ترفع كثير من الشركات في تقاريرها السنوية وبياناتها الدعائية شعاراً تجارياً دائماً ألا وهو إن كوادرنا البشرية هي مصدرنا الثمين.إلا أن بعض الشركات يبدو وكأنها غفلت عما يعنيه ذلك القول، وأخرى تتشدق به، ناسية أنها تسيء معاملة مستخدميها. كلما طاب لها الهوى، كما تقول «فاينانشيال تايمز» في تقرير لها.
والفكرة الأساسية التي تقف وراء ذلك القول نبيلة المقصد، فالإنسان يحب أن يقدر حق قدره، فهو ليس آلة، ومع ذلك، فإنه في بعض الشركات التجارية يعامل معاملة أشد سوءاً من الآلة.وكان هارينجتون إيمرسون ـ مهندس أميركي، وكاتب في الإدارة ـ علق عام 1913 على «حماقة» الشركات التي تنفق الوقت والمال جزافاً في صيانة آلات الإنتاج ولكنها في الوقت ذاته تذيق الأمرين لعمالها المهرة الذين يديرون تلك الآلات وتعاملهم معاملة البهائم.
وحتى يومنا الحاضر، فإن كثيراً من الشركات تستدعي المستشارين والخبراء، لإصلاح عطل في أحد أجهزة حواسيبها، ولكن لو أصيب أحد العاملين بعارض ما، فالويل له، فهو يعاد إلى منزله، طالبين منه حل مشاكله بنفسه.وكان علماء النفس السلوكي، أمثال الراحل ديفيد مكليلاند، قد بينوا أن الأسلوب الذي يعامل به العاملون من قبل مشغليهم تنجم عنه آثار مباشرة على أدائهم وقدراتهم الإنتاجية.
وكان مكليلاند، أستاذ البحث النفسي في جامعة بوسطن، قد أكد أن العاملين تحركهم مجموعة مختلفة من الحاجات، بما في ذلك الحاجة إلى الإنجاز والسلطة والانتماء، أي الحاجة إلى الانتماء إلى مجموعة أو مجتمع. وعند الوفاء بتلك المتطلبات فالنتيجة تكون أداء عمالياً فائقاً، فالناس يقدمون أكثر من جهدهم، وقد كتب إيكو جيرو نوناكا، أستاذ الإدارة في جامعة هيتوسو باشي، عن دور العاملين في الإتيان بأفكار خلاقة،
ويستشهد بأحد أنجح مصممي السيارات في «هوندا»، «هوندا سيتي»، التي طورت عام 1978، من قبل فريق إنتاجي من المهندسين الشبان والتنفيذيين.وقد أبعد الفريق الذي تراوحت أعمار أعضائه حول السابعة والعشرين عن نسق الإدارة العليا لـ «هوندا» غير أنه تلقى الدعم للخروج بتصميم ناجح.
وكان الشعار الذي رفعته هوندا، آنذاك، «ليس كوادرنا هم مصدرنا الثمين، بل دعونا نقامر»، موحية بخطوة محفوفة بالمخاطر، حيث شجعت الأشخاص على التحدي، والخروج بأفكار خلاقة.إن المشكلة في شعار «كوادرنا هم مصدر ذخرنا الثمين» في استخدام كلمة مصادر.
فالمصادر أشياء نستخرجها ونستغلها ولا تعدو كونها مواد خام، نستخدمها بصورة فعالة قدر الإمكان، مستخرجين منها قيمة، وما نعين الفضلات. غير أن الناس ليسوا مواد خام، ولا يمكن وصفهم بأغلى مصادر الشركة لأنهم الشركة ذاتها.«هوندا» لم تعامل فريق تصميمها كمصدر، تستخرج منه موديلات السيارات، وبدلاً من ذلك وضعتهم في قلب الشركة، ومنحتهم المصادر التي يحتاجونها لإنجاز عملهم.
وهذا الشعار لابد من إحالته إلى التقاعد، فقد قوضت مصداقيته على يدي مديري مصادر بشرية غير كفؤة. وكانت النظرة إلى العاملين كمصادر موضع شك. لقد حان الوقت للتفكير بالناس، كالتفكير بالتجارة ذاتها فالعاملون هم الذين يقررون نجاح الشركة أو سقوطها، وهم بالتالي بحاجة إلى حوافز، وهنا يصح القول. «إن الأفعال أقوى من الكلمات».
ترجمة: وائل الخطيب