أكد تقرير حديث أن دول مجلس التعاون الخليجي تشهد ازدهارا اقتصاديا حقيقيا منذ عامين تدعمه عوامل عديدة أهمها وفرة السيولة ومعدلات الفائدة المنخفضة، وقد نتج عن ذلك تسجيل معدلات نمو عالية في دول المنطقة تجاوزت نسبتها 7% في العام 2004.

وأشار تقرير نشرته مجلة «بيزنيس توداي» أمس الى أن هذه النتائج قد انعكست بشكل مباشر على أسواق المال الكبرى في المنطقة أكثر من غيرها، حيث سجلت مؤشراتها خلال الاشهر الستة الاولى من العام الجاري ارتفاعا ملحوظا كان من شأنه تعزيز الثقة وتنظيم الأداء وضبط التشريعات التي طالما افتقدتها تلك الأسواق في الماضي.

ونقلت عن أنيس سلطان رئيس قسم الاستثمارات البنكية في بنك عمان الوطني أن النفط كان العامل الرئيسي في تحويل وجهة الاقتصاد الكلي للمنطقة، والذي انعكس بوضوح من خلال أسواق المال فيها بفضل تحويل الحكومات الناجح للأسهم وتشجيع مشاريع البنى التحتية فيها، مشيرا الى ان رأسمال السوق في دول مجلس التعاون الخليجي ارتفعت من 120 مليار دولار في العام 2000 إلى 522 مليار دولار في 2004، وأن هناك عوامل اخرى تقود حركة ازدهار السوق إلى هذه المستويات ولكن النفط يبقى العامل الأقوى.

عامل النفط

وأوضح التقرير أن الصادرات النفطية في العام 2004 تجاوزت 180 مليار دولار بزيادة قدرها 35 مليار دولار عن العام 2003 وما يعادل ثلاثة اضعاف صدراتها في العام 1988. كما ارتفع حجم المخزون الاحتياطي من العملة الاجنبية الى 70 مليار دولار بمعدل زيادة سنوية نسبتها 30%.

وقال خبير اقتصادي للمجلة إن الرخاء الاقتصادي الذي أحدثه ارتفاع اسعار النفط شجع الحكومات في دول الخليج على توزيع الموارد من أجل تطوير البنية التحتية فيها والتنمية الاجتماعية ايضا. وأن الانفاق الحكومي شمل قطاعات غير نفطية مثل القطاع شبه الحكومي مما عزز أداء الاقتصاد العام والثقة بالاعمال ووسع قاعدة المشاركة الشعبية في عجلة الاقتصاد الكلي.

وأشار الى أن نسبة عائدات النفط ارتفعت خلال العامين الماضيين 20% وهو ما يرفع حصة المواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي الى 20 ألف دولار. وهو ما انعكس بدوره على أداء الاقتصاد الجزئي كذلك.

السيولة العالية

وأكد التقرير أن السيولة النقدية العالية هي عامل مهم -وإن كان غير محبذ أحيانا- حيث استطاعت دول مجلس التعاون أن تحولها وبسرعة الى عامل اقتصادي فعال لرفع القوة الشرائية لدى المواطنين وتوظيفها بالشكل الصحيح لتمكين النظام الاقتصادي من امتصاصها.

وذكر بأن وجود السيولة العالية المدعومة بمعدلات فائدة متدنية دفع بالناس الى التفكير والبحث عن استثمارات اضافية اخرى، وأن سوق الاسهم كان المكان المثالي لتنفيذ هذه الاستثمارات، فبالرغم من كونه أخطر الأماكن للاستثمار، الا أنه المكان الأسرع لتحقيق الأرباح العالية والسريعة.

وأكد عبد الله الحناي مدير الأبحاث في بنك مسقط أن العملات المحلية هي اقل من قيمتها الحقيقية الآن بسبب ارتباطها بالدولار الأميركي ولهذا السبب نجد أن المنطقة تستقطب الأموال من الخارج. مشيرا إلى أن انخفاض قيمة العملة بالإضافة إلى انخفاض أسعار الفائدة ساهما معا في ارتفاع السيولة في اسواق المال. وأضاف أن هذه الأموال تجد طريق عودتها إلى أسواق المال في المنطقة الخليجية وتحقق أرباحا عالية جدا، وأن هذا ما شهده الجميع خلال الفترة المنصرمة بكل وضوح.

وأكد نبيل سلطان نائب رئيس شروق للاستثمارات بأن حركة التصحيح التي شهدتها بعض الأسواق الخليجية هي نتيجة طبيعية لحركة البورصات إذ لا يمكن للسوق بأن يسير إلى الأبد في اتجاه تصاعدي، مشيرا إلى أنه على عكس ما كان يحدث في الماضي حين كانت اموال المنطقة تستثمر في الخارج فإنها قد استطاعت هذه المرة ان تحافظ على وجودها في قلب المنطقة وتشغل في مشاريع محلية.

يلعب عامل الشعور بالاستقرار والرضا عن الوضع الاقتصادي العام دورا رئيسا في دفع عجلة النمو الكبيرة في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، فهناك الاستقرار الامني والاقتصادي وارتفاع اسعار النفط معا، وجميعها عوامل تغري المستثمر المحلي والأجنبي للعودة الى الاسواق بكامل ثقله وثقته.

كما توفر دول الخليج نشاطات اقتصادية وصناعية متنوعة من شأنها ان تزيد من جاذبية اسواق المال فيها، مما يعني أن حالة القلق والتخوف من مدى قدرة هذه الاسواق على المحافظة على استقرار ادائها أصبح جزءا من الماضي السحيق لأن هناك عوامل كثيرة تدعم استقرار اسواق المال في اكثر من جانب.

وأشار سلطان أنه بمقارنة استقرار اسواق المال الخليجية بنظيرتها الغربية فاننا سنلاحظ أن الغربية ليست في أفضل أحوالها لأن هناك أموالاً عربية كثيرة تم ضخها مرة اخرى الى الديار سواء من قبل المستثمرين العرب المقيمين في الخارج ام الحكومات والمؤسسات الحكومية وهو ما دعم استقرار الاسواق الخليجية أيضا.

التجارة العالمية

عندما وقعت البحرين اتفاقية التجارة الحرة الثنائية مع الولايات المتحدة في سبتمبر 2004 واجازت اتفاقية السوق الحرة بين البلدين، بدأت بقية دول مجلس التعاون سلوك الطريق نفسه ولا تزال بعضها في المراحل النهائية للتوصل الى اتفاقات التجارة الحرة سواء مع الولايات المتحدة أم الاتحاد الأوروبي.

وباستثناء المملكة العربية السعودية فإن جميع دول مجلس التعاون الخليجي هي أعضاء في منظمة التجارة العالمية، وفي هذه الحالة فإنها ستكون مضطرة لتطبيق كافة بنود اتفافيات المنظمة الام والتي تنص أيضا على ضرورة تفعيل دور أسواق المال فيها.

وقد بدى التأثير المباشر لقوة أسواق المال الإقليمية مع تبني دول مجلس التعاون الخليجي لنظام التعرفة الجمركية الموحدة في العام 2003 التي أجازت التجارة في الأسواق الحرة الداخلية بين هذه الدول. حيث فرضت ضريبة 5% على السلع المستوردة من خارج الاتحاد الجمركي، وهو ما سيترك اثرا كبيرا في المستقبل المتوسط والبعيد على أسواق المال الخليجية.

ربط أسواق المال الخليجية

وتعكف لجنة من أمانة مجلس دول التعاون الخليجي على دراسة إمكانية ربط أسواق المال الخليجية عبر شبكة كمبيوتر مشتركة، وذلك بهدف ايجاد حلول لبعض المشكلات القانونية والتقنية التي تعيق هذه الخطوة. وقال سيف المنصوري نائب مدير سوق الدوحة للخدمات الأمنية إن غالبية أسواق المال الخليجية تستخدم نفس النظام التجاري ما عدا الكويت وعمان اللتين تتبعان نظما مختلفة، مشيرا إلى أن نظام سوق الدوحة للخدمات الأمنية هو نفسه المستخدم في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين.

واشار إلى أن أسواق البورصة الخليجية كانت غير متجانسة على مستوى «غطاء» الاستثمارات الأجنبية، حيث تسمح السوق القطرية بنسبة 25% من الاستثمارات الأجنبية، بينما تسمح بعض دول الخليج بنسبة تصل إلى 49% بينما تمنع بعض الدول أي حصة مهما كانت بسيطة. مؤكدا أن هذه المسائل تشكل عائقا يجب ازالته قبل المضي قدما في تطبيق خطة ربط الأسواق بنظام شبكة الكمبيوتر الموحدة.

ونقلت صحيفة «غلف تايمز» عن المنصوري قوله بأن اللجنة عقدت اجتماعات مكثفة ومنتظمة وحققت مجموعة من التطورات في هذا الجانب، موضحا أن المسألة هي مسألة وقت لا أكثر.وأشارت بعض المصادر إلى انه في حال انجاز المشروع بواسطة نظام كمبيوتر واحد فإنه سيكون خطوة باتجاه توحيد أسواق البورصة الخليجية وازالة الحواجز التي تعيق تنفيذ الصفقات فيما بينها.

وذكرت بأن دول مجلس التعاون تدرس احتمالين الأول هو توحيد أسواق البورصة لتصبح بورصة إقليمية واحدة، والثاني هو أن توحد القوانين واللوائح المسيرة لنشاط هذه الأسواق بحيث يتمكن مواطنو كل دولة من دول المجلس من التعامل بنفس القانون.وتوقعت المصادر أن يعقد اجتماع على مستوى الوزراء لأعضاء دول مجلس التعاون الخليجي، لمناقشة هذا المشروع قبل إقراره من قبل قادة المجلس.

ويذكر أن دول مجلس التعاون تعمل منذ زمن على انجاز مشروع العملة الخليجية الموحدة والذي يتوقع ان يرى النور بحلول العام 2010، كما توقعت المصادر ان تسبق العملة الموحدة سوق سندات مشتركة بحلول العام 2007. وخلص التقرير إلى أن القول بأنه في ظل هذه التطورات المستقبلية المتوقع حدوثها في فترات متتالية فإن الحديث لن يكون عن حدوث حركة تصحيح في أسواق المال بل متى سيكون هذا التصحيح؟

أرض الفرص الذهبية

أشار التقرير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي وتحديدا مدينة دبي تشكل أرض فرص أعمال ذهبية لا مثيل لها في العالم لاسيما على مستوى أسواق المال، كما اعتبر سوق عمان المالي من الأسواق النشطة، حيث سجل مؤشر عمان المالي نموا نسبته 23.78 % في العام 2004.

وهي نتيجة جيدة اذا ما اخذت بدون مقارنتها بالاسواق الخليجية الاخرى كالإمارات العربية المتحدة التي سجلت نسبة نمو بلغت 88.4% والمملكة العربية السعودية 84.9% في الفترة نفسها. ولكن السوق العماني سجل نموا زخما قويا خلال السنة الجارية، حيث بلغت نسبة النمو في الاشهر الخمسة الاولى 58.35% وبلغ رأسمال سوق عمان للخدمات الأمنية حوالي عشرة مليارات دولار في شهر مايو 2005.

عوامل النمو

تعتبر زحمة الاكتتابات التي تشهدها أسواق المال الخليجية عموما مؤشرا على الازدهار الكبير الذي تختبره منذ فترة عامين تقريبا، فيما يرى المراقبون في هذه الزحمة مؤشرا يدعو الى القلق حيث تزداد احتمالات سحب السيولة من الاسواق، ولكن هذه المخاوف تبددت تدريجيا لأن الاسواق استطاعت استيعاب هجمة الاكتتابات بدون مشاكل حقيقية لأن هذه الاكتتابات رافقها الاعلان عن مشاريع عقارية وسياحية وصناعية كبرى في تلك الدول ستجعل السنوات الخمس أو العشر المقبلة مليئة بالانجازات والمشاريع الساخنة.

وهو ما يعني أن وضع الاسواق المالية سيحافظ على أدائه القوي. وإذا اضفنا إلى هذه العوامل عامل النضوج الزمني لخبرات أسواق المال خلال السنوات القليلة الماضية سنجد أن تلك الأسواق حققت من الشفافية وسلامة الأداء والفعالية الكثير.

الحفل لم يبدأ بعد!

قد يبدو للمراقب أن مشاعر الخوف والمخاطرة قد تبددت في أسواق المال الخليجية، لكن الواقع أن الاسواق تعيش الآن مرحلة الاستعداد للموجة الكبيرة القادمة، والسؤال الكبير هو هل النمو الضخم الذي حققته تلك الاسواق هو نمو حقيقي؟ والى متى يمكنه ان يستمر؟ لاسيما ان وضع هذه الاسواق ليس كبقية الاسواق العادية.

ترجمة: محمد بيضا

دبي ـ «البيان»