بدأت الصين تصدر سندات حكومية دفترية للعام 2005 اعتباراً من أول أغسطس الجاري، وتعد هذه السندات هي الإصدار الرابع لعام 2005 وهي أيضاً أول مجموعة من سندات الخزانة الدفترية تصدر بعد الارتفاع الطفيف لقيمة العملة الصينية. ولقي إصدارها إقبالاً كبيراً من المستثمرين برغم انخفاض نسبة عائداتها نوعاً ما.
وتشتمل هذه السندات على نوعين: الأول لمدة ثلاث سنوات وفائدته السنوية 24. 3 بالمئة وصدر في أغسطس، أما النوع الثاني فهو لمدة خمس سنوات وسيصدر في سبتمبر المقبلة وفائدته السنوية 6. 3 بالمئة. واللافت أن هذه السندات سرعان ما تم الاكتتاب فيها بالرغم من ان نسبة فائدتها السنوية انخفضت قليلا مقابل السندات من الإصدارات الثلاثة السابقة لهذا العام.
وكانت الفائدة السنوية لسندات الثلاث سنوات 24. 3 بالمئة ولسندات الخمس سنوات 81. 3 بالمئة في الإصدارات الثلاثة السابقة. وقال خبراء ماليون ان سبب ذلك يرجع إلى ارتفاع قيمة اليوان مما دفع المستثمرين إلى تسوية حساباتهم في البنوك وأدى إلى توافر السيولة ورفع بالتالي حماسة المواطنين للاستثمار في سندات الخزانة.
ويرجع بعض المحللين ازدياد حجم الاكتتاب في سندات الخزانة إلى نقص المجالات الاستثمارية المنخفضة المخاطر في ظل تزايد الأموال الاجتماعية. مما يؤدي إلى تحول كميات كبيرة من الأموال إلى سوق سندات الخزانة المنخفضة المخاطر. وقال خبير في قطاع البنوك ان ازدياد الأموال بالعملة الصينية لدى المستثمرين قبل وبعد ارتفاع قيمة اليوان هو احد الأسباب الهامة لاجتذاب سندات الخزانة المزيد والمزيد من المستثمرين.
ووفقاً لخبراء في إدارة الشؤون المالية لبنك الصين فإن تخفيض نسبة الفائدة لهذه السندات له علاقة مع تعديل سعر صرف اليوان. فعند ارتفاع سعر الصرف للعملة في دولة ما ترتفع قيمة الرساميل التي تحسب بالعملة المتداولة في هذه الدولة ولكن ثمة علاقة تناسب عكسي بين سعر السندات وحجم عائداتها، وهى تتمثل في انه عندما ترتفع أسعار السندات تنخفض نسبة عائداتها.
وكان بنك الصين الشعبي «البنك المركزي» قد أعلن في أواخر الشهر الماضي عن فك الارتباط بين اليوان والدولار مما فتح الباب أمام تكهنات واسعة النطاق. وقالت الصين إنها لن تجعل عملتها قابلة للتحويل بشكل كامل قبل 5 سنوات نتيجة مخاوفها من ان تؤدي مضاربات صناديق التحوط إلى دفع العملة الصينية للهبوط، وهو الأمر الذي حصل سابقا مع العملة الكورية الجنوبية الوون وعملة تايلاند المحلية البهت عام 1997 وأدت إلى أزمة مالية كبيرة في آسيا.
وقال محللون صينيون إن قرار حكومة بكين بإعادة تسعير العملة المحلية أمام الدولار بنسبة 2 في المئة يشكل بداية لإصلاح كبير بالنسبة للسياسة النقدية الصينية ولكنها لن يكون لها تأثير كبير على الاقتصاد الصيني على المدى القصير. وتوقع يي شيانرونج الباحث في مركز دراسات التمويل الدولي بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية أن يكون هناك بعض التأثير على الصادرات والواردات للصين ولدول أخرى.
وأضاف »لكن نظرا لان التغيير »في سعر الصرف مازال محدودا ولان الكثيرين كانوا يتوقعون بالفعل إعادة تسعير اليوان فلن يكون للقرار تأثير كبير». ونقل بنك التعمير الصيني عن مسؤول حكومي رفيع المستوى القول إن الخطوة سوف تساعد في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي وسوق المال في الصين. ومن جانبه قال ياو ينج يوان كبير المحللين الاقتصاديين في مكتب الإحصاء الوطني الصيني إن الكثير من الناس يشعرون بالقلق بشأن تأثير إعادة تسعير اليوان على الصادرات.
وسيكون للقرار تأثير على المدى القصير على كل من معدل النمو والبطالة. وسوف يجبر الشركات الصينية التي تعتمد على التصدير إلى تعديل هياكلها الإنتاجية ومساعدة الصين على خفض مخاطر تضخم المدخلات الإنتاجية، أي ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج بصورة خطيرة. وفي تعليقها على هذه الخطوة قالت صحيفة «تشاينا ديلي» اليومية الصينية إن القرار الأخير خطوة أساسية في الطريق نحو اقتصاد رأسمالي أكثر نضجاً وتعقيداً.
وأضافت أنه وبفك ارتباط العملة الصينية بالدولار وربطها بسلة عملات فإن الدولة أدخلت تغييراً جوهريا على إدارتها لعنصر مهم من عناصر الاقتصاد. وقالت إن المؤشرات الاقتصادية للنصف الاول من العام الحالي أشارت إلى تحسن ظروف الاقتصاد الكلي الصيني وهو ما يجعل الوقت مناسباً لاتخاذ تلك الخطوة في اتجاه إصلاح آلية تسعير العملة الصينية.
وأشارت إلى أن القرار الصيني أيضا يشكل استجابة لدعوة متكررة من جانب الشركاء التجاريين للصين وبخاصة الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي لتحرير سعر صرف العملة الصينية.وقالت إن هذا القرار سوف يفيد أيضا الشركاء التجاريين للبلاد ويساعد على استقرار اقتصاد العالم. وذكر بنك جولدمان ساكس آشيا الاستثماري ان اليوان يمكن أن يرتفع بنسبة 9 في المئة أمام الدولار خلال عام.
ويرى بعض الخبراء أن أثر ارتفاع اليوان سيكون محدوداً على المدى القصير. ووفقاً لأولئك الخبراء فإن قيام الصين بفك ارتباط اليوان بالدولار، وربطه بسلة من العملات، والسماح لقيمته بالتغير ضمن نطاق محدود تعني استمرار قيمة اليوان في الارتفاع مقابل الدولار خلال الشهور المقبلة.
وكانت الحكومة الصينية قد استجابت للضغوط الاقتصادية والسياسية التي واجهتها في الشهور الماضية. ونظراً لأن القيمة الحقيقية لليوان أصبحت أكبر من القيمة الرسمية التي تربطه بالدولار بسبب النمو الاقتصادي الكبير خلال السنوات الماضية وتراكم فوائض مالية ضخمة لدى الحكومة الصينية، فقد دخلت أموال ضخمة إلى الصين بهدف المضاربة على سعر اليوان.
ومن المتوقع أن يرفع التعويم من قيمة العملة الصينية مقابل العملات الأخرى، ويخفض من القدرة التنافسية للبضائع الصينية، ويفسح مجالاً لزيادة صادراتها إلى الصين وغيرها. وتفاقم الأمر في الشهور الأخيرة لدرجة أن بعض الدول، خاصة الولايات المتحدة، بدأت تهدد الصين بفرض عقوبات اقتصادية عليها ما لم تقم برفع قيمة عملتها،
الأمر الذي يهدد صناعتي الإلكترونيات والنسيج في الصين. وترى هذه الدول أن الحل يكمن في تعويم اليوان ليرتفع إلى مستواه الحقيقي، الأمر الذي سيمكن هذه الدول من تخفيض العجز في موازينها التجارية عن طريق زيادة صادراتها من جهة، وتخفيض وارداتها من الصين بسبب ارتفاع تكاليفها.