الحملة الإعلامية التي تسبق عادة عروض الأفلام، تقوم أحياناً على مبدأ التسويق التجاري الخادع، فيوصف الفيلم المسوق بصفات مكبرة أكثر من مرة، وتضع المشاهد في حالة تشوق لرؤية المنتج الجديد. الذي استطاعت وسائل الإعلان أن تقنعه بأن مشاهدة هذا الشريط فرصة ستضيف إليه فكرة جديدة عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

وعندما يشعر المشاهد أنه قد خدع، فلا من فكرة حصل عليها وخاب أمله بتحصيل متعة مفترضة.هذا الخداع يقع بشكل يومي، في تسويق الأعمال الفنية وغيرها من المواد الاستهلاكية. وهذا يحيل الفن إلى مادة للاستهلاك، تبعده عن ترفعه وموقعه السامي، الذي كان حقيقياً وأصبح الآن افتراضياً.

«ذا ايلند» او الجزيرة فيلم المخرج مايكل باي الجديد، سبقته حملة إعلامية إعلانية كبيرة، بدا بعد مشاهدته لا يستحقها، أو أنه أقل بكثير من المتوقع خصوصاً وأن قصته مثيرة حول الاستنساخ البشري والمشاكل الأخلاقية التي تتبع لهذا الأمر. يبدأ الفيلم من حلم مزعج يراه المستنسخ (ايكو 3) يجسد دوره الممثل إيوان ماكسمبريجر، فيري الفريد، وإلى جانبه جوردن المستنسخة أيضاً، تجسد دورها الممثلة سكاريت جوفانسون، فجأة يقذف به إلى قاع البحر ويحاول بعضهم إغراقه، فيستيقظ مرعوباً من هذه الرؤية، في غرفته وحيداً الخالية تماماً إلا من سرير أبيض في منتصفها بين جدران لا نوافذ فيها، معلق عليها شاشة حاسوب آلي، تعلمه أنها سجلت اضطرابات نومه، فيهم بارتداء حذائه وملابسه البيضاء أيضاً، لأنه على موعد مع الدكتور ليخرج فتتضح للمشاهد الصورة،

حيث الممرات الطويلة، والمصاعد الالكترونية والتوجيهات التي تأتي لجميع سكان المبنى الذين يتشابهون بملابسهم وأحذيتهم. يدخل المصعد مع زملاء له، فتظهر شاشة تلفاز داخله تعلمهم عن الفائز بجائزة اللوتو لهذا اليوم والتي تؤهل صاحبها إلى الانتقال من هذا المكان المبرمج إلى «الجزيرة» المكان الوحيد الخالي من التلوث على سطح الكوكب ويغضب أحدهم، لأنه منذ سبع سنوات ينتظر الفوز والانتقال إلى الجزيرة الموعودة.

يشكك ايكو بوجود الجزيرة، فيتسلل إلى مكان سري داخل المجمع فيكتشف عمليات القتل والبشر داخل أكياس يتم استنساخهم، فيعرف أن الانتقال إلى الجزيرة، ليس سوى وهم لكي يتم قتل الفائز، لكنه لا يفهم لماذا، خصوصاً أنه بلا ذاكرة ومستنسخ أيضاً، ولا يعرف أي شيء عن الحياة الحقيقية.

فيقرر إنقاذ صديقته جوردان التي فازت بجائزة اللوتو، وهي تعد نفسها للانتقال، فيعلمها بما رأى فيهربان معاً ويتعرضان لملاحقة ومطاردة هائلة من قبل عصابة مسلحة تعمل بشكل خاص للمركز. فينتقل مخرج الفيلم من التصوير الداخلي المغلق إلى الخارج، وتبدأ مشاهد الإنارة التي تتميز بها أفلام مايكل باي عادة،

وينجح ايكو بمساعدة البعض أن يصل إلى الذي دفع خمسة ملايين دولار وطلب استنساخه بسبب إصابته بمرض في الكبد يريد استبداله ويطلب منه مساعدته في حل هذه المعضلة. فيوافق الطبيعي بعد أن يعلم شركة الإنتاج عن وجود ايكو في منزله، لكن ايكو يقول لهم إنه الكائن الأصيل فيقومون بقتله وإعادته.

فيتعرف ايكو بعدها على الحياة بما فيها من حب وكراهية وغرائز وسواها، ويقدر مع جوردان إنقاذ البقية وتحريرهم من السجن ومن فكرة الجزيرة. وبالطبع ينجحان وينتهي الفيلم بمشهد واسع وكل النسخ البشرية بلباسهم الأبيض يقفون على جبل في الحياة الحقيقية.

يعاني هذا الفيلم من موقف للمخرج حول علم الاستنساخ، وهذا حق له، لكن لا يمكنه أن يفرض وجهة نظره على الآخرين، أو أن يصور الأمر على انه عمل إجرامي ولا أخلاقي بالكامل. في موضوع غير واضح المعالم بعد. فالتصورات التي وضعها باي في الفيلم أدت إلى القضاء على أي نقاش، فهو تعمد تبشيع الأمر، مع انه يمكن أن يكون الموضوع على عكس ذلك، فليس من الضرورة أن يكون الاستنساخ للبشر بحد ذاتهم،

فيمكن أن تتم زراعة أعضاء الجسد البشري لمساعدة المرضى والذين يعانون من أمراض عضال. والمشكلة الثانية التي يعاني منها الفيلم بانتقاله من مكان متوتر على المستوى الإنساني والنفسي، إلى توتر أفلام المطاردات والآكشن، فبدا الجمع بين هذا وذاك ضرباً من ضروب المستحيل،

إضافة إلى أن فنيات الفيلم جاءت مكررة من أفلام جيمس وسواها من أفلام مشابهة. وكذلك هي نهاية الفيلم التي جاءت عادية وتقليدية فينتصر فيها الخير من بشر مستنسخين على بشر حقيقيين، فيبدو الخير في المزيف والشر في الأصيل. ففكرة الفيلم المهمة ضاعت بمعالجة فنية رديئة على مستوى السيناريو والإخراج معاً. فتفرغت من معانيها، كان يمكن عرضها في فيلم وثائقي قد يكون مفيداً أكثر من هذا «ذا ايلايند» الذي أغلق أبواباً كثيرة للحوار بموقفه المضاد الواضح.

حسين قطايا