يواجه الاقتصاد الليبي العديد من التحديات لإعادة هيكلته وليواكب المرحلة الراهنة التي تعيشها ليبيا والتي تتسم بانفتاح غير مسبوق على الغرب.ويطرح الانفتاح على الغرب على الاقتصاد الليبي إشكالية مدى قدرته على التجاوب مع متطلبات السوق الحر.

بعد ان ظل هذا الاقتصاد يدور في فلك المفهوم الاشتراكي الذي تبنته النظرية العالمية الثالثة والنظام الجماهيري والذي يقوم على أساس مؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ دون الحاجة إلى المفهوم الغربي للديمقراطية وهى الأحزاب السياسية والانتخابات.

وقام النظام الاقتصادي في ليبيا خلال الثلاثة عقود الماضية على هيمنة الدولة الليبية على النشاط الاقتصادي، ورغم ان عدد سكانها يصل إلى نحو 5.5 ملايين نسمة ويقارب معدل نمو السكان المركب بنسبة 5,4% أي انه من أعلى النمو السكاني في العالم حاليا.

ولكن ليبيا بالنسبة لمساحتها الجغرافية الشاسعة والعدد الضئيل نسبيا لسكانها وتبلغ الكثافة في بعض المناطق 0.10 نسمة في الكيلو متر المربع، تتميز المدن الساحلية التي تتركز فيها معظم النشاطات الحضرية بكثافة سكانية مرتفعة تصل إلى حوالي 360 نسمة في الكيلو متر المربع الواحد كما في طرابلس تقدر الكثافة بنحو 2.8 % نسمة في الكيلو متر المربع.

وقام النظام الاقتصادي في ليبيا طوال هذه السنوات على النظام التشاركي وشركاء لا أجراء أي ان العاملين في الشركات والتشاركيات هم شركاء في الإنتاج، لكن يبدو ان هذا الشق كما أوضح محللون وأساتذة جامعات اقتصاديون ليبيون ظل في واقع الأمر مجرد تسميات وان الأمر لا يتعدى كونه شركات القطاع العام في أية دولة أخرى.

والواقع ان الاقتصاد الليبي الذي عانى العديد من المشكلات الفنية بسبب نقص قطع الغيار للمصانع والشركات بسبب الحظر الذي كان مفروضاً عليها نتيجة ما يسمى بقضية لوكيربي وكبل الاقتصاد الليبي 34 مليار دولار وشل بعض القطاعات يحتاج الآن إلى جذب ضخم للاستثمارات الأجنبية من اجل نقل التكنولوجيا والتقنية الحديثة إليها سواء من الدول الأوروبية أو آسيوية أو الأميركية.

وهذا ما جعل الزعيم الليبي خلال خطابه أمام فعاليات الشعب الليبي في العيد الثامن والعشرين لإعلان سلطة الشعب ان يطالب برفع كل القيود التي تقف في طريق تحرير النشاط الاقتصادي الليبي بحيث يكون الليبيون أحراراً في اختيار الشكل الذي يناسبهم من الأنشطة الاقتصادية في إطار من الحرية الكاملة بما في ذلك تأسيس الشركات على أساس الشراكة أو الأجرة أي العمل بنظير مقابل مالي وهو الأمر الذي ظل محظورا طوال السنوات الماضية حيث كان ينظر إلى اجر العامل على انه جزء من نصيبه في إنتاج التشاركية.

وتحتاج البلاد إلى جذب الاستثمارات الأجنبية بعشرات المليارات من الدولارات لإعادة هيكلة البنية الأساسية من إسكان وصحة وتعليم وقطاعات النفط التي تضررت من سنوات الحصار، ولذلك كان العقيد معمر القذافى في أكثر من مرة واضحاً في طمأنة الشركات الدولية والغربية انه لا عودة إلى الوراء ولا عودة إلى التأميم مرة أخرى لأن الاقتصاد الآن في يد الشعب الليبي وليس في يد الأجانب، ولذا توجب إصدار العديد من التشريعات الاقتصادية وإعادة النظر في العديد من القرارات الاقتصادية السابقة إلى تحول حاليا لمواكبة المرحلة الحالية.

وأصبحت ليبيا الآن أكثر انطلاقاً نحو الانفتاح على العالم بعد إنهاء كل الملفات العالقة مع الغرب وأميركا مثل ملف لوكيربي، اليوتا الفرنسية، وملهى برلين، وتخلي ليبيا طواعية عن برامجها النووية في نهاية 2003 مما مهد الطريق أمام الشركات الدولية والغربية ان تتسابق على طرابلس الغرب.

وخاصة الشركات الأميركية التي فازت بنصيب الأسد في أول مناقصة علنية للتنقيب عن النفط والاستكشاف في البر والبحر وفازت بنصيب 9 مواقع من 15 موقعاً في نهاية فبراير 2005، وهناك 44 قطعة أخرى تم الإعلان عنها في مايو الماضي وهناك تنافس شديد بين الشركات الدولية المتخصصة وعلى رأسها الشركات الأميركية وسيتم الإعلان عنها في أكتوبر المقبل.

ويؤكد الدكتور فحى بن شتوان أمين الطاقة الليبي في هذا الصدد ان بلاده تسعى من اجل العودة بالإنتاج الليبي من النفط إلى ما كان عليه في بداية الثمانينات وهو اكثر3 ملايين برميل يومياً في 2010 وهى الآن تنتج 1.7 مليون برميل يومياً، كما تسعى ليبيا من خلال الاستثمارات الواعدة في قطاع النفط والغاز والتي تتعدى حاليا اكثر من 17 ملياراً من اجل زيادة الاحتياطي النفطي الليبي والذي يتعدى الآن 30 مليوناً إلى 100 مليون من خلال الاستكشافات الجديدة.

والحكومة الحالية بقيادة رجل الاقتصاد الحر الدكتور شكري غانم والذي يحاول منذ تسلمه رئاسة الحكومة العمل من اجل إزالة المعوقات التي كانت تعيق التقدم الاقتصادي من خلال إصدار التشريعات الجديدة والاستفادة من الخبرات الدولية الاقتصادية وذلك من خلال التعاون مع خبراء من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي وإقامة ورش عمل من اجل إعادة هيكلة العديد من القطاعات الاقتصادية الليبية وعلى رأسها القطاع المصرفي والمالي في ليبيا.

وفى نظرة واقعية من اجل تنشيط الاقتصاد الليبي فإن الحكومة تحرص في المرحلة الحالية على اعتماد حزمة من الإجراءات من اجل إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي فبالإضافة الى الدعوة إلى فتح الباب على مصراعيه لليبيين لاختيار نوعية العمل وشكله سواء العمل الحر، او شريك او بالأجرة، تم منذ بداية عام 2004 خطة استراتيجية للحكومة الحالية من اجل توسيع قاعدة الملكية في ليبيا أي الخصخصة والتحول من القطاع العام إلى القطاع الخاص .

وطرحت الحكومة 360 وحدة وشركة ومصنعاً من اجل خصخصتها حتى بداية 2008 وفي البداية سمحت بخصخصة الشركات الصغيرة للقطاع الخاص في ليبيا وقد تم طرح أكثر من 48 شركة ومصنعاً وتم تمليكهم لمواطنين ليبيين حسب ما وضح الدكتور محمود الفطيسى رئيس اللجنة العامة لتمليك الوحدات الاقتصادية وهى المرحلة الأولى.

أما المرحلة الثانية وقد بدأت وفيها سيكون الاستثمار لليبيين والمستثمرين العرب وقد تم الإعلان مؤخرا عن طرح شركة الاسمنت وهى من المشروعات الاستراتيجية في ليبيا وتملك اكثر من 6 مصانع منتجة وتقدر قيمتها المطروحة أمام المواطنين والمستثمرين العرب 600 مليون دينار ليبيي.

وتحاول الحكومة الليبية الحالية بشتى الطرق الحد من نسبة البطالة المتفشية بين الخريجين الليبيين والتي وصلت على حد قول مسؤولين ليبيين 14%من عدد السكان من خلال القروض الشبابية بشروط ميسرة من اجل الإنتاج وعمل مشروعات إنتاجية وحرفية صغيرة وتقدر هذه القروض بنحو 2,3 مليارات دينار.

كما ان الحكومة ضخت أيضا للمصارف الليبية مبلغ ملياري دينار من اجل قروض إسكان للشباب من اجل الحد من المشكلة الإسكانية التي باتت تؤرق الحكومة حالياً وتعمل بكل جهد من اجل حلها ولذلك أقدمت الحكومة خلال الفترة الماضية إلى التوقيع على عقود مع أكثر من 300 شركة ليبية متخصصة في البناء من اجل تنفيذ 50 ألف وحدة سكنية في عامين بقيمة 3 مليارات دولار.

وأعلن رئيس الحكومة الدكتور شكري غانم أنه خلال الأيام القليلة المقبلة سيتم التوقيع على تنفيذ 50 ألف وحدة سكنية أخرى مع شركات أجنبية بقيمة 5,3 مليارات دينار من اجل إنهاء مشكلة الإسكان في ليبيا نهائيا.

طرابلس ـ سعيد فرحات