أعلنت الحكومة الهندية عزمها على إصلاح القطاع المصرفي وإعطاء الأمر الأولوية القصوى في استراتيجيتها الجديدة.

وخلال الاحتفال بالعيد المئتين لبنك الهند المركزي، أكبر بنوك البلاد، لم يتمالك رئيس الوزراء الهندي نفسه، منتهزاً الفرصة، للمباهاة بنظام بلاده المصرفي، قائلاً: «لو أن هناك أفقاً نتفاخر بتقدمنا فيه على الصين، فإننا نقول بكل ثقة إنه صحة ونهضة نظامنا المصرفي».

لعل النظام المصرفي، يعاني من عدوى القروض الهالكة أو المعدمة، التي عانت الصين منها. غير أن شريحة من الخبراء الاقتصاديين، ترى أن أداءها يستحق الاحتفال. فثمة دلائل واسعة تشير إلى أنه على الرغم من حملة الإصلاحات التي أطلقت عام 1991، فإن قطاعاً مصرفياً غير فعال، يظل عائقاً أمام حكومة تأمل في تحقيق معدل نمو اقتصادي بنسبة 8%، ترى أنه كفيل بانتشال مئات الملايين من الفقر.

لقد تمكنت الهند من تحقيق معدل ادخار مؤثر، حيث يقدر البنك الدولي حصة الأصول المالية في الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 173 في المئة، مقارنة بـ 104 في المئة في المكسيك، و112 في المئة أندونيسيا، و157 في المئة في البرازيل. غير أن هذه النسبة لا تُستثمر إلاّ نذراً في الاقتصاد.

وبسبب متطلبات التمويل الحكومية، فعجز الحكومة عن إدارة أصولها المالية، يمثل العصب الموجع في ضعف النظام المصرفي، باعتبارها وسيطة مالية وتمثل متطلبات العجز التمويلي المرتفع، وعجز الدولة والميزانية المركزية مجتمعة 16 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، كما أن 40% من مصادر النظام البنكي مستثمرة في سندات حكومية.

ويقول شانان آيا الخبير الاقتصادي في جي أم مورغان ستانلي: «إن الحكومة تمتص جزءاً كبيراً من ودائع البنوك، لتمويل نفقات إيراداتها، والمساعدات بدلاً من الاستثمارات طويلة الأجل. بحيث لا يتبقى للبنوك سوى الفتات، لاستكشاف فرص الإقراض، خارج الشركات الكبرى. ويضيف: «إن هذه هي المشكلة الكبرى بالنسبة للنمو الاقتصادي في الهند».

ويتخوف الاقتصاديون من أن البنوك تمتلك سندات حكومية أكثر مما هو مطلوب من نسبة السيولة القانونية.ومن جانب آخر، فإن شريحة كبيرة من الاقتصاد تظل محرومة من دخول التمويل الرسمي وتبقى نسبة الائتمان الخاص تجاه الناتج الإجمالي المحلي أقل من 40% مقارنة بأكثر من 100% في بلدان مثل الصين وماليزيا وكوريا الجنوبية. اضافة إلى أن المقترضين يسيطرون على 70% من فقراء الهند الريفيين من دون حسابات مصرفية.

ويرى برايا باسو، اختصاصي القطاع في البنك الدولي وجود علّة ما، قائلاً: ان ثمّة ضغوطاً على البنوك لاستثمار المزيد من السندات الحكومية، على حساب نسبة السيولة القانونية، وفي ظل إرغام البنوك على إقراض 40% من الودائع الصافية إلى قطاعات تمييزية، فلا يبقى أقل من الربع لدى المديرين لإقراضه إلى من يرونه صاحب الاستحقاق.

على امتداد تاريخها ما بعد الحرب، فإن المخططين المركزيين في الهند، استخدموا شبكة الصيرفة لتحويل المدخرات باتجاه الأولويات السياسية. فقد جرى تأميم البنوك، ووجه التسليف نحو قطاعات على أساس الأهداف الكمية، وبُنيت الشبكات الريفية وفقاً للأغراض الاجتماعية، من دون اعتبار لربحيتها.

غير أن ذلك بدأ في التغيُّر خلال العقد الماضي، فقد جرى تحديد أسعار الفائدة وانخفضت مطالبة البنوك بتحمّل دين الحكومة، والالتزامات بإقراض مجالات تمييزية، مثل الزراعة والتجارة الصغيرة الحجم، خفّت حدتها، وكان من شأن تلك الإصلاحات تشجيع نمو الودائع وتطور الثقافة الائتمانية، ومجيئ قوى خاصة وأجنبية إلى الساحة.

إن العمل الجبار في دمج التحرير الاقتصادي والاستقرار الذي أشرف عليه البنك المركزي لا يجوز بأي حال التقليل من شأنه.كانت الاصلاحات المحافظة التي شرع بها البنك الاحتياطي الهندي، لها تبريراتها، خلال أزمة آسيا الشرقية أواخر التسعينات القرن الماضي. فقد ترك الذعر المتفشي الذي عم أرجاء تايلاند واندونيسيا، وكوريا الجنوبية، القطاع المالي الذي تسيطر الحكومة على الجزء الأكبر فيه في حالة سليمة.

وفي مقال لاختصاصي القطاع في البنك الدولي نشر أخيراً، قال: «إن النظام المصرفي في الهند، يبدو محمياً من الأزمات، نظراً للمرونة التي يتمتع بها سعر الصرف وارتفاع الاحتياطي من العملات الأجنبية. وحساب رأس المال لم يحول بكامله بعد، وبالرغم من نجاح البنوك الهندية، المستهلكة حديثاً من قبل القطاع الخاص، مثل icici و hfdc بانك، وجهود البنوك الأجنبية مثل سيتي بانك، وستاندارد تشارترد، للقيام بغزواتها فإن الأفق المالي للبلاد يبقى خاضعا للهيمنة مؤسسات القطاع العام المتعثرة، التي أبطأت هشاشتها وعجزها عن التحرر عجلة النمو.

ويظل هاجس البنك الاحتياطي الهندي حول المخاطر المنهجية، الكامنة في تفجير البنوك العامة الفاشلة في أدائها للكامل طاقتها التنافسية، السبب الرئيسي في الحركة البطيئة لعملية التحرر. وكان البنك الاحتياطي الهندي، أعلن في شهر فبراير خريطة طريق للقطاع محفوفة بأقصى درجات الحذر، وأيضاً عراقيل أمام الاستحواذ الاجنبي للبنوك حتى العام 2009.

وفي السياق ذاته، قال باسو «إن كان لي أن ألخص ذلك، في جملة واحدة، قلت إن النظام البنكي مشى بفعالية نحو الاستقرار».

وأضاف: «إن النظام النقدي الهندي، ليس على شفا الانهيار، وإذا ما شاءت الحكومة، للاقتصاد أن ينمو، بخطى حثيثة، فإن الوقت حان للتركيز على فعاليته وقوة القطاع البنكي».

ويذكر أن القطاع المصرفي العام، الذي يسيطر على أكثر من 52 في المئة من الأصول المالية، يحتفظ بأوضاع قوية، وهي تتمتع بشبكة فرعية واسعة، وتتمتع بالضمان الصريح للحكومة المركزية والثقة المطلقة للمودعين في بلد كان مواطنون وفقاً لمورغان ستانلي، يمتلكون في مارس 2005، 200 مليار دولار من الذهب، أكبر بمرتين ونصف من مقتنياتهم في سوق البورصة.

وحتى الآن، فإن البنوك الخاصة والأجنبية التي تتمتع بشبكات أصغر عجزت عن اختراق سوق الادخار والودائع تحت الطلب من الجمهور وهي تجارة يهيمن عليها القطاع العام، كما أن وصولها كان ملحوظاً أكثر من غيره في السوق التجاري عالي الدرجة، حيث كان الانتشار مصحوباً بدخول متنام لأسواق رأس المال والتمويل الخارجي.

ومن جهته كتب مايكل كارتر رئيس البنك الدولي في الهند «إن معظم الإصلاحات المقترحة تتحدى مصالح المجموعات صاحبة الامتياز والبعض منها يتضمن تعديلات مؤلمة، غير أن التأخير سيزيد النفقات أكثر وأكثر». وأضاف أن «إصلاحات القطاع المالي، حيوية لتحقيق النمو والازدهار المستدامين».

ترجمة وائل إبراهيم الخطيب