أكدت دراسة حديثة بأن دور المدير المالي لم يعد مجرد كبير للمحاسبين بل أصبح شريكاً إدارياً وقائد تغيير ضمن هيكلية الإدارة المعاصرة، حيث شهد دور المدير المالي تحولاً جذرياً خلال العقد المنصرم لم تشهده سوى القليل من الأدوار الوظيفية. وأظهرت بأن مفهوم المدير المالي بمعناه الضيق كرئيس حسابات وخبير تقني يقتصر دوره على البيانات المالية للشركة وهيكل رأس المال لم يعد الميزة الوحيدة المعروفة.
فقد أصبح شريكاً للرئيس التنفيذي يؤدي مهاماً رئيسية في وضع استراتيجية العمل والعمليات والأداء والإشراف عليها وانه عامل تغيير ناشط، ومبتكر، ومستقل. ويرى خبراء الإدارة ان مهام المدير المالي ومسؤولياته في يومنا الحالي تتضمن تخطيط العمليات وتحليلها وتكنولوجيا المعلومات والتخطيط الاستراتيجي والإدارة والتحليل، وأنه لابد لأعضاء الإدارة العليا من التخلي عن الدور التقني الصرف والاضطلاع بمهام إضافية أشمل وأوسع نطاقاً، لاسيما في ظل العولمة والتغيير في المناخ القانوني والتنظيمي والنمو اللائح في الأفق.
وتعليقاً على واقع الاتجاهات العالمية هذه على العالم العربي يفيد جو صدي ـ شريك ونائب رئيس في بوز زلن ومقره في بيروت: «يواكب الشرق الأوسط هذا الاتجاه إذ يواجه المديرون الماليون في المنطقة تحديات مماثلة تزيد من وطأتها مسارات الإصلاح الاقتصادي المستدام التي تسلكها البلدان في هذا القطر من العالم وانضمامها الوشيك إلى منظمة التجارة العالمية.
وقد أجرت بوز ألن هاملتون حوارات مباشرة في إطار دراسة شاملة حول تطور دور المدير المالي مع مجموعة من المديرين الماليين في شركات Pfizer وjohnson& Johnson وbasf وproctor & gamble وdeutsche telekom واحدى عشرة شركة أوروبية وأميركية أخرى، ونشرت المقابلات في كتاب عنوانه: cfo thought leaders advancing the frontiers of finance.
وأظهرت الحوارات ان المديرين الماليين في كبرى الشركات العالمية يمضون القسط الأكبر من وقتهم في أنشطة خارجة عن الحدود التقليدية لمنصب المدير المالي. اذ يعد المديرون الماليون أنفسهم اليوم ناشطون استراتيجيون، فيقول روبرت ج. داريتا ـ المدير المالي لـ Johnson & Johnson: ان خطة النمو توازي الإدارة للتكلفة الصلبة أهمية إن لم تفقها أهمية.
وتظهر الدراسة ان الغالبية الكبرى من الرؤساء التنفيذيين يعتبرون المديرين الماليين معاونيهم الرئيسيين في توجيه مبادرات التحويل على مستوى الشركة. وعلى الرغم من ان هذا التحول جرى خلال عقد من الزمن أو أكثر، تمكنت الدراسة من رصد ثمانية اتجاهات على الأقل لتقيم الدليل على عمق هذا التحول.
ومن هذه الاتجاهات التي ر صدتها الدراسة ان المدير المالي يشارك بشكل مباشر في تصميم نهج العمل الخاص بالشركة وتكييفه وتنفيذه وعلق كارل ـ جيرارد إيك، المدير المالي ونائب الرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات الألمانية deutsche telekom قائلاً: أنا أشارك في جميع قرارات التخطيط الجماعية على مستويي التشغيل واستراتيجية الشركة.
وأكدت الدراسة بأنه مع اكتساب أسواق رؤوس الأموال صفة العالمية، ليصبح شأنها في ذلك شأن الشركات، يؤدي المدير المالي أكثر فأكثر دوراً رئيسياً في الربط بين استراتيجية عمل الشركة ومفهوم توليد القيمة المضافة لحاملي الأسهم shareholder value. ويقول تيري مولونغيه المدير المالي لشركة renajlt وأحد أعضاء الفريق الإداري المتعدد الجنسيات الذي شارك في إعادة إحياء شركة «نيسان» لصناعة السيارات: «كان لابد من نشر هذه الثقافة عن كيفية تحقيق المكاسب أفضل مردود للأصول».
وأشارت الدراسة إلى ان الحرص على الالتزام بالاتجاه الاستراتيجي سمح للمديرين الماليين في الشركات بتولي مهامهم وتقدير المقاييس وتحليلها، ويعلق روبرت ل. لامبكينز المدير المالي لمؤسسة الأغذية والزراعة العملاقة Cargill في هذا السياق «المقاييس هي معيار السلوك ومن الضروري ان نعرف ما اذا كان سلوك عملائنا يستجيب لتوقعاتنا وما اذا كان هؤلاء يركزون على الملائم من الأمور. هذا جزء من عمل المدير المالي.
ويقول المديرون الماليون إنهم يشاركون أكثر فأكثر في إدارة الأداء اذ يسعون من أجل تأمين ما يطلق عليه روبرت ج. ديلينغر، المدير المالي لشركة الاتصالات sprint اسم «علاوة التنفيذ» التي يمنحها المساهمون للمتفوقين في الأداء.وهكذا أصبح المديرون الماليون يمنحون المزيد من المسؤوليات والاختصاصات في إدارة الوظائف ذات المساهمة المباشرة في أداء الشركة اذ يتولى دوغلاس أوبرهلمان رئيس مجموعة caterpillar على سبيل المثال إدارة أعمال تصنيع محرك ديزل في بيوريا وايلينوي.
* ديناميكية جديدة
وأكدت الدراسة بأن منصب المدير المالي واجه تحديات متعاظمة خلال السنوات الأخيرة. يتابع جو صدي قائلاً: «يولد المناخ الجديد في الشرق الأوسط ضغوطاً تنافسية متنامية ويفرض أولويات استراتيجية جديدة على الشركاء ومديريها الماليين. وفي ظل هذا السياق المتغير لابد للشركات من تنسيق مجالات أعمالها والتركيز على مجموعات خدمات ومنتجات تخولها تحقيق ميزة تفضيلية مستدامة وقابلة للاستمرار والتخلي عن أعمالها الموروثة».
في مسح أجرته مجلة CFO Magazine في عام 2004، أكد 68% من المديرين الماليين أنهم واجهوا خلال العامين الماضيين ضغوطاً وظيفية أكثر من أي وقت مضى وأشار 63% منهم إلى أن الإجهاد في العمل أثر سلباً في صحتهم. واللافت اليوم هو ما يكتسبه دور المدير المالي من أهمية متنامية في تراتبية الشركة العادية والمؤهلات الإضافية المطلوبة للوصول إلى هذا المنصب والتوقعات المتزايدة للرؤساء التنفيذيين والمديرين من المدير المالي.
* منتجو القيمة المضافة
لقد استكمل معظم المديرين الماليين في كبرى الشركات بنجاح عملية الانتقال من دور القيم المؤتمن على القيمة إلى دور الشريك التجاري في تحقيق قيمة مضافة. وهذا التصميم المتزايد اليوم على توليد قيمة مضافة للمساهمين يحفز المدير المالي على الارتقاء من دور المقرر إلى دور المنفذ.
في هذا الإطار، أطلق شركة Caterpillar لصناعة معدات البناء والتعدين في العام الماضي أسلوباً جديداً لرفع التقارير إلى الإدارة يدعى Transparent Financial Reporting، ما معناه شفافية التقارير المالية، يقوم على الربط الوثيق بين النظام الداخلي لرفع التقارير وعائدات المساهمين.
وتستخدم Procter & Gamble مفهوماً لتوليد القيمة المضافة للمساهمين يعرف باسم (TSR) Total Shareholder Return، أي عائد المساهمين الإجمالي، كأداة وأسلوب استراتيجيين لتقييم أداء الإدارة وحساب المكافآت التشجيعية، وحث مديري الإدارات والأقسام على تصويب انتباههم نحو الميزانية العمومية ونقدية التشغيل وعدم الاكتفاء بالتركيز على حساب بيان الأرباح والخسائر.
* المخاطر الناجمة
تلقي إدارة المخاطر بثقلها على خطط عمل معظم الشركات ـ ومعظم المديرين الماليين. ومما لا ريب فيه أن قانون ساربنز ـ أوكسلي في الولايات المتحدة الأميركية الذي شدد الرقابة على مدى امتثال الشركات للقواعد والمعايير والرقابة الداخلية والإدارة النزيهة وزاد الحاجة إلى إيلاء اهتمام جدي للأرباح والخسائر والميزانية العمومية وهيكل رأس المال، ساهم في اكتساب مفهوم إدارة المخاطر بعداً أكبر.
إلا أن المديرين الماليين الذين تمت مقابلتهم يعتبرون أن وتيرة التغيير في عصر العولمة والتكنولوجيا فاقت في أهميتها قانون ساربنز ـ أوكسلي كعامل يحفز على تطور مفهوم المخاطرة وآليات مراقبتها. ويشير في السياق نفسه فانينغ ـ المدير المالي لشركة Southern Company التي تؤمن الكهرباء في المنطقة الجنوبية الغربية من الولايات المتحدة الأميركية، إلى أن في صناعة الطاقة التي تواجه مخاطر هائلة، بدءاً بمجهولية مستقبل الطاقة النووية وصولاً إلى تأثيرات قوانين البيئة المحتمل إصدارها، من غير السهل فصل المخاطر والعائد».
ويضيف جو صدي من بوز ألن هاملتون قائلاً: «إن المؤسسات العاملة في مختلف القطاعات في المنطقة مرغمة اليوم على التوفيق بين أنماط عملها وتعقيدات السوق وتشعباته. علماً بأن بعض القطاعات، حيث باتت المنافسة واقعة حتمية، يشهد في إطار هذا الاتجاه الثوري إعادة هيكلة واندماج شاملين وتحالفات استراتيجية بخاصة بين المؤسسات المحلية ومتعددة الجنسيات.
كان ثمة اجماع شبه كلي بين المديرين الماليين الذين تمت مقابلتهم على أن مجاراة التعقيد المتزايد الذي غالباً ما يرافق النمو يطرح تحديات جمة لابد من مواجهتها وأن التقدم التكنولوجي حمل في طياته مزيداً من التعقيد وإن أحدث ثورة في تكنولوجيا المعلومات وأساليب العمل.
* رفع سقف التوقعات
لابد من التوضيح أنه بالرغم من التحول الكبير في دور المدير المالي ورفع سقف التوقعات منه، فالمنافع والفوائد التي يعود بها ذلك على المديرين الماليين وشركاتهم كثيرة وذات شأن. ففي مناخ يصر فيه المستثمرون على استدامة النمو ودقة التوقعات وموثوقية المكاسب، سرعان ما يكتسب كبار الموظفين الذي يساعدون شركاتهم على بلوغ هذه الأهداف، مكانة مرموقة.
ولحسن الحظ يتمتع المدير المالي بموقع يخوله لعب هذا الدور الديناميكي المحرك، فالمدير المالي الكفء يمتلك مقدرة فطرية على إدراك ما هو أنسب للشركة أو المؤسسة التجارية. كما أن مهام المدير المالي واختصاصاته التقليدية في المحاسبة والامتثال للمعايير يضفي على هذا المنصب قدراً كبيراً من الاستقلالية والموضوعية.
يقدم المدير المالي خدماته حصراً إلى المساهمين، وهذا الموقع، مقترناً بعلاقة الثقة التي يقيمها مع كبار كوادر الشركة أو المؤسسة يمكنه من الانتقال بسهولة ويسر إلى دور تحويلي قادر على إحداث التغيير. دور وإن تكشفت صعوباته ومشقاته فإنه يعكس الواقع الجيد للمديرين العامين حول العالم.
م.ب