الحيتان الكبيرة بدأت تفسح المجال للأسماك الصغيرة. هذا هو المشهد الذي يسيطر، تقريباً، اليوم على سوق الإنفاق الإعلاني التلفزيوني في المنطقة، والذي تقدّره دراسات حديثة بأكثر من 2. 1 مليار دولار. وبالرغم من مثول الكثير من التحديات التي تواجه هذا القطاع، والتي تدير بوصلتها بشكل رئيسي ظروف المنافسة الشديدة والاحتكارات وطريقة عمل الممثلين الإعلانيين للمحطات.
إضافة إلى عوامل أخرى تتعلّق بالحسومات ومشاكل برمجة أوقات الذروة وصعوبة الرهان على ولاء المشاهد في ظل تنوّع الخيارات التي تعرضها أكثر من 200 محطة فضائية في المنطقة، إلا أن دراسات حديثة أشارت إلى أن القنوات العشر المصنّفة أولى قد بدأت تتخلى شيئا فشيئا عن احتكارها غالبية جمهور المشاهدين لصالح القنوات الأخرى المصنّفة في مراتب أدنى.
وقد أشارت أرقام صادرة عن المركز العربي للدراسات والأبحاث، وأخرى عن شركة «إيبسوس ستات»، أن القنوات العشر الأولى قد حظيت في العام الماضي بحوالى 8. 63 % من جمهور المشاهدين في مقابل 88 % في العام 2002. وهكذا تكون نسبة مشاهدة بقية القنوات قد بلغت في 2004 حوالى 2. 36 % مقابل 12 % فقط في العام 2002، وهي نسبة نمو ملحوظة تتحقق خلال سنتين فقط، وتفسّر أيضا قدرة هذه القنوات على اقتطاع حصة لا بأس بها من سوق الإعلان التلفزيوني.
وكان رمزي رعد، الرئيس وكبير المديرين التنفيذيين في شركة TBWA/RAAD قد قدّم هذه الأرقام في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون الذي عقدت دورته الأخيرة قبل فترة بمصر، في محاضرة تناولت تحديات الصناعة التلفزيونية في العالم العربي ونشأتها الأولى.
* تحدّيات رئيسية
وبصرف النظر عن الموقع الاستراتيجي الذي يتمتع به اللاعبون الأساسيون في المنطقة اليوم، فإنهم يواجهون تحديات رئيسية من شأنها أن تؤثر وتتحكم بسوق الإعلان التلفزيوني، ومن بينها التنافس الكبير على تقديم المضمون الحصري للمشاهد، إضافة إلى سياسة إنشاء الباقات التلفزيونية من دون أن نغفل حجم الضغوطات التي تتعرّض لها القنوات التلفزيونية المشفّرة في ظل تزايد عدد القنوات المتخصصة التي تقدم المضمون الترفيهي، مثل الأفلام والموسيقى، ومن دون مقابل.
كذلك، لا تزال هناك مشكلة ماثلة في تمديد ساعات الذروة والاستفادة من الأوقات التلفزيونية التي توصف عادة بأنها ميّتة، مثل فترات الظهيرة وما بعد منتصف الليل، عن طريق توليف برامج خاصة تتوجه إلى جمهور التلفزة في هذه الأوقات وتاليا استدراج المعلن أيضا.
كما تطرح مسألة الشراكات بين القنوات الفضائية العربية جملة تساؤلات حول تأثير محتمل لهذه التحالفات على سوق الإعلان التلفزيوني الذي، بالرغم من تزايد دخول لاعبين جدد إلى حلبته، لا تزال تتحكم به قلة من المحطات التلفزيونية لا يتجاوز عددها ست قنوات أو عشر في التصنيف الأشمل. ومن التحديات الأخرى التي تواجه هذا القطاع، ارتفاع ميزانية البرمجة التلفزيونية السنوية للمحطات بسبب ارتفاع تكلفة الاستثمارات في هذا المجال، خاصة في ظل «حمّى» شراء البرامج الأجنبية ومعظمها مما يوصف ببرامج الواقع التلفزيونية.
وتواجه صناعة الإعلان التلفزيوني في المنطقة ثلاثة تحديات رئيسية تتمثل بإمكانية توليف مادة جاذبة لولاء المشاهد وتقديم عروضات إعلام خاضعة لمزيد من التجزؤ تبعا لأذواق المشاهدين المنقسمة، إضافة إلى تطوير تقنيات التسويق والتفاعل من خلال الهاتف الثابت والنقّال والتجارة عبر التلفزيون، والتي لا تزال في معدلاتها الأدنى قياسا إلى الفرص المتاحة بسبب قلة وعي المستهلك بإمكانات التكنولوجيا الحديثة التي يقتنيها، بجانب المشكلة المتمثلة بغياب الأرقام الموثوقة التي تحدد طبائع المشاهدين وطرائق المشاهدة وقياس نسبة المشاهدة.
* حركة تصحيحية
ويجمع عدد كبير من العاملين في صناعة الإعلان التلفزيوني في المنطقة أن المأزق الحقيقي الذي كان يواجههم في الفترات السابقة هو قلة العائدات بسبب بيع الإعلانات في التلفزيون، أثناء الفترة الرئيسية، بحسومات كبيرة تصل إلى 95 % أحيانا.
يقول أحمد إسماعيل، خبير في مجال الاتصالات ووسائل الإعلام والتكنولوجيا في «بوز ألن هاملتون»، بأن «غياب التوجيهات التنظيمية للإعلان في القنوات التلفزيونية قد سمح بتوسيع مخزونها من وقت الإعلانات في الفترة الرئيسية في محاولة لتنمية العائدات والتعويض عن تدني أسعار الوحدة الإعلانية.
وقد يكون الازدحام الناتج عن إعلانات الفترة الرئيسية ذا نتائج عكسية على المدى البعيد لأنه يبرر مزيداً من الخصومات على أسعار الإعلانات والتي صارت أقل فاعلية نتيجة الازدحام. لذا فإن الحصيلة الإجمالية ستكون متدنية، وستؤدي في العديد من الحالات إلى خفض العائدات الصافية الهامشية للقنوات التلفزيونية على المدى القصير مع احتمال حدوث نمو محدود للعائدات على المدى الطويل».
ويوافق على هذا الرأي بول قطريب، المدير الإعلامي الإقليمي في شركة Grey Worldwide للإعلانات، لكنّه يعتقد أن الوضع خلال السنة الأخيرة الماضية قد بدأ يتغيّر، حيث «شهد السوق ما يشبه حركة تصحيحية، وبدأت التلفزة تعي أن العمل بطريقة (علب البطاطا)، أي تقديم حسومات كبيرة، لم يعد مجديا».
ويعتقد أن جرّ السوق إلى مسألة الحسومات التي تصل أحيانا إلى 200 % تتحمّل مسؤوليته بشكل مباشرة القنوات الجديدة، أو القديمة، ممن لا تحظى بنسبة مشاهدة عالية وتواجه مأزقا بملء فضائها الإعلاني، فيكون الحلّ بتقديم عروضات حسومات كبيرة للمعلن كأن يحصل المعلن على مجانية عرض إعلاني لمدة ثلاث مرات في فترة محددة مقابل عرض واحد مدفوع، وهو الأمر الذي يروق للمعلن أحيانا،
كونه يحظى بفرصة تكرار إعلانه لأكثر من مرة، ما يجعله يتغاضى عن كون هذه القنوات ذات نسبة مشاهدة منخفضة.ويقول القطريب ان هناك عشر قنوات فضائية في المنطقة تصرف عليها غالبية الميزانية الإعلانية التلفزيونية: «لم تتوقف هذه المحطات أيضا عن اتباع سياسة الحسومات، لكنها تقدّم حسومات أكثر تنظيما ومنطقية».
* الذروة
وإذا كانت «عقدة» ساعات الذروة قد أثرت بشكل لافت على تسعير الوحدة الإعلانية التلفزيونية، فإن الخروج من وقت الذروة يعني كسادا حقيقيا. فقد قدّرت التقارير الحديثة أنّ معظم القنوات التلفزيونية في المنطقة لم تتمكن من توليد عائدات إعلانية كافية من برامجها خارج الفترة الرئيسية وفي وقت متأخر من الليل الأمر الذي أدى إلى عائدات متدنية جداً لكل وحدة تسعير أثناء الصباح وبعد الظهر الباكر: «لم تنجح المحطات العربية حتى اليوم في استغلال الأوقات المصنفة خارج ساعات الذروة.
وهي عادة من السابعة إلى الحادية عشرة ليلا، رغم أن هناك شريحة واسعة من مشاهدي التلفزة المحتملين خلال هذه الفترة وتحديدا الموظفين الحكوميين الذين يكونون في بيوتهم في فترة ما بعد الظهيرة والنساء من ربات البيوت اللواتي يتواجدن في المنازل غالبية الوقت».
ويكشف القطريب أن المحطات لا تزال تواجه ارباكا حقيقيا تجاه فترات العطلة الأسبوعية «الويك اند»، مع وجود جدل حقيقي حول اذا ما كانت أوقات ذورة مشاهدة حقيقية أم أنها ميّتة بسبب وجود المشاهدين خارج المنازل، خاصة في ظل عدم وجود طرائق قياس المشاهدة التي تحدد الوضع بدقة.
* بورصة
وتستغل بعض القنوات المصنّفة كونها تحظى بمشاهدة عالية غياب طرائق قياس المشاهدة لكي تفرض على المعلن تسعيراً ثابتاً فيما يختص بالوحدة الإعلانية خلال برامج معيّنة تحظى بشعبية مشاهدة. ويقول الخبراء أن لا أحد يضمن أن يستمر البرنامج بحصد نسبة ثابتة من المشاهدة في ظل غياب الدراسات الموثوقة التي تثبت ذلك، وبالتالي يجب أن تكون الأسعار متحرّكة وتتعلّق بنسبة المشاهدة الفعلية للبرنامج: «إذا شاهد البرنامج عشرة سأدفع، كمعلن، كذا.
لكن إذا شاهده بعد فترة خمسة أشخاص، ليس من المعقول أن أدفع المبلغ ذاته»، يعطي القطريب مثالاً توضيحياً مقترحاً أن يتم العمل في قطاع الإعلانات التلفزيونية بقوانين البورصة، أي أن تتحكم بالعملية آلية العرض والطلب ولا تستغل محطات معيّنة شعبية اسمها من أجل فرض شروطها على المعلن، مستفيدة فقط من غياب الأرقام والدراسات.
وترفع ضغوط المنافسة المستمرّة من فاتورة تكاليف البرمجة التلفزيونية، مما يحرّض على المزيد من «الاستشراس» في الحصول على حصة وافية من نصيب الإعلانات بالمقابل. ويمكن أن تتفاوت ميزانية البرمجة السنوية للقناة التلفزيونية في المنطقة من 5 ملايين دولار للقناة القائمة على المكتبات، إلى 60 مليون دولار للقنوات التي تنتج برامجها الخاصة أو تحصل على حقوق برمجة أجنبية.
ولمجاراة توقعات المشاهد المرتفعة، تعمد المحطات التلفزيونية إلى الاستثمار كثيراً في ترقية جماليات شاشاتها وفي اقتناء أنساق البرامج الأجنبية. كما أن الاستثمارات في تكنولوجيا البث وجودته والتواجد على عدة أقمار اصطناعية من عرب سات إلى نايل سات ساهمت في ارتفاع الاستثمارات الإجمالية.
* على طريقة المجلات
ويطرح الخبراء جملة من الأسئلة حول مصير الإعلان التلفزيوني وتأثّره بحركة الشراكات والتوحيد التي قد يكون السوق ناضجا لها في الفترة الحالية. وقد شهد السوق بالفعل بعض أنشطة التوحيد بحصول روتانا مثلا، في العام الماضي، على حصة في LBC وشراء «فنون» المصرية، ويمكن تسريع وتيرة التوحيد عندما تصبح القيمة المحتملة لاقتصادات الإنتاج الواسع النطاق جلية أمام اللاعبين الفاعلين الحاليين من ناحية تدني تكاليف البرمجة والبث والتكاليف المباشرة، وتعزيز القدرة على المساومة في بيع الإعلانات وزيادة استراتيجيات تنسيق القيمة عبر المنصات المتعددة.
وبناء على ذلك، يمكن أن يتوحّد سوق الشرق الأوسط من خلال أعمال الاندماج والشراء من جهة، ومن خلال المشاريع المشتركة والاتحادات من جهة أخرى. ويمكن أن يتبع ذلك مساراً مماثلاً للمسار الأوروبي والأميركي أثناء أواخر التسعينات عندما أنشأت وسائل الإعلام البارزة «عائلات» من الشبكات الأمر الذي سمح لها بتأمين حيز وبناء مكانتها في الأسواق.
ويرى القطريب أن هذه التحالفات قد لا تؤثر كثيرا على آلية سوق الإعلان التلفزيوني:«فالممثلون الاعلانيون للمحطات لن يساوموا من أجل محطة على حساب محطة أخرى، خاصة إذا كان الممثل واحدا للمحطتين المتشاركتين أو الداخلتين في اتفاقية تحالفية.. هذا الأمر قد يحدث في سوق المجلات مثلا وليس التلفزة».
كتب إبراهيم توتونجي