زادت شهية دبي على استهلاك منتجات الصلب بمختلف أنواعها بما فيها حديد الخردة. ووصل الأمر إلى حد العمل على تلبية تلك الشهية المفتوحة من خلال الحرص على عدم تشجيع تصدير حديد الخردة. وهو ما يخالف الصورة الراسخة في الأذهان عن شغف دبي بتجارة إعادة التصدير، لكن يبدو أن الاهتمام الأساسي بات يعطي الأولوية لتلبية الاحتياجات المحلية.
ويمكن القول إن هذه الأولوية فاقت في أهميتها أولويات أخرى، بما في ذلك أنشطة إعادة التصدير. وتم اللجوء إلى أسلوب فرض الرسوم على صادرات الحديد الخردة للتحفيز على توجيه تلك المنتجات إلى السوق المحلي. وعلى الرغم من الجدل الذي صاحب فرض هذه الرسوم،
وانقسام الرأي بين مصنعي منتجات الصلب وتجار حديد الخردة إلا أن الأولوية التي سادت على ما دونها من الأولويات هي تلبية شهية دبي المفتوحة على استهلاك منتجات الحديد والصلب حتى لو أدى تطبيق مثل هذه القرارات إلى إثارة حنق دوائر المصالح المعنية بتصدير حديد الخردة، أو إلى بروز مشاكل جانبية تتعلق بزيادة مخزون الحديد الخردة على أرصفة الموانئ.
كما أدت تلك الشهية المفتوحة إلى زيادة واردات قضبان حديد التسليح والتي يأتي 80% منها من تركيا.وفي محاولة لإنقاذ منتجي الحديد والصلب المحليين، فرضت وزارة المالية والصناعة في الإمارات رسماً قدره 250 درهماً للطن على تصدير خردة الحديد/الصلب اعتباراً من 13 سبتمبر 2004.
وكان الهدف من هذا القرار هو عدم تشجيع تصدير خردة الحديد لتتوفر بالتالي لصناعة الحديد والصلب ولإنتاج منتجات مختلفة تلقى طلبات هائلة هذه الأيام بفضل مشاريع البناء الضخمة التي يعلن عنها بين يوم والآخر تقريبا. وجاء اتخاذ قرار فرض الرسوم في أعقاب المقترحات التي تقدمت بها صناعة الحديد والصلب المحلية التي كانت تواجه نقصاً خطيراً من المادة الأولية لمدة طويلة والذي كان يعد أحد العوامل المسببة لارتفاع أسعار منتجات الصلب.
* ازدهار تجارة الخردة
وتشير التقديرات إلى أن هناك أكثر من 1000 تاجر للخردة جعلوا من إمارة الشارقة على مدى سنين مركزاً تجارياً رئيسياً لمختلف أنواع الخردة بمصادر مختلفة للتوريد. كما أن هناك طلباً هائلاً على خردة الحديد والصلب التي تم تجميعها من المشاريع والأبنية المهدمة في الهند وباكستان وإيران، وفي بعض البلدان الأخرى.
كذلك تفيد التقديرات أن ما يتراوح بين 350 ـ 400 ألف طن متري على الأقل من الخردة تصدّر من الإمارات سنوياً محققة ما بين 5.2 ـ 3 مليارات درهم كعائدات تصدير. وإلى جانب حديد الخردة الذي يتم تجميعه من الإمارات، هناك كميات ضخمة من حديد الخردة يتم استيرادها من آسيا الوسطى واستراليا.
وبرزت أهمية إمدادات خردة الحديد لسد الفجوة المتسعة بين الطلب والعرض. وأثار القرار بعض المشكلات، من بينها مشكلة التهرب من سداد رسوم التصدير، حيث طالبت كبرى الشركات العاملة في مجال حديد الخردة بالإمارات باتخاذ إجراءات بخصوص التهرب من دفع رسوم مقدارها 250 درهما على كل طن متري من صادرات حديد الخردة من الإمارات.
ووفقا لتقديرات الصناعة، فإن نحو 50 ألف طن متري من خردة الحديد يتم تصديرها شهريا من الإمارات، ونتج عن التهرب من دفع الرسوم خسارة خزانة حكومة الإمارات حوالي 12 مليون درهم شهريا.
* الرسوم بين الشكاوى والجدل
بناء على هذه الخلفية، رفعت كبريات الشركات العاملة في الحديد الخردة شكاوى إلى غرفة التجارة والصناعة بالشارقة، تضمنت الإشارة إلى ان هناك عدداً من الممارسات السيئة التي يتبعها صغار مصدري الخردة بلجوئهم إلى أساليب تتنافى مع المبادئ الأخلاقية بهدف التهرب من دفع الرسوم على الصادرات، وهو الأمر الذي أدى إلى توقف شبه كامل في أعمال الشركات الكبرى العاملة في مجال حديد الخردة والتي اعتادت أن تتعامل مع 80 % من تجارة خردة الحديد.
وعلاوة على ما سبق، أثار قرار فرض الرسوم استياء تجار حديد الخردة الذين رأوا أن النظام الجديد قد سبب للمتعاملين المحليين في الخردة خسارة لعملهم، منذ أن أصبحت الأسعار أقل منافسة في سوق التصدير بسبب الضريبة، كما ظهرت مشاكل أخرى تتعلق بتكدس كميات الحديد الخردة في المرافئ.
وهي مشكلة ناشئة عن القيود التي تواجهها الخردة المشحونة إلى مقاصدها نتيجة لقيام بعض الدول مثل الهند وباكستان والصين بفرض بعض القيود على مستوردي الخردة، وهو الأمر الذي أدى إلى تضاعف خسارة المتعاملين بالخردة في الإمارات.
وفي السياق ذاته، تبدت شهية دبي المفتوحة على استهلاك منتجات الحديد والصلب في زيادة وارداتها من قضبان التسليح من تركيا والتي شهدت ارتفاعات قياسية خلال السنة الماضية بسبب الطلب المتزايد الذي يغذيه ازدهار البناء حيث تشير التقديرات بأن متوسط واردات الإمارات من قضبان التسليح يتجاوز 75 ألف طن شهرياً. ويأتي حوالي 80% منها من تركيا إضافة إلى كميات يتم توريدها بشكل أساسي من قطر والسعودية، وتأتي نسبة صغيرة من أوكرانيا.
* طلب نشط على الصلب
وابرز الدلائل الأخرى التي تؤكد انفتاح شهية دبي بوجه خاص، والإمارات بشكل عام ازدهار حركة الشحن البحري في الأعمال المرتبطة بمنتجات الصلب. ويروي أحد العاملين في هذا المجال مدى الزيادة الضخمة في أنشطة تفريغ وتحميل السفن بمنتجات الصلب،
وهو يقول في هذا الصدد : إن الطلب على الصلب في الإمارات بسبب ازدهار البناء، كان طلباً نشطاً جداً لدرجة أننا كنا نقوم بالتعامل في المناولة لباخرتين أو ثلاث بواخر شهرياً من تركيا وحدها السنة الماضية، وتحمل كل باخرة 25 ألف طن من قضبان التسليح. وأضاف مستدركا «لقد تضاعفت شحنات قضبان التسليح ثلاث مرات عن المستوى السابق البالغ حوالي 25 ألف طن شهرياً في السنوات الماضية».
* ركود في الأسواق الأخرى
ويتناقض هذا الازدهار في الطلب على منتجات الصلب في دبي بشكل خاص والإمارات العربية بشكل عام مع الاتجاهات السائدة في الأسواق العالمية. فمن جانب، يخيم الركود على سوق الولايات المتحدة، ويظهر الاستهلاك الفعلي مؤشراً صغيراً للانتعاش وتقوم مراكز الخدمة بتصفية مخزوناتها التي لا تزال عالية جداً بالنسبة للطلب الجاري، ومازالت كذلك أسعار الصفقات التجارية تتجه نحو الانخفاض، وتعمل المصانع هناك على خفض إنتاجها لكي تجعل الإنتاج متوافقاً مع الطلب.
وعلى غرار الحال في السوق الأميركي، تستمر قيم الصفقات التجارية في السوق الكندية في التراجع، لأن المنتجين يخفضون أسعارهم بسبب التراجع في المبيعات لتخفيض المخزون تقريباً، هذا علاوة على تدني مستوى نشاط عمل مراكز الخدمات. وفي الإطار ذاته، استمرت الأسعار الصينية في سلك مسار الانخفاض، ذلك أن نمو الطلب آخذ في التباطؤ في وقت تدخل فيه طاقة إنتاجية كبيرة حيز التشغيل وتصل للفور الصفقات التي تم إجراؤها في وقت سابق من السنة.
وفي اليابان من المتوقع أن تحافظ المبيعات المباشرة لشركات صناعة السيارات وبناء السفن على تقدم قوي بقية هذه السنة. ويبدأ الآن تدفق الكميات الخارجية بالتأثير، أما عمل العقود فهو جيد أيضاً في كوريا الجنوبية إلا أن نشاط التوزيع ضعيف، وتبقى أسعار المنتجات المسطحة في تايوان ثابتة على نحو أساسي هذا الشهر.
ويتم الآن إبرام صفقات تجارية قليلة جداً، كما بدأت القيم بالتحول نحو الانخفاض مع اشتداد المنافسة الأجنبية، وخاصة من الصين الشعبية. وفي أوروبا الغربية، لا تظهر أية بوادر على انتعاش الطلب على الرغم من تخمة السوق بالكميات المعروضة، وإن كان منتجون عديدون ألزموا أنفسهم بإجراء تخفيضات في الإنتاج خلال الربع الثاني من العام الجاري.