تزايد خلال الفترة الأخيرة الجدل حول ظاهرة الإغراق، وبحسب تقارير وثيقة فإن عدد حالات الإغراق المسجلة بلغت نحو 400 حالة في مختلف دول العالم. وتعتبر المنتجات الزراعية من أكثر السلع المتأثرة بالإغراق، ما أثار خلافاً كبيراً بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي الشهر الماضي حول سياسات الدعم الزراعي الذي يكلف خزائن الحكومات نحو 400 مليار دولار سنوياً.

ويقول محللون إن سبب انهيار معظم الاتفاقيات الدولية يعود في جزء كبير منه إلى ظلم وعدم إنصاف أحكام الاتفاقيات الزراعية التي تضر المزارعين، وتقتل التنوع البيولوجي، وتبعد عن التوزيع العادل والمنصف وتقتل امن وسلامة الغذاء. والإغراق هو ظاهرة معروفة في الأسواق العالمية، تتضمن بيع أية سلعة في دولة أجنبية بسعر يقل عن تكاليف إنتاجها.

وعادة ما يصحب ظاهرة الإغراق تمييز سعري بين السوق المحلية للسلعة والسوق العالمية. فعندما تكون السوق المحلية احتكارية، يحدد المنتِج سعراً أعلى من تكاليف الإنتاج، لكن العكس تماماً عندما لا تخضع الأسواق لسياسات الاحتكار حيث ينفتح الباب أمام المنافسة الخارجية، وهنا يتحدَّد السعر عند مستوى أقل من تكاليف الإنتاج،

ومن ثم تعوِّض الأرباح الاحتكارية المحققة في السوق المحلية الخسارة الناجمة عن البيع بأقل من التكلفة في السوق العالمية. وعادة ما تصاحب ظاهرة الإغراق توسع في الإنتاج، تجاوباً مع الطلبين العالمي والمحلي على السلعة. وهنا يحقق المنتجون في الدولة المغرِقة وفوراً داخلية وخارجية نتيجة للتوسع في الصناعة، وهي ما تسمى بفائض الإنتاج.

ومن أبرز أمثلة الإغراق في التاريخ الحديث ذلك الذي نجم عن غزو المنتجات الصينية للأسواق الأميركية والأوروبية، إضافة إلى إغراق الأسواق الأميركية بعصير التفاح الصيني الذي لا تتعدى تلكفته عن 10% من نظيره الأميركي. وبدا المزارعون الأوروبيون أكثر اهتماماً بالأمر،

وشهدت الأسابيع الماضية مظاهرات واحتجاجات عارمة في الكثير من الدول الأوروبية، و تعترض مجموعة من 33 بلدا على تجاهل منظمة التجارة العالمية مطالبهم بحماية أمنهم الغذائي ووسائل كسب الرزق في ريفهم من خلال منتجات خاصة وآليات حمائية خاصة.ويطالب البعض بضرورة وجود نصوص تضعها الشعوب حول التجارة في اتفاقية الزراعة حيث أن الطعام هو أكثر احتياجات الشعوب أساسية، وتشكل الزراعة وسيلة كسب الرزق للسواد الأعظم من سكان المعمورة.

وعلى الرغم من الفارق الزمني الكبير بين جولتي أورجواي والدوحة إلا أن مقررات الجولتين لا تزالان تشكلان القاسم المشترك في قضية الإغراق والخلافات التجارية. وقامت جولة أوروجواي على أساس نص دانكل الذي كتبه آرثر دانكل، وجولة الدوحة مالت إلى نص هاربينسون الذي كتبه ستيوارت هاربينسون.

ويرى المعارضون أن معظم نصوص الاتفاقيات تميل إلى محاباة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتتحاشى القضايا الرئيسية التي أثارتها الدول الفقيرة أو الأقل نمواً.وتطالب جماعات دولية بضرورة إعادة النظر في مسألة تحرير التجارة ويدعون إلى الخروج باتفاقيات تضمن الأمن الغذائي لسكان العالم الثالث وتحمي وسائل كسب الرزق بالنسبة للمزارعين وتغيير أحكام الاتفاقيات الزراعية على أساس ذلك.

ففي الهند مثلاً طالبت مجموعة ناشطة بإعادة النظر في ما أسمته بالوضع غير العادل الذي يحكم الأسواق العالمية والذي يكلف المزارعين الهنود أكثر من 26 مليار دولار. وتنطلق دعاوى المجموعات المعارضة من حقيقة أن الطعام ليس مجرد سلعة قابلة للاتجار فيها مثل السيارات والحواسب الشخصية. ويطالبون منظمة التجارة العالمية بوضع اللوائح المنظمة لضمان العدالة في تجارة السلع الزراعية.

ويرون أن المنظمة لا تقوم بدورها كما ينبغي فيما يتعلق بالأمن الغذائي. وينشدون دوراً شرعياً لمنظمة التجارة العالمية يتمثل في منع الممارسات التجارية غير المنصفة مثل الإغراق وسيطرة الاحتكار على الأسواق. وأظهر تقرير صادر حديثاً من المعهد الدولي للسياسات الزراعية والتجارية، أن مستوى الإغراق في أربع سلع كبرى للولايات المتحدة، قد ازداد منذ 1995 عندما بدأت منظمة التجارة العالمية تنفيذ سلطتها، رغم أن هدف المنظمة المعلن هو تقليل الممارسات المشوهة في القطاع التجاري.

فبينما كانت التكلفة الكاملة للقمح في الولايات المتحدة عام 2001 هي 24. 6 دولارات للقنطار، بلغت أسعار التصدير 5. 3 دولارات. وبالنسبة لفول الصويا، التكلفة الكاملة كانت 98. 6 دولارات للقنطار، بينما بلغت أسعار التصدير 93. 4 دولارات. وفي حين يكلف إنتاج قنطار الذرة 47. 3 دولارات تصدره الولايات المتحدة بواقع 28. 2 دولار.

وينطبق نفس الشيء على الأرز الذي يكلف إنتاج القنطار منه 66. 18 دولاراً وتبيعه أميركا في الأسواق العالمية بواقع 55. 14 دولاراً.ولا تزال الدول الكبرى تمضي في سياسات دعم المزارعين وذلك لتحقيق أغراض تندرج تحت استراتيجياتها المحلية والدولية، وارتفعت فاتورة الدعم التي تقدمها الدول الغنية لمزارعيها إلى أكثر من 350 مليار دولار سنوياً.

وبحسب البنك الدولي، فإن أسعار القطن الأميركي المنخفضة تكلف المزارعين في البلدان الأفريقية خسائر سنوية تقدر بنحو 250 مليون دولار. وتعتبر الصين هي أكثر دول العالم التي لديها قضايا إغراق كمتضرر أو كممارس له، فهي الدولة الأولى في العالم المرفوع ضدها قضايا للإغراق،

وكذلك الدولة المفروض على صادراتها أكبر رسوم لمكافحة هذا الإغراق، وتتركز السلع الصينية المشكو في حقها في المنسوجات والمنتجات الكمياوية، والدراجات، وألواح الزجاج، وأواني الألومونيوم، وإطارات السيارات، والأسمنت الأبيض، والأحذية وغيرها من السلع البسيطة.

وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية هناك قضايا إغراق رفعت ضدَّها من بعض الدول النامية وخاصة بالنسبة لصادراتها من المنتجات الكيماوية، وألياف الإكريلك، وفلاتر الزيت، وألواح الحديد، وورق التصوير، وأواني الألومونيوم، والدقيق، والمطاط، والكابلات وغيرها، ويمكن إرجاع هذه القضايا إلى طبيعة عمل الشركات الأميركية دولية النشاط التي تسعى إلى تصريف منتجاتها بشتّى الوسائل، والسيطرة على الأسواق العالمية.

وبرزت خلال الفترة الأخيرة بوادر إيجابية حيث أعلنت المفوضية الأوروبية أنها ستعيد النظر في إجراءاتها المتعلقة بمكافحة الإغراق بناء على طلب الدول المصدرة ومن أجل التحقق من توافقها مع قواعد منظمة التجارة العالمية. وجاء القرار الأوروبي في أعقاب الحكم الذي أصدرته منظمة التجارة العالمية العام الماضي والذي اعتبرت فيه أن بعض المعايير التي يستخدمها الاتحاد الأوروبي فيما يخص إغراق الأسواق ببعض السلع المستوردة من الهند مخالفة لاتفاق منظمة التجارة العالمية الخاصة بمكافحة الإغراق.

كما وافق الأسبوع الماضي نحو20 من كبار منتجي اجهزة التكييف في الصين على تقديم رد رسمي على اتهامات مكافحة الإغراق التركية. وقال ليو بنغ شو المسؤول بالغرفة التجارية الصينية لاستيراد وتصدير المعدات والمنتجات الالكترونية ان ممثلي شركات التكييف الشهيرة ومن بينها تشانغهونغ وجرى وتشونلان اجتمعوا في بكين مؤخرا لمناقشة اتخاذ اجراءات مشتركة للرد على اتهامات الإغراق التركية.

وقال ليو ان تركيا فرضت مؤخرا ضريبة مكافحة إغراق بنسبة 50 في المئة على التلفزيونات الملونة الصينية المستوردة. انها ستتخذ إجراءات مؤقتة مكافحة للإغراق ضد مواد مضافة غذائية من نوع النويدة مستوردة من اليابان وكوريا الجنوبية. وفي الجانب الآخر قالت وزارة التجارة الصينية في بيان لها انها ستجمع الايداعات النقدية من المستوردين للمضافات الغذائية، وقالت إنها أجرت تحقيقا أثبت أن البلاد تتعرض لحالات إغراق واسعة.