا على يد السير وليام روبرت جروف، ولكن نظراً لعدم جدوى استخدامه في تلك الفترة، ظل هذا الاختراع حبيس الأدراج لأكثر من 130 سنة تقريباً، وعادت خلايا الوقود مرة أخرى للحياة في عقد الستينات،
وذلك عندما طورت شركة »جنرال إليكتريك« خلايا تعمل على توليد الطاقة الكهربائية اللازمة لإطلاق سفينتي الفضاء الشهيرتين »أبوللو« و»جيمني«، بالإضافة إلى توفير مياه نقية صالحة للشرب. وبدأت في الآونة الأخيرة تتشكل ملامح تقنية خلايا الوقود وتظهر في الأسواق لاستخدامها بالمنازل والمكاتب والمصانع، حيث خصصت كبرى الشركات المصنعة للسيارات أكثر من ملياري دولار من ميزانياتها للإنفاق على تطوير السيارات والحافلات والشاحنات التي تعمل بالهيدروجين.
وعرضت «جنرال موتورز» في دبي نهاية العام الماضي سيارة من طراز «هاي ـ واير» تسير بالكهرباء، وتعمل بخلايا الهيدروجين مع تقنيات الأسلاك الكهربائية. وقد جمعت ميزات الدفع وأنظمة التحكم ضمن شاسي لا تتعدى سماكته 28 سنتيمتراً، مما أتاح الوصول إلى مساحة داخلية مريحة لخمسة ركاب مع أمتعتهم.
ولا وجود لدواسات في هذه السيارة، بل هناك وحدة تحكم مركزية يسيطر بها السائق يدوياً على كل تجهيزات السيارة. وحصلت »جنرال موتورز« خلال تصميم »هاي ـ واير« على 30 براءة اختراع، تستعمل بعضها في سياراتها المنتجة تجارياً. وهي تأمل إنتاج سيارات تعمل بخلايا الوقود يمكن للناس شراؤها مع نهاية العقد الجاري.
لكن إحدى الدراسات الحديثة التي أجراها معمل الطاقة والبيئة بمعهد «إم.إي تي» الأميركي أفادت أن العربات التي تعمل بخلايا الوقود الهيدروجينية لن تكون أفضل من تلك التي تعمل بالديزل والكهرباء معاً، حيث أثبتت الأبحاث الدقيقة أنه بمطلع عام 2020، لن تكون العربات الهيدروجينية أكثر توفيراً في استهلاك الطاقة أو أقل إنتاجاً للغازات الملوثة المتسببة في ظاهرة الاحتباس الحراري. ويرى بعض الخبراء أنه وفي ظل الثورة الهيدروجينية، سيكون مصدر الطاقة بمثابة المستهلك والمنتج في آن واحد.
وعلى الرغم من نظرة التفاؤل التي تسيطر على الأوساط العلمية لدى حديثها عن ثورة الطاقة المرتقبة، فإن الطاقة الهيدروجينية ارتبطت لدى أذهان الناس ومنذ زمن بعيد بسمعة غير طيبة نظراً لبعض الإخفاقات التي حدثت على فترات متقطعة عبر التاريخ، ومن هذه الكوارث ذلك الحريق الهائل الذي اندلع بالمنطاد الألماني»هندنبيرغ« عام 1937م وأودى بحياة 36 شخصاً ألمانياً.
ويتمسك الكثير من الخبراء بالرأي القائل إن الغاز الطبيعي هو أفضل ما يمكن أن يحل محل النفط، لأنه أقل تلويثاً للجو من البنزين. وعلى الرغم من أن الغاز الطبيعي قد لا يكون هو الحل الوحيد لأزمة الطاقة ومشاكل البيئة، لكنه يعتبر الأقل تلوثاً. لهذا فهو قادر على أن يحل تدريجياً محل مشتقات النفط.