قليلة هي الأفلام التي تتحدث عن العنصرية، ولا تسقط في فخ التوثيق لأحداث معينة، فتظهر واقعة أو تروي وقائع، من دون الغوص في الخلفيات الاجتماعية والثقافية للعنصرية، التي ليست ظاهرة فحسب، بل تتعدى التوصيف التفسيري، كونها ملاصقا تاريخيا فكريا وعميقا، شمل كل مراحل التاريخ الإنساني، وأثر في كل الحضارات على تنوعها واختلافاتها الكثيرة.
وتكاد تكون من تكوينات الطبيعة البشرية، فمن يمارسها أو تمارس عليه، يتساويان في النهاية، ولو كان الأول فاعلاً والثاني مفعولاً. فهما مستعدان لتبادل الأدوار في حال تبدل الظروف. ولا يستمد هناك الضحية أخلاقياته من أخلاقيات الجلاد، بقدر ما يظهر حقيقة مخفية ونائمة، لا تستيقظ إلا بشرط اقتصادي واجتماعي يميزه بالرفعة عن الآخر، ويتيح له ممارسة ما هو متأصل فيه.
خصوصاً إذا عرفنا أن تجارة الرقيق كانت تتم في أفريقيا مثلاً بين ملك أفريقي أسود وتاجر أبيض يأتي بمراكبه إلى الشواطئ الأفريقية، فيجد «بضاعته» جاهزة ومعلبة داخل أقفاص، تم أسرهم من قبيلة أقل شأناً من قبيلة الملك، صاحب الرفعة الاجتماعية في مجتمع بدائي ومتخلف.
على هذه المفاهيم العميقة للعنصرية، يقدم السيناريست بول هاجيس فيلمه الإخراجي الأول عن العنصرية تحت عنوان «كراش»، حيث يبدو الإيراني والكوري واللاتيني والصيني والأفريقي والأبيض الأميركي في ولاية لوس أنجلوس «الكوزموبوليتية» معاً، يعيشون تناقضات ثقافاتهم وأفكارهم، ويمارسون فرديتهم المفروضة بحكم النظام الاقتصادي المتبع، لكنهم أيضاً ينتمون إلى جماعاتهم التي تبدو جماعات وهمية وواقعية ضمن مفهوم مقدسي هلامي، أكثر مما هو حقيقي وفاعل.
يبدأ الفيلم بمشهد يشي بأنه أكثر من مقدمة. مجموعة من الأضواء الخافتة تتجاوز على تعدد ألوانها، تشير بلغة بصرية، إلى تنوع البشر وتجاورهم وتضادهم وغموضهم على مسرح الحياة والمجتمع. ويؤكد بول هاجيس استخدامه لهذه البداية بإعادة بثها قبل نهاية الفيلم بقليل.
بعد هذه المقدمة الموحية، ينتقل المخرج إلى المشهد الثاني، واضعاً المشاهد في صلب سردية الفيلم، فنرى شاباً أسود يتأفف لصديقه من معاملة نادلة المقهى لهما بعنصرية مفرطة، بأن تركتهما ينتظران والخ... من سلوكيات يرى فيها هذا الشاب تفريق بين إنسان وآخر. فيبرر الثاني للأول بسخرية متعمدة «علها خافت»، فيثور الأول، معتبراً أنهما في حي يسكنه الجنس الأبيض والمفترض أن يخافا من هذا الأمر، والنادلة بهذا المعنى هي التي تخيف.
وليس لها الحق أن تخاف. فجأة تتحول الأحداث عن مسارها الهادئ والحواري، حيث «ساندرا بولوك» تمشي مع زوجها «المدعي العام» بمواجهة هذين الصديقين، فتجفل منهما وتحاول تغيير مسار خطواتها، مما يؤدي إلى اشتعال الزنجي الثائر ويحرض صديقه على سرقتهما، فيشهران مسدساتهما ويقومان بتهديد المدعي العام وزوجته ويسرقان سيارتهما ويفران بعيداً، ليصدما بعد حين رجلاً صينياً، فيعلق تحت السيارة الضخمة، فيقرر السائق إكمال القيادة، حتى لو أدى ذلك إلى موت الصيني دهساً.
يرفض الثاني ويصر على سحبه من تحت السيارة وتخليصه. بولاك وزوجها يقومان بتغيير أقفال المنزل كون مفاتيح السيارة متضمنة مفاتيح البيت أيضاً. الرجل اللاتيني الأسمر أرسل من قبل شركة الأقفال ليقوم بمهمة التبديل، فيجن جنون بولاك وتطلب من زوجها أن يعيد كرة التبديل في الصباح، لأن هذا العامل الملون سيسلم نسخة من مفاتيح البيت إلى أصدقائه «اللصوص» برأيها. يحاول زوجها التهدئة من روعها، لكنها تبدو امرأة متوترة متحججة بأنها تعرضت منذ ساعات إلى تهديد مباشر، حيث سددا من سرق سيارتهما أسلحتهما إلى وجهها.
الممثل «دون شيدل» تحر أسود نراه مع زميلته يحققان في جريمة قتل شرطي لزميله في حادث غامض، ويكتشفان خلال سير التحقيقات أن الشرطي الأسود المقتول كان ينقل في دولاب السيارة الاحتياطي مبلغ 300 ألف دولار، لكن المدعي العام لا يريد أن يثير المجتمع عليه وإظهار الحقيقة كونه من المرشحين لحاكمية ولاية لوس أنجلوس.
فيضغط على الشرطي عبر أحد مساعديه الذي يكشف أمام «شيدل» بأنهم عرفوا عنه وعن شقيقه الهارب من المنزل والمنضوي في عالم الجريمة الشيء الكثير. فيخضع الشرطي للضغط ويتجاوب مع ما أرادوا منه أن يشهد فيه، وهو الذي يقيم علاقة جسدية مع زميلته الشرطية اللاتينية.
في النهاية يجد شقيقه المراهق مقتولاً على جانب الطريق وتتهمه أمه المدمنة للمخدرات بأنه من قتله، لأنه لم يبحث عنه كما يجب، فتتخلى عنه في مشهد مؤثر ورمزي، أراده بول هاجيس أن يكون جزءاً من قولية الفيلم القوية بين عناصر رمزية كثيرة أخرى امتدت على طول الشريط.
خصوصية وفلاش باك غير مستخدم
يسير شريط بول هاجيس بأسلوب يعتمد لغة بصرية وحوارية لها خصوصيتها، فكل أحداث الفيلم تقوم على فلاش باك، لكن المشاهد لا يعرف ذلك. وقد تكون المرة الأولى التي يستخدم فيها الخط الإرجاعي في السينما بهذا الأسلوب الجديد والمميز. فمؤلف القصة وكاتب السيناريو هاجيس، استطاع أن يقدم في إدارته الأولى التي يقوم بها في السينما،
وهو الكاتب التلفزيوني المعروف، والمؤلف لقصتين سينمائيتين قبل هذا الفيلم، الأول في العام 2000 «الخريف في نيويورك» من بطولة وينونا رايدر وريتشارغير وإخراج جون شين، والثاني منذ أشهر قليلة تحت عنوان «طفلة بمليون دولار» الفيلم الذي حصد جوائز عدة من أوسكار وأخرجه كلينت ايستوود ولعب دور البطولة فيه هيلاري سوانك، صاحبة جائزتي أوسكار وإلى جانبها العتيق مورغن فريمان.
«كراش» يروي أحداثاً كثيرة، ويعرض لخلفياتها ويربط بينها بإتقان «حداثوي» فيخلط بين الأمس وما قبل وبين اليوم والغد، وكأن أحداث الفيلم تدور في كل الأزمنة وكل الأمكنة أيضاً. والمتتبع للإنتاجات السينمائية في السنوات العشر الأخيرة سيعرف بعد مشاهدته الفيلم أن هذا الشريط من أفضلها، لأنه يعيد للسينما معناها الروائي ويقوم على ضربات فنية كبيرة ستدفع الفيلم لأن يحصد الكثير من الجوائز من دون أدنى شك.
وكذلك سيحتل بول هاجيس مكانه في عالم الإخراج السينمائي، إلى جانب أسماء كبيرة حاضرة اليوم منهم أوليفر ستون وستيفن فريرز. «كراش» بدأ عرضه في الصالات المحلية منذ أيام، والجمهور يتجاوب معه بدرجة متوسطة، كونه ليس معتاداً على سينما جيدة من نوعية هذه الأفلام، إذ ليس من مشاهد إثارة مجانية أو أكشن استعراضي أو مشاهد عنف غير مبررة. ولا دور للنجوم فيه أكثر من كونهم ممثلين، يؤدون أدوارهم، إضافة إلى أن القصة ومحتواها والإخراج أبطال القصة الحقيقيين.
وهذا لا يقلل من شأنهم وتجسيدهم للأدوار بمهنية واضحة. فبرز مات ديلون بشخصية الشرطي العنصري الذي يعتدي على كريستين (تجسد شخصيتها الممثلة ثاندي نيوتن) بالتحرش الجنسي أمام زوجها الأسود والمخرج التلفزيوني الذي يخضع للإهانة خوفاً على سمعته وعمله، وتحرضه هي على الثأر لكرامته، فيقوم بردة فعل كادت أن تودي بحياته، ثم يتوالى التصاعد الدرامي فينقذ الشرطي العنصري والمعتدي من اعتدى عليها سابقاً.
ويقوم صديقه الرافض لعنصريته والذي طلب أن يعمل بعيداً عنه، بقتل أحدهما نتيجة للخوف المتأصل فيه، فكل شخصية تحمل تناقضات بين الظاهر والمخفي العميق. ولا يمكن تناسي رقة الطفلة التي تنقذ أباها من الموت المحتم، عبر إيمانها بأنها تلبس رداء وهمياً يحميها من الرصاص.
وهي في الحقيقة تنقذ القاتل من ارتكاب جريمته وتعيده إلى صوابه وإلى عالمه الروحاني الذي فقده. وعلى هذا النحو في الفيلم قصص عدة أحداث عدة لا يربط بينها إلا أنها تقع في لحظة الاجتماع الإنساني في أي مكان على سطح الكوكب. «كراش» فيلم يستحق المشاهدة، ويستحق أن تدور حوله نقاشات حقيقية وكثيرة. فهو فيلم عبقري بكل مستوياته.
حسين قطايا